لعقود طويلة، ظلت أدبيات جماعة الإخوان الإرهابية، وخاصة أفكار "سيد قطب"، حبيسة الغرف المغلقة، ومقرات التنظيم السري، أو على أقصى تقدير، مادة دسمة على طاولات الباحثين والأكاديميين ومراكز دراسات الإسلام السياسي و كان التحدي الأكبر دائما كيف يمكن تبسيط هذا "الكتالوج" المعقد وكشف خطورته للشارع المصري البسيط ومواجهته؟ هكذا تحولت كتب "سيد قطب" المسمومة إلى مشاهد مرئية داخل كل بيت مصري ليأتي مسلسل رأس الأفعى ويمثل الضربة القاضية للقوة الناعمة المصرية، محققا ما عجزت عنه آلاف المقالات والندوات بسهولة شديدة وأسلوب بسيط نجح العمل الدرامي في اختراق جدران التنظيم، وترجمة المفاهيم الأيديولوجية المعقدة مثل الحاكمية، العزلة الشعورية، وجاهلية المجتمع إلى لغة بصرية سلسة وصادمة،يفهمها الإنسان البسيط و دخلت كل بيت، من مقاهي العاصمة وحتى بيوت وتجمعات الأهالي في مراكز الدلتا والشرقية، لتسقط القداسة والهالة الزائفة عن التنظيم أمام عامة الناس والبسطاء
الجار الذي يعيش بيننا ويكفرنا من أخطر ما طرحه سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق" هو مفهوم "العزلة الشعورية"؛ أي أن يعيش العضو الإخواني بجسده داخل المجتمع، لكنه ينفصل عنه وجدانيا وشعوريا وبالنسبة للمواطن العادي، كان هذا المفهوم التنظيري غامضا حتى جسده المسلسل في شخصيات شباب التنظيم الذين يبتسمون في وجوه جيرانهم وزملائهم، ويتحدثون بلين، بينما يضمرون لهم الاحتقار ويعتبرونهم أداة في يد "دولة الكفر" وبالتالي استباحة الدم أدرك المشاهد البسيط لأول مرة أن الشاب الإخواني الذي يعيش معه في نفس الشارع ليس مجرد شخص متدين، بل هو "قنبلة موقوتة" مبرمجة على كراهية المجتمع، ولاؤه الأول والأخير للمرشد وليس للوطن.
الشعب بأكمله هو العدو لطالما تلاعب الإخوان بكلمة "الدعوة"، مما جعل البعض قديما يتعاطف معهم لكن المسلسل سلط الضوء ببراعة على حقيقة مصطلح "الجاهلية" في أدبياتهم وكيفية توظيفه من قيادات الجماعة للمصالح الخاصة وأظهرت الحوارات الداخلية بين عناصر لجان العمليات النوعية "حسم" و"لواء الثورة" كيف ينظرون إلى الشعب ومؤسساته الجيش، الشرطة، والقضاءعلى أنهم كفار يعيشون في "جاهلية" تستوجب القتال المواطن الذي كان يظن أن الإخوان لديهم خصومة سياسية مع السلطة فقط، رأى بعينيه كيف يعتبر التنظيم المجتمع كله "دار حرب" تراق فيها الدماء وتستباح الأموال إذا لم تخضع لحكم الجماعة الاستعلاء والفرقة الناجية الدراما شرحت للمواطن عقدة الاستعلاء الإيماني و كيف يبرر الشاب الإخواني لنفسه جرائم الاغتيال والتفجير؟ شاهدوا كيف تقوم القيادات مثل محمود عزت ومحمد كمال بغسيل أدمغة الشباب في الشقق السرية، وإقناعهم بأنهم "الطليعة المؤمنة" و"الفرقة الناجية" المكلفة بإنقاذ الجماعة وإعلاء كلمة الحق وتخليص الناس من الظلم هذا الفضح الدرامي جعل المشاهد العادي يشمئز من هذه الجماعة ويدرك أن التنظيم لا يصنع دعاة، بل يصنع "مرضى نفسيين" يعانون من جنون العظمة المغلف بالدين من البكائية إلى تفخيخ السيارات الأهم من ذلك كله، هو نجاح المسلسل في نسف وتفكيك مصطلح "الابتلاء" و"المحنة" فالمواطن الذي ربما كان يتأثر قديما بدموع الإخوان على شاشات الفضائيات الممولة، رأى المواطن البسيط التناقض فنفس الشخصية التي تتباكى وتدعي المظلومية والاستضعاف، هي ذاتها التي اعطت إشارة البدء لزرع العبوات الناسفة في طرقات مصر لقد كشفت حلقات رأس الأفعى للشارع أن "المظلومية الإخوانية" ليست سوى تكتيك تشغيلي لابتزاز العواطف وجمع التبرعات، وغطاء لصوت الرصاص رأس الأفعى تحرق "السوفت وير" الإخواني المعركة الأمنية البطولية التي يقودها رجال الظل في الأمن الوطني تستأصل "الخلايا السرطانية" من الأرض، لكن المعركة الدرامية والفكرية التي يقودها صناع "رأس الأفعى" تستأصل "السوفت وير" الإخواني من عقول المصريين والنجاح الأكبر للمسلسل لا يكمن فقط في فضح مؤامرات محمود عزت أو محمد كمال، بل في أنه جعل المواطن البسيط شريكا في معركة الوعي