يشكل المشروع الجديد لتنمية اقليم قناة السويس وسيناء نموذجا للفكر الانساني الخلاق بقدر مايستنفر الوطنية المصرية في لحظات تليق بالرجال. فقناة السويس دون تنمية تحيطها بسياج من الضمانات الاقتصادية محكوم عليها ان تخضع لقانون "الغلة المتناقصة" الذي يستمد احكامه من بقاء القناة كمجرد ممر بحري يعتمد على احد مكونات النقل الدولي المتعدد الوسائط وهي السفن . فالصراع الآن بلغة الحداثة تحدده القدرة الفاعلة على استثمار الامكانات القائمة والكامنة فيما باتت ثورة النقل المتعدد الوسائط ضمن المفردات الحيوية للقوة الاقتصادية وهذه الثورة تعني ضمن ماتعنيه ان السفن مجرد وسيلة قد تتقدم عليها وسائل اخرى وتلحق بها وسائل اخرى..ذلك ان المحيطات الأرضية والجوية والقنوات الجافة البرية والحديدية وخطوط الأنابيب هي الى جانب السفن ابجديات النقل المتكاملة. وحسب رئيس مجلس الوزراء الدكتور حازم الببلاوي فان الاعلان عن تدشين هذا المشروع القومي هو "البداية الحقيقية للمضي قدما في تحقيق الحلم المصري في التنمية الشاملة في ربوع مصر" وحتى يشعر ابناء هذا الشعب بثمار الثورة. ولفت الى ان "العوائد المنتظرة من تنفيذ مشروع اقليم قناة السويس الذي من المقرر ان يبدأ تنفيذ اعماله اعتبارا من العام المقبل تنطوي على عملية تنموية شاملة لمنطقة القناة وسيناء" مضيفا ان "هذه العملية التنموية ستتم من خلال خلق كيانات صناعية ولوجيستية ". ومن منظور تاريخي فقناة السويس منذ نشأتها تشكل طاقة استثمارية ضخمة فقد نتج من شقها مدينتين مهمتين هما الاسماعيليةوبور سعيد وولدت انشطة تجارية وخدمية استوعبت رؤوس اموال ضخمة وفتحت فرص عمل بأعداد كبيرة كما ان شق ترعة الاسماعيلية ادى لتوسيع الرقعة الزراعية المصرية. ويرى خبراء اقتصاديون ان تصميمات الطرق والوسائط الجديدة والنظم التقنية والالكترونية والقدرات البشرية والأفكار الجديدة هي التي تميز بين مرحلة واخرى او بين فترة لاحقة واخرى سابقة فيما ادى مفهوم فلسفة عولمة الانتاج والنقل والتوزيع وتطورها الى التأثير في اقتصاديات النقل البحري. فقد نتج عن العولمة بمفهومها الواسع تغيرات جذرية على الطلب للنقل والخدمات المتصلة به وفرض على شركات النقل ان تعيد هيكلة خدماتها التي تقدمها للدوائر الاقتصادية بما يتجاوب مع المتغيرات في نوعيات الطلب واتجاهاته. ولعل المثير للتفاؤل في هذا المشروع التنموي الجديد انه يعالج بصورة جذرية اشكالية الاعتماد على محور احادي البعد الاقتصادي والانتاجي فضلا عن قضية التعامل مع مظم النقل الحديثة المتعددة الوسائط. كما ان هذه العملية التنموية وفقا للببلاوي ستتم عبر " تطوير الموانيء بالمنطقة المحيطة وتحديث المناطق الصناعية القائمة وجذب رؤوس الأموال الوطنية والعربية والأجنبية مما سيؤدي لتوفير فرص العمل للشباب والارتقاء بمستوى المعيشة لشعب مصر العظيم". وتعد الثورة التقنية والمعلوماتية عنصرا مرجحا في مجالات التفوق في ظل عولمة الانتاج والأسواق ووسائط النقل فيما تثبت التحليلات الاقتصادية-التاريخية ان "شركة قناة السويس العالمية" كانت من اكبر الشركات الرأسمالية المتعددة الجنسيات التي اسست في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد اقيمت هذه الشركة اصلا على اسس من استراتيجية الاقتصاد السياسي وكانت سببا كافيا لنقل الصراعات المحتدمة مابين مجموعة الدول الأوروبية البحرية وخاصة فرنسا وبريطانيا من المحيط الهندي الى البحرين الأحمر والمتوسط بعد ان حولتهما قناة السويس الى ممرين حيويين لحركة التجارة العالمية بقدر ماادخلت القناة مصر في عصر اقتصادي جديد حوصرت فيه