ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أنه قد يُفكّر في الانسحاب من الصراع الإيراني، مما أثار تساؤلات جديدة حول ما إذا كانت واشنطن مستعدة لتقليص العمليات العسكرية رغم عدم تحقيق الأهداف الرئيسية. بحسب تقرير نيويورك تايمز، بعد ثلاثة أسابيع من بدء الحرب، وصف ترامب الحملة بأنها "مهمة قصيرة" وألمح إلى أن الولاياتالمتحدة "تقترب جدًا" من تحقيق أهدافها. مع ذلك، فإن خطابه المتغير - والواقع المتغير على الأرض - يُسلّط الضوء على حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن كلٍ من الاستراتيجية والنهاية. إشارات متضاربة تعكس غموضًا استراتيجيًا تذبذبت رسائل ترامب بين التصعيد وضبط النفس. ففي يوم الجمعة، صرّح للصحفيين بأنه لا يرغب في وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن القوات الأمريكية "تدمر" القدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك مخزوناتها الصاروخية وأصولها البحرية. بعد ساعات، أشار إلى احتمال تغيير في الموقف، مُلمحًا إلى أن واشنطن تُقيّم تقليص عملياتها. يُفسّر النقاد هذا التناقض على أنه دليل على غياب استراتيجية واضحة، بينما يصفه المؤيدون بأنه غموض مُتعمّد. من اللافت للنظر أن آخر بيان لترامب حول أهداف الحرب يبدو أضيق نطاقًا من المطالب السابقة. فقد غابت الدعوات السابقة إلى "استسلام إيران غير المشروط" وحلّ الحرس الثوري الإسلامي، واستُبدلت بهدف أكثر تحديدًا: منع إيران من امتلاك القدرة النووية. أهداف لم تُنجز وخصم عنيد على الرغم من الضربات الأمريكية والإسرائيلية المتواصلة، لا تزال العديد من الأهداف الأصلية عالقة. لا تزال بنية القيادة الإيرانية سليمة، حيث خلف مجتبى خامنئي والده في منصب المرشد الأعلى، بينما يواصل الحرس الثوري عملياته. كما لا يوجد دليل على الانهيار الداخلي أو الانشقاقات الواسعة التي توقعها بعض المسؤولين الأمريكيين. أفادت مصادر استخباراتية أمريكية وأوروبية بعدم وجود مؤشرات مؤكدة على اضطرابات كبيرة داخل الجيش الإيراني أو النظام السياسي، مما يُشكك في التوقعات السابقة بزعزعة استقرار النظام بسرعة. أسواق الطاقة والتداعيات الاقتصادية تُعقّد الاستراتيجية أدى الصراع إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، مما زاد الضغط على الإدارة الأمريكية. ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، حيث تجاوز سعر خام برنت 110 دولارات للبرميل، في حين وصفت وكالة الطاقة الدولية الوضع بأنه أحد أهم اضطرابات الإمدادات في التاريخ الحديث. استجابةً لذلك، شرعت الولاياتالمتحدة في سحب احتياطياتها من مخزونها البترولي الاستراتيجي، وأصدرت تراخيص تسمح بتسليم النفط الروسي والإيراني الموجود بالفعل في البحر - وهي خطوة غير مسبوقة تُؤكد على ضرورة استقرار الأسواق. مع ذلك، يُحذر المحللون من أن المخاوف المحيطة بمضيق هرمز قد تُبقي الأسعار مرتفعة لسنوات، لا سيما إذا ظلت طرق الشحن مُهددة. الاعتماد على الحلفاء يُصبح واقعًا جديدًا يُمثل تزايد الحاجة إلى التعاون الدولي تحديًا آخر يواجه البيت الأبيض. بعد أن همّشت الولاياتالمتحدة حلفاءها في البداية، تحثّ الآن دولًا أخرى على تحمّل مسؤولية تأمين الممرات البحرية الرئيسية، بما فيها مضيق هرمز. وصف ترامب هذا النهج بأنه عقيدة جديدة، مقترحًا أن تتولى الدول التي تعتمد على الممر المائي زمام المبادرة في مراقبته. إلا أن مقترح تقاسم الأعباء كشف عن توترات مع حلفاء لم يُستشروا في بداية النزاع. مخاطر التصعيد لا تزال قائمة رغم إشارات الانسحاب حتى مع تلميحات ترامب بخفض التصعيد، واصلت إدارته إصدار تحذيرات قد تُؤجّج الصراع. هدّد مؤخرًا بضرب محطات الطاقة الإيرانية إذا لم تُعِد طهران فتح مضيق هرمز، بما في ذلك استهداف منشآت رئيسية مثل محطة بوشهر النووية، وهو إجراء كان يُعتبر محظورًا منذ زمن طويل نظرًا لمخاطره البيئية. في غضون ذلك، أشارت إيران إلى قدرتها على التصعيد عبر تكتيكات غير متكافئة، بما في ذلك نشر الألغام البحرية وتهديد البنية التحتية للطاقة في المنطقة. دروس من أخطاء التقدير المبكرة يشير المسؤولون والمحللون إلى أن التوقعات الأولية بتحقيق نصر سريع ربما قللت من شأن صمود النظام السياسي والعسكري الإيراني. نُفذت العمليات الأمريكية المبكرة، كالضربات على المنشآت النووية، بسرعة وفعالية، مما عزز الثقة في التوصل إلى حل سريع. إلا أن الصراع الأوسع أثبت أنه أكثر تعقيدًا، دون وجود مؤشرات فورية على نتيجة حاسمة. لم يتحقق افتراض ترامب بأن إيران قد تستسلم سريعًا، مما يعكس رسوخ بنيتها السياسية وصمودها التاريخي. انسحاب دون حل؟ مع استمرار الحرب، يبقى احتمال انسحاب الولاياتالمتحدة غير مؤكد. بينما بدأ ترامب في وضع خطة محتملة لإنهاء العمليات تدريجيًا، فإن غياب شروط واضحة للنصر، واستمرار المخاطر الاستراتيجية، يشير إلى أن الانسحاب قد لا يتم دون حل كامل. بالنسبة لواشنطن، يكمن التحدي الآن في تحقيق التوازن بين الرغبة في الحد من التورط طويل الأمد وحقائق الصراع الذي لم ينته بعد والذي قد تمتد عواقبه إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة.