تواصل دار الكتب والوثائق القومية مهمتها الحضارية والمعرفية، كما قامت به لأكثر من قرن ونصف القرن، تحديدا نحو 156 عام، وهو العمر الحقيقي الذي تتمتع به دار الكتب، حيث واصلت المؤسسة دورها بوصفها الجهة المعنية بتشكيل السياسة المعرفية والمعلوماتية المتدفقة داخل المجتمع، فهي أكبر وأقدم مكتبة وطنية في العالم العربي، وثالث أرشيف عالمي، وهي بمثابة ذاكرة الأمة، والحارثة لتاريخه وتراثه، وأحد أهم مراكز الإشعاع الحضارى للتراث العربى، خاصة وأنها تمتلك أكثر من 100 مليون وثيقة بلغات مختلفة. تأسست دار الكتب المصرية في مارس عام 1870، بأمر من الخديوى إسماعيل فى منطقة درب الجماميز بسرايا مصطفى باشا فاضل شقيق الخديوى، بهدف تجميع المخطوطات النفيسة مما أوقفه السلاطين والأمراء والعلماء على المساجد والأضرحة والمدارس ومعاهد العلم، ثم انتقلت إلى مبنى مستقل في باب الخلق عام 1904، قبل أن تستقر في مقرها الحالي برملة بولاق على كورنيش النيل عام 1971. وكانت دار الكتب تتبع الهيئة المصرية العامة للكتاب، ثم انفصلت عنها عام 1993 ضمن خطة لتطوير دار الكتب. بناء مجتمع المعرفة ووفق دراسة للباحثة سمر عبدالتواب زكريا بعنوان "المكتبات الوطنية ودورها في بناء مجتمع المعرفة.. دار الكتب والوثائق القومية المصرية نموذجا"، فإن دار الكتب تمتلك رصيدا ضخما من مصادر المعلومات المتنوعة ما بين مخطوطات ومسكوكات وخرائط وأوائل المطبوعات والبرديات، إلى جانب تمتع الدار بمواد قانونية تتسم بالمرونة وقدر من الاستقلالية مما يساعد على بناء مُجتمع المعرفة، كما توفر الدار نوعيات من تكنولوجيا المعلومات تساهم فى بناء مُجتمع المعرفة، كما يوجد بالدار أشكال مُختلفة من مصادر المعلومات بشكل تقليدى وإلكترونى ورقمى". وفي تصريحات سابقة خاصة ل"البوابة نيوز"، قال الدكتور راضى محمد جودة، باحث أول بدار الوثائق، وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية: إن فكرة إنشاء دار الكتب ومدرسة دار العلوم كانت نتيجة التأثر المباشر لعلى مبارك بالحضارة الفرنسية، كما لعبت علاقة الصداقة الشخصية له مع الخديوى إسماعيل دورا فى تنفيذ هذين الفكرتين، وهما أشبه بالفكرتين اللتين اقترحهما جيوم بيديه على فرانسوا الأول ملك فرنسا والخاصتين بإنشاء مكتبة وطنية لفرنسا، وإنشاء معهد علمى كمؤسسة تعليمية وتثقيفية يحاضر فيها أكبر أساتذة الجامعات فى مختلف فروع المعرفة، حيث أصبح المعهد فيما بعد النواة ل«كولاج دى فرانس». وأضاف "جودة" أن علي مبارك باشا قد استفاد من النهضة الفرنسية، وخصص إحدى القاعات لمدرسة دار العلوم، داخل دار الكتب الموجودة بدرب الجماميز ثم باب الخلق فى سرايا مصطفى باشا فاضل، حيث بدأ العمل بالدار فى السادس من مايو لعام 1871، وكانت تلك الفكرة قريبة الشبه تمامًا بفكرة الفرنسى جيوم بيديه على ملك فرنسا. مكانتها بين الأرشيفات العالمية وعن مكانة دار الوثائق بين الأرشيفات العالمية، ذكر "جودة" أن دار الوثائق المصرية تحتل المركز الثالث من بين الأرشيفات العالمية بعد الأرشيف البريطانى والأرشيف التركى، كونها تضم أكثر من 100 مليون وثيقة وبلغات متعددة منها العربية والتركية والإنجليزية والفرنسية والأمهرية والإيطالية والإسبانية وغيرها من اللغات المختلفة، وتعود أقدم وثيقة بالدار إلى العصر الفاطمى، وتتنوع الوثائق فهناك ما يخص المنطقة العربية وقارة أفريقيا وأوروبا والعالم كله، منها مثلا وثائق خاصة حول ضم مصر للسودان أيام محمد على باشا 1821 وظلت تابعة لمصر حتى عام 1953 عقب رغبة شعبية سودانية فى الانفصال، وكانت تعرف بوحدة وادى النيل، وثمة وثائق من تاريخ ليبيا والعلاقات مع طرابلس الغرب بعد الاستقلال وتونس والجزائر والمغرب. أشار «جودة» إلى الطبعات الخاصة التى تصدرها دار الوثائق فى المناسبات المختلفة، إلى جانب مجلة الروزنامة وهى مجلة محكمة يشرف عليها الدكتور صابر عرب والتى أسسها الدكتور رءوف عباس رحمه الله، بالإضافة إلى الكراسات الأرشيفية والنشر الحر. حماية الأرشيف الوطني لفت إلى دور الأرشيف الوطنى فى خدمة الباحثين، وحتى المواطن العادى، فلو أن مواطنا عاديا له حجة فى إحدى المحاكم يمكنه الحصول على نسخة طبق الأصل منها بشرط أن يكون له صفة قانونية فى الحصول على الوثيقة، يتقدم لها بنفسه أو بتوكيل محام. وأكد على الضوابط التى تلزمها الدار لحماية الأرشيف، فالباحث يمكنه الاطلاع على الوثيقة بعدما يثبت أنه فى جامعة حكومية ويعد رسالة متعلقة بالوثيقة، يقدم طلب من الجامعة للدار، بينما يمكن للمطالعة بدار الكتب بالبطاقة الشخصية فقط. واقترح «جودة» أن يتم تفعيل بعض الخدمات الإلكترونية المدفوعة مقدمًا للباحثين، فيمكن للباحث أن يوفر الوقت والجهد بينما تحصل الدار على مقابل يعد دخلا قوميا جيدا، قائلا: لماذا لا نتعامل كما الأرشيف البريطانى بحيث يستطيع الباحث أن يراسل دار الوثائق بالأوراق المطلوبة للحصول على الوثيقة، ثم تتيح له الدار الحصول على نسخة رقمية منها بمقابل مادى يدفعه الباحث عن بعد دون الحاجة للمجيء للدار، فهى توفر على الباحثين مشقة السفر وأيضا الوقت ومن خلالها يمكن تحقيق دخل قومى، فلما لا نفعل تلك المقترح مع الوثائق المسموح بها والتى يسهل منح نسخ رقمية منها.