فى الوقت الذى كانت فيه أوروبا على الحدود البيلاروسية البولندية تمر بأزمة المهاجرين غير الشرعيين، وفى نفس الوقت الذى أدعى فيه الغرب وجود حشود عسكرية على حدود أوكرانيا تمهيداً للعدوان عليها، وحين اشتعلت الحرب من جديد بين أرمينيا وأذربيجان فى الحديقة الخلفية الروسية، ومع تهديد رئيس بيلاروسيا بقطع الغاز عن أوروبا، والإخلال باتفاقيات وتعهدات روسية للأوروبيين بعدم استخدام الغاز كسلاح سياسى، وإجراء روسيا مناورات مشتركة بين روسياوأوكرانيا لقوات المظليين، وحلف الناتو ومناوراته فى البحر الأسود، ووقف ألمانيا لعملية ترخيص خط الغاز السيل الشمالى 2، مما قد يرفع أسعار الغاز التى ارتفعت بنسبة 6% بمجرد الإعلان عن وقف الترخيص، إلا بعد إجراءات جديدة تتماشى مع التشريعات الألمانية. وسط هذه الأحداث، التى بدت وكأن الحرب على الأبواب، أجرت روسيا فى 15 نوفمبر الجاري وبشكل مفاجئ لم تعلن عنه من قبل تجربة إطلاق صاروخ فى الفضاء الخارجى، وكما قالت مصادر عسكرية روسية فإن تجربة الصاروخ جرى الإعداد لها منذ العام 2011، الهدف من التجربة مزدوج وفق وزارة الدفاع الروسية، دفاعى والتخلص من قمر صناعى قديم للتجسس كانت روسيا أطلقته للفضاء عام 1982، واتهمت الولاياتالمتحدةروسيا بأن التجربة الروسية من الممكن أن تشكل تهديدا للمحطة الفضائية الدولية ورواد الفضاء الموجودين فيها، ومن الممكن أن تؤدى كذلك إلى تعطيل برامج الفضاء للدول الأخرى. وعقد مسئولون من وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" اجتماعاً مع نظرائهم الروس فى "روشكوسموس" ناقشوا فيه التطورات الأخيرة رسمياً. أكد الخبراء أن هناك أربع دول فى العالم لديها قدرة على تدمير الأقمار الصناعية فى الفضاء وروسيا ليست الأولى فى هذا المجال والولاياتالمتحدةوالصينوالهند لهم سوابق فى هذا المضمار ولم تعترض الولاياتالمتحدة ولم تشكل هذه السوابق وحطام الأقمار الصناعية أى خطورة ولم تعترض واشنطن إلا على التجربة الروسية. التجربة الروسية التجربة الروسية كما يقول الخبراء تم الإعداد لها منذ عام 2011، الهدف منها دفاعى لتدمير الصواريخ الباليستية، الأجهزة الفضائية، وأضاف الخبراء أن المنظومة الجديدة سيكون منها نوع متحرك كما ذكر مصدر فى وزارة الدفاع الروسية لصحيفة الإزفيستيا. وأكد وزير الدفاع الروسى سيرجى شويجو أن التجربة كانت ناجحة وأن حطام القمر الصناعى العسكرى الذى تم تدميره لا يشكل أى خطورة على الأنشطة فى الفضاء الخارجى، فى توضيح وزارة الدفاع قالت إن الصاروخ قام بتدمير قمر صناعى باسم "تيلينا دى" انتهت صلاحيته حيث أنه موجود من عام 1982 فى الفضاء الخارجى، على ارتفاع 500 كم، وأكدت الحسابات الروسية لإطلاق الصاروخ والتجربة على أن الحطام لا يشكل أى خطورة على المحطة الفضائية الدولية، والغريب أنه لم يعترض على التجربة سوى الولاياتالمتحدة ولم تتحدث الصين عن أى خطورة على محطتها الفضائية. عسكرة الفضاء وزارة الدفاع الروسية من جانبها اتهمت الولاياتالمتحدة بمحاولة عسكرة الفضاء، وذكّر الجانب الروسى أن الأمريكيين كانوا أول من أسس قيادة عسكرية للفضاء ووافقوا على استراتيجية جديدة للفضاء أحد أهدافها الرئيسية إنشاء محطات تعطى لواشنطن التفوق فى الفضاء، ووفق وزارة الدفاع الروسية يقوم البنتاجون حالياً بتطوير وتجربة أسلحة حديثة فى الفضاء الخارجى، من بينها سفينة فضاء متعددة الأغراض وبدون رواد باسم "إكس 37″، بالإضافة لهذا تقوم واشنطن