"أحسنت، بارك الله فيك".. إنها أجمل كلمة يمكن أن تسمعها في حياتك حينما يُخبرك بها عَلَم من أعلام القراءات، تأخذ الجملة طابعًا خاصًّا حينما تكون مُوجَّهة لك من شيخ عموم المقارئ المصرية؛ لأنها تعني في الكثير من الأحيان أنها إجازة بسند عن الشيخ في إحدى القراءات. والشيخ عبدالحكيم عبداللطيف شيخ عموم المقارئ المصرية، أحد أعلام هذا الفن في العالم الإسلامي، وقد كتب ترجمة لنفسه قبل وفاته مساء اليوم الجمعة ذكر فيها رحلته العلمية مع كتاب الله عز وجل. وُلِد الشيخ عبدالحكيم عبدالطيف عبدالله بن سليمان في صعيد مصر عام 1936 م. لوالدٍ مقاولٍ يتاجر في الخشب والحديد والحجارة من العمائر المراد هدمها. أرسله والداه إلى مكتب "المحمدي" بمنطقة الدمرداش بالصعيد برئاسة الشيخ إمام عبده حلاوة، وهو الذي تلقَّى رواية حفص عن عاصم عن الشيخ حسن الجريسي، عن أبيه، عن المتولي، فأتم حفظ القرآن غيبًا عن ظَهْر قلب، وعمره 12 سنة، وضبط عليه لفظه ورسمه كتابةً على الألواح. ثم انتقل إلى المعهد الديني الابتدائي بالأزهر الشريف، إلا أن رغبة أبيه حالت دون إكمال دراسته فيها؛ إذ أخذه إلى معهد القراءات بالأزهر عام 1950 م. تلقّى فيه الشيخ عبدالحكيم علوم القرآن والقراءات عن أكابر مدرسي المعهد؛ إذ كان ذلك العصرُ لا يُدرِّس فيه إلا من أجيز بالقراءات العشر ومتون التجويد، فدرس المرحلة الأولى من المعهد؛ وهي مرحلة "التجويد". أجيز الشيخ الراحل برواية حفص عن عاصم عن شيخه المحامي محمود علي بسّة الحنبلي. وقال الشيخ عبدالحكيم رحمه الله عن الشيخ محمود: "هو الذي حنبلني، وحببني في هذا المذهب، وأرشدني إلى كتب الحنابلة كالمقنع". ثم انتقل إلى المرحلة الثانية؛ وهي مرحلة "عالية القراءات"، وفيها يدرس المنتسب القراءات العشر الصغرى من طريقي الشاطبية والدرّة إلى غير ذلك من علوم التفسير والرسم والنحو والفواصل والصرف والفقه. حضر دروس الشيخ محمد عيد عابدين الحنفي، وتحصّل له علم نافع على يديه على شدة الشيخ وقسوته في التعليم أحيانًا لحرصه وأمانته. لم تنحصر قراءات الشيخ على مشايخ المعهد العلماء، فما أن يتيسّر له لقاء إمامٍ عالمٍ في هذا الفن إلا وشدّ الرحال إليه؛ حيث قرأ على الشيخ محمد مصطفى الملّواني بالقراءات العشر الصغرى من طريقي الشاطبية والدرّة إلى قوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ}، كما قرأ على الشيخ: مصطفى منصور الباجوري شيخ مقرأة الحسين برواية حفص عن عاصم ختمة كاملة، ثم جمعًا بالقراءات العشر الصغرى إلى قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}. في هذه الفترة عُيّن الشيخ عبدالحكيم مدرسًا لابتدائية أزهرية بالإسكندرية، فانقطع عن شيخه مصطفى الباجوري بسبب عمله، ولما رجع إلى القاهرة كان شيخه قد تُوفي، وكان قد أجازه بالقراءات العشر قبل وفاته مشافهةً، مع رغبة الشيخ في الحصول على الإجازة الخطيّة منه؛ لمحبته إياه، ولتلقيه عن أكابر العلماء كالشيخ علي سبيع عبدالرحمن، وهو عن الجريسي الكبير عن المتولي، إضافةً إلى سعة علمه ومروياته في القراءات المتواترة وما زاد عليها من الشواذ. ثم انتقل إلى المرحلة الثالثة، وهي مرحلة "تخصص القراءات"، وفيها قرأ بمضمن القراءات العشر الكبرى من طريق طيّبة النشر على أكابر العلماء، منهم الشيخ عامر السيد عثمان شيخ عموم المقارئ المصرية آنذاك، والشيخ العلّامة أحمد عبدالعزيز الزيات، والذي أُجِيز على يده. وفي فترة دراسته بالمعهد لقي العلّامة عبدالفتاح القاضي صاحب "البدور الزاهرة "، فاختبره في القراءات العشر. وبعد تخرّجه في المعهد؛ عُيّن في وظائف تدرّج فيها من معلّم بالمدرسة الابتدائية إلى الثانية، وشيخًا لعدة مقارئ؛ وعُرضت عليه مشيخة المقارئ أيام الشيخ رزق حبة، فقال: " لا أكون شيخًا لها والشيخ رزق حبة موجود". وبعد وفاة الشيخ رزق نزل عنها رسميًّا، فتقلدها تلميذه الشيخ أحمد المعصراوي، ثم تقلدها من بعده حتى وفاته. والشيخُ عالمٌ ثقةٌ متبحرٌ في شأن القرآن والقراءات، وكان له اختيارٌ في بعض مسائل تحريرات القراءات كنحو ترك سكت المد لقراءة حمزة الزيّات من طريق طيّبة النشر. توفّي رحمه الله اليوم ، مساء يوم الجمعة في 7 ذي الحجة، المبارك الموافق 7/12/1437 ه.