بصراعات سياسية. والحيز الجغرافي المقترح للمشروع يتضمن ميناء شرق بورسعيد وظهيره الجغرافي وميناء غرب بورسعيد وميناء بور سعيد ووادي التكنولوجيا بشرق الاسماعيلية والمنطقة الصناعية بشمال غرب خليج السويس وميناء السخنة وميناء الأدبية بالسويس كما ان ميناء العريش يدخل في هذا المشروع. وفي دراسة مستفيضة بعنوان "قناة السويس في مواجهة النقل المتعدد الوسائط" نشرتها مجلة "المستقبل العربي" التي تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت قال الباحث الاقتصادي سمير معوض ان العالم الصناعي والتجاري "لم يعد يفكر بمنطق حسابات المسافات الجغرافية البحتة" . بل صار العالم مهتما بصورة مكثفة-حسب قوله- بحسابات المسافات الاقتصادية "التي تعني ان التطورات التكنولوجية البحرية تغلبت على عوائق الجعرافيا ومشكلاتها وان الوفورات الاقتصادية في ظل ادارة الجودة الشاملة هي التي تحدد الخيارات والقرارات الاستثمارية والانتاجية فيما يتعلق باختيار خطوط النقل البحري-البري ومحطات موانيء الخدمة". وثمة فلسفة جديدة لدى دوائر النقل البحري مؤداها ان صناعة النقل البحري لم يعد مجالها الحيوي هو الطرق الملاحية وساحات الحاويات والموانيء فحسب , فهذه المحاور كلها-كما يقول سمير معوض-لاتمثل سوى حلقة في سلسلة ممتدة من عمليات النقل والتداول المتكاملة . وكان الدكتور حازم الببلاوي قد صرح بأنه من المنتظر ان يعرض المخطط النهائي لمشروع تنمية اقليم قناة السويس وسيناء على مجلس الوزراء في غضون تسعة اشهر ووصفه بأنه "مشروع لمصر المستقبل" كما "يراعي ابعاد الأمن القومي المصري". فالفارق كبير بين الرؤية الوطنية التي تتجاوب من منظور المصالح المصرية مع معطيات العولمة ومتطلبات الاستثمار وبين الرؤية الاستعمارية التي كانت تنطلق منها شركة قناة السويس عند تأسيسها بحيث لاتقتصر على ادارة شؤون المجرى المائي وانما تكون قاعدة ومنطقة استثمارية تمتد مجالات انشطتها واستثماراتها الى بناء تحالفات اقتصادية دولية لكنها غير معنية بهموم المصريين وتلبية احتياجاتهم الانسانية. ولفت الباحث الاقتصادي سمير معوض الى ان مصر والدول العربية الآخرى كانت تعاني خللا هيكليا متزايدا في صناعة النقل البحري فيما تسارع اسرائيل لتنشيط ابنيتها الهيكلية والتقنية في مجالات هذه الصناعة وتحديثها. ويأتي الاعلان عن تدشين هذا المشروع المصري العملاق فيما كان محللون ومعلقون في صحف ووسائل اعلام مصرية قد اعربوا عن القلق حيال التحرك الاسرائيلي لشق قناة تصل بين البحر الأحمر والبحر الميت وقال الدكتور سليمان عبد المنعم الأمين العام لمؤسسة الفكر العربي ان هذا المشروع سيتيح لاسرائيل اقامة تجمعات سكانية تستهدف جذب مليون مهاجر لمنطقة النقب القريبة من حدودنا. و فيما اكد على اهمية وحدة الصف المصري لمواجهة المخططات المعادية لمصر والمصريين- ذهب سليمان عبد المنعم الى ان هذا المشروع سيتيح لاسرائيل استغلال مياه البحر الأحمر في تبريد مفاعلين نوويين اضافيين مما يزيد بالتأكيد في قدرتها النووية. وحتى الاقتصاد يختلط احيانا بالاعتقادات الأسطورية على حد قول الباحث سمير معوض الذي فند مقولة ان الفراغ التنموي في منطقة الشرق الأوسط يبحث عن راع يقوده لاكتساب القدرة على تحقيق المعجزات وان العناية الالهية قد اختارت اسرائيل لهذا الدور!. ووصف معلقون هذا المشروع الذي تقوده اسرائيل بتمويل من البنك الدولي بأنه ينطوي على "تحرش بقناة السويس" فيما حذر خبراء في مجال حماية البيئة من تأثيراته البيئية الضارة على خليج العقبة. وفي هذا السياق نقلت جريدة الأهرام عن الدكتور احمد عبد الوهاب