مع تصاعد حدة الحرب بين الولاياتالمتحدة وإسرائيل وإيران، برز غياب ملحوظ حيّر المحللين: عدم قيام الحوثيين بأي عمل عسكري في اليمن. في الأسابيع التي سبقت اندلاع الأعمال العدائية، حذّر زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، مرارًا وتكرارًا من أن أي هجوم على إيران سيُقابل بردٍّ سريع من قواته. أمضت الجماعة سنوات في بناء سمعتها كأحد أكثر أعضاء ما يُسمى "محور المقاومة" نشاطًا، حيث استهدفت السفن التجارية في البحر الأحمر وأطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل. مع ذلك، ورغم الضربات المتواصلة على إيران وتصاعد التوترات الإقليمية، لم يشنّ الحوثيون هجومًا انتقاميًا كبيرًا. يرى المحللون أن التفسير يكمن في مزيج من القيود العسكرية، والحسابات الاستراتيجية، والتغيرات السياسية في الشرق الأوسط. خسائر في القيادة وضغوط عسكرية أدت الخسائر الأخيرة إلى إضعاف هيكل القيادة الحوثية بشكل كبير، وأفادت التقارير بأن غارات جوية إسرائيلية في عام 2025 أسفرت عن مقتل عدد من كبار المسؤولين، بمن فيهم رئيس الوزراء أحمد الرحاوي ورئيس الأركان محمد الغمري، بالإضافة إلى عدد من أعضاء الحكومة. جاءت هذه الضربات الموجهة في أعقاب عمليات استخباراتية مماثلة لتلك التي استُخدمت في اغتيال حسن نصر الله، زعيم حزب الله، في بيروت. وفقًا للمحللين، يدرك قادة الحوثيين الآن أن شن عمليات عسكرية علنية قد يكشف شبكات اتصالاتهم وإمداداتهم، مما يجعلهم أهدافًا أسهل للمراقبة والغارات الجوية. لا تُسفر التجمعات الجماهيرية أو الرسائل السياسية عن إشارات عملياتية تُذكر، بينما تُولّد عمليات إطلاق الصواريخ ونشر الطائرات المسيّرة بصمات إلكترونية يُمكن تتبعها. تراجع الترسانة العسكرية وقيود الإمداد من العوامل الأخرى تقلص الترسانة العسكرية للجماعة بين عامي 2024 و2025، رصد مراقبو الأممالمتحدة أكثر من 100 عملية إطلاق صواريخ باليستية من قبل الحوثيين باتجاه إسرائيل، فشل جزء كبير منها في الوصول إلى أهدافها. في الوقت نفسه، صادرت عمليات اعتراض بحرية بقيادة القيادة المركزية الأمريكية كميات كبيرة من مكونات الأسلحة التي يُعتقد أنها كانت متجهة إلى اليمن، بما في ذلك أجزاء صواريخ ومحركات طائرات بدون طيار وأنظمة رادار. سلطت هذه المصادرات الضوء على تحول في سلسلة إمداد الجماعة. فبدلاً من تهريب أنظمة أسلحة كاملة، أصبحت الشحنات تتألف بشكل متزايد من مكونات تُستخدم في التجميع المحلي. مع ذلك، لا تزال التقنيات الحيوية - مثل أنظمة التوجيه والباحثات ووحدات الدفع - تتطلب استيرادًا، يرتبط في معظمه بشبكات تابعة للحرس الثوري الإسلامي في إيران. مع تعرض البنية التحتية العسكرية الإيرانية نفسها للهجوم، أصبح خط الإمداد الذي يدعم الحوثيين تحت ضغط غير مسبوق. الاعتماد الاستراتيجي على طهران على الرغم من أن للحوثيين جذورًا عميقة في السياسة والمجتمع اليمني، إلا أن قدراتهم العسكرية تأثرت بشكل كبير بالدعم الإيراني. فقد تأثر التدريب وتطوير الأسلحة والتخطيط الاستراتيجي بطهران وشركائها الإقليميين. يبدو أن تعيين مجتبى خامنئي مؤخرًا مرشدًا أعلى جديدًا لإيران، خلفًا لوالده علي خامنئي، قد طمأن قادة الحوثيين بأن النظام السياسي الإيراني سيبقى سليمًا. بعد