يشهد ملف تأمين الملاحة في مضيق هرمز تصاعدا لافتا في التنافس الجيوسياسي بين ضفتين غريبتين عن الاصطفاف التقليدي داخل الغرب: الولاياتالمتحدة من جهة، وحلفاؤها الأوروبيون من جهة أخرى، في ظل تباين متزايد في الرؤية حول إدارة الأزمات الإقليمية وحدود استخدام القوة العسكرية. في هذا السياق، كشف مسؤول عسكري فرنسي عن تحرك أوروبي جديد تقوده باريس، يتمثل في عقد رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية إيمانويل ماكرون فابيان ماندون اجتماعاً فنياً عبر الفيديو مع رؤساء أركان دول راغبة في المساهمة في إعادة فتح وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، في خطوة تعكس رغبة أوروبية متزايدة في لعب دور مستقل عن واشنطن في إدارة أمن الممرات البحرية الحيوية. وبحسب المسؤول الفرنسي، فإن هذا الاجتماع لن يكون مرتبطاً بالموقف الأمريكي أو خاضعاً لتوجهاته، بل سيبقى ضمن إطار دفاعي بحت، مع تأكيد باريس أنها لا تنوي المشاركة في أي عمليات عسكرية قبل تهدئة التوتر في المنطقة، ما يعكس حرصاً أوروبياً على ضبط حدود الانخراط العسكري في الأزمة. تباين أوروبي–أمريكي يتعمق يأتي هذا التحرك في وقت تتصاعد فيه التوترات بين الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب وحلفائها داخل حلف شمال الأطلسي حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، حيث انتقلت الخلافات من ملفات تجارية وسياسية إلى ملفات أمنية وعسكرية مباشرة. وتشير التطورات إلى أن أوروبا باتت تنظر إلى أزمات مثل أمن الملاحة في هرمز باعتبارها اختباراً لقدرتها على صياغة سياسة دفاعية مستقلة، بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التقليدية، خصوصاً في ظل تزايد التوترات حول الحرب في إيران، وملفات الرسوم الجمركية، والالتزامات داخل الناتو. أزمة ثقة داخل المعسكر الغربي تزامن التحرك الأوروبي مع تصاعد الخلافات حول مدى التزام واشنطن بالمظلة الأمنية المشتركة، وهو ما دفع نقاشات داخل أوروبا حول تعزيز "الردع الأوروبي المستقل"، بما في ذلك تطوير قدرات دفاعية وتوسيع هامش القرار العسكري بعيداً عن الولاياتالمتحدة. كما برزت مواقف أوروبية رافضة للانخراط في أي تحالف عسكري أمريكي مباشر لتأمين مضيق هرمز، إذ شددت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس على أنه "لا توجد رغبة أوروبية" في المشاركة في مثل هذه العمليات، في إشارة إلى تحفظات واسعة داخل التكتل. هرمز كخط صدع عالمي يمثل مضيق هرمز نقطة ارتكاز في معادلة الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملاً مباشراً في ارتفاع أسعار الطاقة وتوسيع دائرة التأثير الجيوسياسي عالمياً. وفي ظل التهديدات المتبادلة المرتبطة بإمكانية إغلاق المضيق، تتخوف العواصم الأوروبية من تداعيات اقتصادية وهجرات محتملة، ما يدفعها إلى تبني مقاربة أكثر حذراً مقارنة بالاندفاع الأمريكي نحو الحلول العسكرية. استقلال أمني أوروبي يشير التحرك الفرنسي–الأوروبي إلى بداية تحول استراتيجي أوسع، يتمثل في إعادة تعريف دور أوروبا الأمني خارج العباءة الأمريكية، سواء عبر مبادرات دفاعية مشتركة أو عبر إعادة هيكلة الإنفاق العسكري والتعاون الصناعي الدفاعي داخل القارة. وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى تشكيل تحالفات متعددة الجنسيات لحماية الملاحة في هرمز، إلا أن الاستجابة الأوروبية المحدودة تعكس اتساع الفجوة بين الطرفين، وغياب الإجماع الغربي حول إدارة الأزمات في الشرق الأوسط.