غابت الحسابات الإستراتيجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن قرار الحرب في 28 فبراير الماضي وما بعده، لا توجد رؤية خاصة بتنفيذ أهدافه، سواء في الضربة العسكرية السابقة أو ما يُسمى بحرب الإثني عشر يومًا أو ما بعدها، وربما غابت هذه الرؤية بصورة أكبر عن تصورات ما بعد الحرب الحاليّة. مدد الرئيس الأمريكي الهدنة أكثر من مرة حتى تقبل إيران بالشروط الأمريكية، ما لم تحققه أمريكا في حرب ال 39 يومًا، لن تحققه خلال المفاوضات الحاليّة، ولن تستطيع أنّ تضغط على إيران حتى بعد فشل المفاوضات. مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل شريان حيوي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي خطوة فيه محفوفة بتداعيات دولية هائلة، وهو ما نجحت إيران في استغلاله على مدار أسابيع الحرب وما بعدها، وحديث الرئيس الأمريكي بتحرير المضيق لا معنى له، فقد فشل في ذلك عسكريًا ونجح في تحريره عبر المفاوضات، والحصار لا قيمة له لأسباب. الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية قد يأتي بنتيجة ولكنها متأخرة، خاصة وأنّ أمريكا سبق وفرضت عقوبات على إيران ولعلها حاصرت تصدير النفط، فالسلوك الأمريكي ليس بجديد، فضلًا على أنّ نتيجته ليست آنية في قبول طهران بالشروط الأمريكية. العالم أمام أزمة حقيقية تتعلق بغلق المضيق وتأثر سلاسل الإمداد، وحركة نقل سفن النفط، وتباطئ النمو، هذه المعاناة لو أنها استمرت إسبوعين آخرين لكان التأثير أكبر، وهو ما يتحمله العالم والمنطقة، رغم أنّ إيران مؤهلة لتحمل تبعات حصار الموانئ الإيرانية. من الناحية النظرية، تبدو الخيارات أمام ترمب واضحة، تشديد العقوبات، أو فرض حصار بحري، أو حتى التلويح بالقوة العسكرية. لكن في الواقع، كل خيار من هذه الخيارات يصطدم بجدار من التعقيدات. فالعقوبات، رغم فعاليتها في الضغط الاقتصادي، أثبتت محدوديتها في تغيير السلوك الإيراني بشكل جذري، خاصة مع قدرة طهران على الالتفاف عبر شبكات تجارية بديلة، فضلًا على أنّ العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني عمرها سنوات، وقد تواءمت معها. خيار محاصرة الموانئ، أكثر إشكالية، فتنفيذه عمليًا يُعني الدخول في حالة تشبه الحرب، لأن منع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية قد يُعتبر انتهاكًا للقانون الدولي وحرية الملاحة، وهذه إشكاليّة أخرى ترتبط بالتصعيد الأمريكي الذي يُودي إلى الحرب وهو ما لا تًريد أمريكا مرة ثانية. تمتلك إيران وسائل غير تقليدية مثل الزوارق السريعة والألغام البحرية، وهو ما سوف تستطيع من خلاله مواجهة حصار موانيها من قبل واشنطن. الخيار العسكري المباشر بدوره ليس أقل تعقيدًا، فإيران لا تحتاج إلى مواجهة تقليدية مفتوحة، بل يكفيها تهديد الملاحة في مضيق هرمز لرفع كلفة أي تصعيد إلى مستويات لا يمكن التنبؤ بها، وفي عالم يعتمد على استقرار إمدادات الطاقة، فإن أي اضطراب في هذا الممر سيؤدي إلى قفزات حادة في أسعار النفط، وهو ما ينعكس سلبًا حتى على حلفاء واشنطن. إضافة إلى ذلك، فإن البعد الدولي يُقيّد حركة ترمب، فالدول الكبرى، بما فيها الحلفاء الأوروبيون، غالبًا ما تفضّل احتواء التوتر بدل تفجيره، كما أنّ أي تصعيد قد يدفع قوى أخرى إلى التدخل سياسيًا أو اقتصاديًا، ما يعقد المشهد أكثر. في هذا السياق، تبدو الخيارات المشار إليها أقرب إلى المستحيل، كلما زادت حدتها، زادت كلفتها ومخاطرها في نفس الوقت، وكلما انخفضت حدتها، تراجعت فعاليتها، وهنا تكمن معضلة ترمب الحقيقية. معضلة ترامب ليست في غياب الخيارات، بل في كونها جميعًا مكلفة إلى حد يجعلها شبه مستحيلة التنفيذ دون أثمان باهظة، فهي خيارات مستحيلة ومكلفة. في النهاية، يظل مضيق هرمز اختبارًا دائمًا لحدود القوة الأمريكية، فبين الرغبة في فرض الهيمنة والواقع الجيوسياسي المعقد، تقف واشنطن أمام معادلة صعبة، كيف تُمارس أقصى درجات الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة لا يمكن السيطرة على نتائجها؟ هذا السؤال يمكن الإجابة عليه الساعة العاشرة بتوقيت الساحل الشرقي، كما حددها الرئيس الأمريكي.