شهدت جلسة "سر الصنعة" والتي تقام ضمن فعاليات الدورة الخامسة للملتقى العربي لفنون العرائس والدمى بالقاهرة، نقاشات تقنية وفلسفية حول جذور فن خيال الظل وتطور صناعة الدمى، حيث استعرض المتخصصون تجاربهم المهنية التي تمتد لعقود، كاشفين عن "الأسرار" التي تجعل من الجماد كائناً حياً يحمل ثقافة الشعوب. سعيد أبو رية: خيال الظل فن قابل للتطوير وليس "فلكلوراً" جامداً
اسهل الدكتور سعيد أبو رية كلمته بالحديث عن مستقبل فن خيال الظل، مؤكداً أنه مازال قائماً في ثقافات كثيرة رغم تطور التقنيات البصرية، منتقدا إهمال هذا التراث واستبداله بالتقنيات الحديثة، مشيراً إلى أن خيال الظل يمكن تنفيذه بقطع بسيطة من الكرتون ولكنه يحمل مضامين سياسية وترفيهية ودينية عميقة. وقسّم أبو رية مسرح الظل المعاصر إلى ثلاثة أنواع: التراثي الذي يحافظ على الأصول، والمهجن الذي يمزج بين التراث والحداثة والجسد البشري، والتقني الذي يذهب بالخيال إلى أقصى حدود التكنولوجيا. وأكد أن هذا الفن قابل للتطوير ومواكبة العصر شرط توفر الاهتمام الكافي من المجتمع المسرحي والجمهور.
وليد دكروب: "سر الصنعة" يكمن في الهوية البصرية ومقاومة التقليد
من جانبه، طرح الفنان وليد دكروب رؤية فلسفية حول "سر الصنعة"، مؤكداً أن المهارة والتقنية وحدها لا تكفي، بل يكمن السر في "القدرة على اتخاذ القرار الصحيح أثناء العمل". وتحدث دكروب عن تأثره برافدين أساسيين شكلا هويته: المدرسة الروسية التي علمته "كيف يفكر وهو يصنع"، وفن التشكيل العربي متمثلاً في حلمي التوني الذي علمه "كيف يرى". وأشار دكروب إلى أن الدرس الأهم في المدرسة الروسية كان "مقاومة التقليد" وإيجاد مفردات خاصة، مشدداً على أن "الصنعة تسبق الأسلوب"، فالدمية التي لا تعمل وظيفياً لا ينقذها أي جمال بصري. كما أوضح كيف استلهم من رسومات حلمي التوني لغة بصرية تنبع من الجذور، تعتمد على "التبسيط دون تسطيح"، و"اللون كهوية"، مؤكداً أن الدمية لا تُصمم لتشبه الإنسان، بل لتكون "أكثر صدقاً منه". د. كريم دكروب: الدمية وسيط علاجي يمنح الحماية والتعبير
وفي سياق متصل، تناول الدكتور كريم دكروب موضوع "العروسة العلاجية"، موضحاً أن الدمية في المساحة العلاجية تلعب دور "الوساطة"، وهي المبدأ الأساسي في العلاج بالفن. وأوضح أن الدمية تساعد الأشخاص غير القادرين على التعبير عن مكنونات أنفسهم بالكلام، حيث تتحول إلى "امتداد للشخص" يمنحه الحماية للتحدث بصدق دون خوف من المحاسبة، لأن "الدمية هي التي تقول وليس هو". وأكد أن هذا الاستخدام لا يقتصر على العيادات النفسية، بل يمتد إلى عروض مسرحية تخاطب قضايا مثل "التنمر"، مما يجعل من عرض المسرح بحد ذاته مساراً علاجياً جماعياً، خاصة في مناطق الحروب والنزاعات التي اشتغل فيها لسنوات. الملتقى الدولي لفنون العرائس يُعد "المتلقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة" أحد أبرز المبادرات الثقافية للهيئة العربية للمسرح، حيث انطلقت دورته الأولى عام 2013 تنفيذًا للاستراتيجية العربية للتنمية المسرحية التي أوصت بضرورة الاهتمام بالفنون المؤسسة وحمايتها من الاندثار. ويهدف الملتقى، الذي تنقلت دوراته بين تونس والقاهرة وطنجة، إلى تعزيز حضور فنون العرائس كجزء أصيل من الذاكرة الإبداعية العربية، وربط الماضي بالحاضر عبر بوابة المستقبل. وتسعى الدورة الخامسة بالقاهرة (2026) إلى تجاوز البعد الفني التقليدي لتصبح منصة حقيقية للبحث العلمي والتطوير التقني في صناعة وتحريك الدمى. ويأتي هذا التجمع برعاية وتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة والرئيس الأعلى للهيئة العربية للمسرح، ليكون فضاءً لتبادل المعرفة و"سر الصنعة" بين المبدعين العرب، وإيماناً بالقدرة الفريدة لهذا الفن على التثقيف وبناء الشخصية.