ساعات من الإعلان، أعلنت وسائل الإعلام الحوثية ولاءها للقيادة الجديدة، في إشارة إلى استمرار تحالفها مع طهران. السياسة الإقليمية تُعقّد الحسابات شهد المشهد السياسي الإقليمي تحولاتٍ تُعقّد أي تدخل حوثي. خلال المراحل السابقة من الصراع الإقليمي، صوّر الحوثيون أنفسهم كداعمٍ للقضية الفلسطينية ضد إسرائيل. إلا أن الحرب الحالية شهدت قصفًا صاروخيًا إيرانيًا لمدنٍ مثل الرياض وأبو ظبي، ما أسفر عن مقتل مدنيين في عواصم عربية. إذا شنّ الحوثيون هجماتٍ دعمًا مباشرًا لإيران في ظل هذه الظروف، يرى المحللون أنهم قد يفقدون تعاطف الشعوب العربية التي كانت تنظر إليهم كرمزٍ للمقاومة. في مثل هذا السيناريو، قد يُنظر إلى أفعالهم لا على أنها دفاعٌ عن فلسطين، بل على أنها دعمٌ لدولةٍ تهاجم دولًا عربيةً مجاورة. يتحول التركيز نحو الصراع الداخلي على السلطة في اليمن بينما انصبّ الاهتمام على الصراع مع إيران، وسّع الحوثيون بهدوء نطاق التعبئة الداخلية في اليمن. في المناطق الخاضعة لسيطرتهم شمال غرب اليمن، نظّمت الجماعة برامج تدريب عسكري واسعة النطاق تُعرف باسم دورات "فيضان الأقصى". تشمل قائمة المشاركين، بحسب التقارير، مقاتلين وموظفين من وزارات حكومية وجامعات ومؤسسات عامة. كما أُطلقت حملات تعبئة قبلية لتجنيد المزيد من المقاتلين. يرى المحللون أن هذه الجهود تشير إلى أن الحوثيين يستعدون بالدرجة الأولى لعمليات برية مستقبلية داخل اليمن، وليس لتصعيد إقليمي فوري. قد يتمثل هدفهم الاستراتيجي في توطيد سيطرتهم على المناطق الساحلية والأراضي المتنازع عليها، بما في ذلك مناطق استراتيجية مثل مأرب أو المناطق القريبة من عدن. التشرذم بين القوات المناهضة للحوثيين من العوامل الأخرى التي تُشكّل استراتيجية الحوثيين التشرذم بين القوات المتنافسة في جنوب اليمن. كشفت التوترات بين الفصائل المدعومة من السعودية والإمارات عن انقسامات داخل التحالف المناهض للحوثيين. أبرز إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن طموحاته لإقامة دولة في وقت سابق من هذا العام خلافات عميقة حول مستقبل اليمن السياسي. قد يُؤدي شنّ هجمات في البحر الأحمر الآن إلى توحيد تلك الفصائل ضد الحوثيين في وقت لا يزال فيه خصومهم منقسمين. استراتيجية الصبر المحسوب بالنسبة للحوثيين، قد يكون الحفاظ على التهديد بالتصعيد حاليًا ذا قيمة استراتيجية أكبر من العمل الفوري. لا تزال أقساط التأمين البحري مرتفعة بسبب المخاوف من تجدد الهجمات، ويتعين على الحكومات الإقليمية مواصلة الاستعداد لاحتمال تدخل الحوثيين. في الوقت نفسه، يبدو أن الحركة تركز على الحفاظ على سيطرتها على الأراضي وهياكلها الحاكمة. على عكس سنوات تمردها الأولى، تدير الجماعة الآن وزارات، وتجمع الضرائب، وتشرف على مؤسسات في مناطق واسعة من اليمن. ويتطلب الحفاظ على هذا الجهاز الشبيه بالدولة استقرارًا بقدر ما يتطلب مصداقية عسكرية. في الوقت الراهن، يقول المحللون إن الحوثيين يختارون ضبط النفس، ليس لافتقارهم إلى الأيديولوجية أو النية، بل لأن قيادتهم ترى في التريث فائدة أكبر. السؤال الأكثر إلحاحًا، بحسب المراقبين، قد لا يكون سبب التزام الحوثيين الصمت خلال الحرب مع إيران، بل ما هي القدرات التي بنوها خلال ذلك.