استاذ علوم البيئة قوله ان الاتفاق الذي وقع مؤخرا في واشنطن لنقل مياه البحر الأحمر الى البحر الميت بكميات ضخمة لاتقل عن مائة مليون متر مكعب سنويا يشكل اخطارا على مصر وعلى رأسها مشروع قناة السويس. ولاحظ الباحث سمير معوض ان اسرائيل خططت منذ وقت مبكر لانشاء بنية تحتية متتابعة المراحل للتأهل للدخول في عصر النقل البحري العالمي المتداخل الوسائط ابتداء من الطرق البرية ومرورا بخطوط انبيب الغاز والنفط وخطوط السكك الحديدية وانتهاء بالمطارات الدولية وكلها تمثل البنى الارتكازية للدخول في مجال صناعة خدمات النقل المتكامل المراحل والوسائط. أما مشروع حفر قناة موازية لقناة السويس تمر من خليج العقبة الى البحر المتوسط عبر صحراء النقب فيقول عنها الباحث سمير معوض انها ليست بالفكرة المستحدثة التي اقتضتها عوامل المنافسة الاقتصادية البحنة وانما تعود الى ماهو ابعد من ذلك وتتصل على نحو وثيق باستراتيجية المجال الحيوي الاسرائيلي الذي يتمدد للاحتواء فالهيمنة فالسيطرة الاقتصادية والسياسية. ولكن اذا كان النقل الدولي المتعدد الوسائط سلسلة مترابطة الحلقات مابين منظومات النقل البحرية ومنظومات النقل البرية والجوية التي تتفاعل وتتكافل في اتساق مكاني وزماني لاتعيقه الفجوات الجغرافية او الفواصل الزمنية فان مصر بجغرافيتها الاقتصادية تشكل حالة مثالية ومن نافلة القول ان الاستقرار يشكل احد متطلبات الاستغلال الأمثل لهذه الحالة. وحذرت الكاتبة سكينة فؤاد "ابنة بور سعيد الباسلة" من "المحاولات الآثمة التي لاتمت لعقيدة او وطنية او ضمير او شرف" لتقسيم مصر والمصريين الى جماعات متصارعة ومتنافرة وكارهة لبعضها البعض تتسع بينها مساحات الكراهية والدم وترخص الأرواح ويذبح المصريون بعضهم. واعادت للأذهان ان الانتصار المصري في بور سعيد في سياق حرب العدوان الثلاثي عام 1956 كان يجسد لحظة توحد من اعلى لحظات الانصهار الوطني في تاريخ المصريين مضيفة ان الحكايات لاتنتهي وكلها تحكي عن شعب لايساوم في كرامته او تكسر ارادته "وهو مايتعرضون له الآن من جماعة تتوهم انها تستطيع ان تفعل مالم يستطعه الغزاة وجيوشهم". وفي سياق الاحتفال امس الأول "الاثنين" في الاسماعيلية بتدشين طرح كراسة الشروط الخاصة بمشروع اقليم قناة السويس اوضح الببلاوي ان اختيار هيئة قناة السويس كمظلة لهذا المشروع "يرجع للسمعة الطيبة للهيئة ولقدرتها البشرية والصناعية الكبيرة". ورأى رئيس هيئة قناة السويس مهاب مميش ان تدشين المشروع يعتبر انطلاقة جديدة للاقتصاد القومي المصري بنظرة مستقبلية علمية شاملة للتطوير "اعتمادا على عبقرية موقع قناة السويس وعبقرية موقع مصر". ونوه الباحث سمير معوض في دراسته بأن مصر بحكم الموقع الذي من دلالاته المهمة عبقرية المكان تمنحها اطلالتها البحرية قوة جيو استراتيجية تتجلى في منظومة بحرية تجارية مهيأة للثراء الاقتصادي ويجعل منها قوة اقتصادات بحرية-تجارية من الطراز الأول . فهذا المشروع سيفتح افاقا هائلة لتقدم مصر ولكن ذلك كما قال الدكتور حازم الببلاوي بحق "سيتطلب الجهد والعرق من اجل البناء وان المطالبة بالحقوق قبل اداء الواجب لهذا البلد هو امر لايليق بالرجال". واذا كانت قناة السويس قد بدلت من قبل موازين الاستراتيجيات البحرية والتجارية العالمية ومع التسليم بأن التاريخ لايسير بسياقات تتبع خطوطا مستقيمة وحتميات لامفر منها فيبدو ان مصر على موعد جديد مع المجد بهذا المشروع الجديد الذي يفجر اروع قيمة وهي الفكر الانساني الخلاق..لامستحيل مع الابداع ونحن في ساعة تليق بالرجال..انها ساعة للعمل.. ساعة للوطنية المصرية فأبشر ياوطن.