محاكمة «مبارك» حملت محاكمة الرئيس السابق محمد حسني مبارك التي بدأت يوم الأربعاء الماضي أكثر من دلالة مهمة. فلأول مرة في التاريخ تشهد مصر أحد حكامها وأكثرهم استمرارا في السلطة (30 عاما رئيسا للجمهورية) في قفص الاتهام، ليحاسب - ونجلاه جمال وعلاء - علي بعض ما ارتكبوه من جرائم «وليس كلها»، ولا تقف أهمية هذا الحدث وتاريخيته عند هذه الحدود، فآثاره علي مستقبل التطور السياسي في مصر ستكون هائلة، ويحمل إنذارا لكل منظومة الفساد والفاسدين في مصر من القمة إلي القاع، وسواء كان الفساد ماليا أو إداريا أو سياسيا. والدلالة الثانية أن قطار التغيير الذي انطلق في 25 يناير 2011 وإسقاط النظام «القديم» القائم في مصر منذ دستور 1971، لم يتوقف عند حدود خلع رئيس الجمهورية - صاحب القرار السياسي والتشريعي والتنفيذي والإداري في مصر طبقا لهذا الدستور - وحل مجلسي الشعب والشوري ثم المجالس المحلية، فالمحاكمة توجه ضربة نافذة لهذا البنيان الاستبدادي القائم، تضاف إلي ما سبقها من خطوات. يضاف إلي ذلك أن الثورة لم تلجأ إلي قضاء استثنائي أو إجراءات استثنائية لمحاكمة الرئيس المخلوع ونجليه ووزير داخليته ومساعديه، فمثلوا جميعا أمام القضاء الطبيعي وبإجراءات قانونية سليمة طبقا لقانون الإجراءات الجنائية، ومارس الدفاع عن المتهمين حقوقه كاملة في تقديم الدفوع وطلب الشهود - شهود النفي - ورد المحكمة.. إلخ. ومع ذلك فينتقص من هذه الدلالات الإيجابية والمهمة عديد من تصرفات السلطة الحاكمة خلال مرحلة الانتقال الحالية «المجلس الأعلي للقوات المسلحة ومجلس وزرائه» والتي تصب في مجري استمرار النظام القديم وتأكيد بقائه. - فبينما يحاكم رأس النظام أمام قاضيه الطبيعي، يخضع مئات وآلاف من المواطنين المشاركين في المظاهرات والاحتجاجات وبينهم من ينتمي للثوار لمحاكمات عسكرية استثنائية تفتقر للضمانات القانونية وتغيب عنها العلانية، وتمتد هذه المحاكمات العسكرية لتشمل عمالا مارسوا حقهم في الإضراب أو الاعتصام للمطالبة بحقوقهم الاقتصادية! - ويحاكم هؤلاء جميعا بقوانين استثنائية آخرها المرسوم بقانون الذي أصدره المجلس العسكري والذي يجرم كل وسائل الاحتجاج الديمقراطية في ظل حالة الطوارئ والتي تكاد تكون معلنة في مصر بصفة دائمة، وهي معلنة حاليا وحتي نهاية مايو من العام القادم علي الأقل منذ 6 أكتوبر 1981 أي منذ 30 عاما، إضافة إلي ترسانة القوانين الموروثة والتي تبدأ بالقانون رقم 10 لسنة 1914 والقانون رقم 14 لسنة 1923 وكلاهما يصادر حق التجمع والتظاهر، مرورا بالعديد من مواد قانون العقوبات والقانون 58 لسنة 1949 الذي يجرم حق الإضراب وقانون الأحكام العسكرية وقانون الإرهاب، وصولا إلي قانون مكافحة الإرهاب 97 لسنة 1992 وقانون الجمعيات 84 لسنة 2002. - وتكشف حركة التعيينات الأخيرة للمحافظين عن اعتماد السلطة لنفس المنهج والأساليب التي كانت سائدة في ظل حكم الرئيس المخلوع، من عسكرة للمحليات والاعتماد علي كوادر لا علاقة لها بالمحليات، واختيار شخصيات تنتمي بالفكر والمصلحة للحزب الوطني وسياساته التي قادت البلاد إلي الكارثة. من هنا تتحمل الأحزاب والقوي السياسية وائتلافات الشباب والنقابات العمالية والمهنية مسئولية أساسية في حل هذه الازدواجية في ممارسات سلطة الحكم الحالية، وفي الدفع نحو القضاء علي النظام القديم القائم علي الاستبداد والقوانين والأوضاع الاستثنائية، وتأسيس نظام جديد لدولة مدنية ديمقراطية حديثة يحكمها دستور مدني ديمقراطي وقوانين طبيعية ديمقراطية، وقضاء طبيعي مستقل.