بتطوير منظومة للدفاع الصاروخى المستمرة من عصر الرئيس ريجان والتى كانت معروفة باسم "حرب النجوم"، وفى نفس الوقت تحمل الأخيرة روسيا مسئولية عسكرة الفضاء بينما تقوم هى نفسها بذلك. الأمر الذى دفع وزير الخارجية الروسى لاتهام الولاياتالمتحدة بالمُراءاة والكيل بمكيالين. الولاياتالمتحدة أكثر من اعترض على التجربة الروسية فى الفضاء الخارجى، هى نفسها أجرت تجربة لتدمير أقمار صناعية فى الفضاء، نعم حدث هذا منذ فترة طويلة، فقد طورت الولاياتالمتحدة فيما يعرف ببرنامج "ثآد" مجمع على الأرض يهدف لاعتراض أهداف من خارج المجال الجوى للأرض، موجهة لتدمير الصواريخ الباليستية والأقمار الصناعية. تجربة مشابهة أجرتها الصين وحتى الهند وهما دولتان ليستا من الصف الأول فى أبحاث الفضاء. كانت روسيا قد طلبت من الولاياتالمتحدة والدول الأخرى توقيع اتفاق بعدم نشر أسلحة فى الفضاء الخارجى، لكن هذا الاقتراح لم يجد أى صدى من الدول الأخرى وفق الخبير العسكرى الروسى دميترى كوزيولين. تدمير الأقمار الصناعية منذ عدة أيام على سبيل المثال كان على المحطة الفضائية الدولية أن تغير قليلاً من مكان تموضعها فى الفضاء وترتفع بمقدار 1,2 كم لتفادى حطام القمر الصناعى الصينى "فينجيون سى" الذى دمرته الصين عام 2007، فى الوقت الذى أشارت فيه وزارة الدفاع الروسية إلى أن الحطام الناجم عن تدمير القمر الصناعى "تسيلين دى" لم يكن ليمثل أى خطر على المحطة الفضائية الدولية ولا يحمل أى تهديد لأى أجهزة أو أنشطة فى الفضاء الخارجى. ونقلت وسائل إعلام عن مدير معهد السياسة الفضائية إيفان مويسييف قوله "إن تدمير أى أقمار صناعية فى الفضاء الخارجى لا يمثل لا نظرياً ولا عملياً أى صعوبة للدول الرائدة فى مجال الفضاء". الصين وتجارب الصواريخ تعود تجارب تدمير الأقمار الصناعية فى المدار الخارجى للارض إلى عدد من التجارب قامت بها بعض الدول لتدمير مجسمات أرسلت للمدار الخارجى القريب من الأرض، لكن الصين هى الدولة الأولى التى افتتحت تجارب الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية، وكان ذلك عام 2007، فى 11 يناير على وجه التحديد عندما أصابت قمرها الصناعى القديم إصابة مباشرة فدمرته على ارتفاع 865 كم، ونجم عنه 2,3 ألف قطعة، من إحدى هذه القطع اضطرت محطة الفضاء الدولية إلى التحرك من مكانها لتفادى الاصطدام بإحدى قطع حطام القمر الصناعى الصينى يوم 10 نوفمبر الجارى. بعد ذلك بعام فى 2008 ردت الولاياتالمتحدة بتجربة مماثلة، لكنها قامت بعمل ذلك عن طريق صاروخ من طراز إس إم 3 من سفينة حربية، وتم تدمير القمر الصناعى للتجسس "يو إس إيه 193" الذى خرج من الخدمة ولم يعد يعمل وكان على ارتفاع 247 كم، وتحطم إلى 400 قطعة أغلبها تبخر فى الفضاء، وأخيراً وفى عام 2019 انضمت الهند إلى نادى الدول التى تستطيع تدمير الأقمار الصناعية، فقد أعلن رئيس الوزراء الهندى يوم 27 مارس 2019 عن نجاح بلاده فى تدمير قمر صناعى هندى على ارتفاع 300 كم بنجاح. المسألة هنا ليست إذا فى عسكرة الفضاء، القضية أن روسيا هى من قامت بذلك، وكان الاتحاد السوفيتى، خاصة فى عصر جورباتشوف، حريصا منذ إطلاق برنامج "حرب النجوم" الذى بدأ فى عهد الرئيس ريجان على عدم عسكرة الفضاء وكان على استعداد لوقف برامج تسلح طموحة له بالاتفاق مع الأمريكيين، لكن الأمر لم يجد أى استجابة من واشنطن، إلى أن جاءت البداية من حيث لا تحتسب واشنطن من الصين ثم ردت هى، وتبعتهما الهند، ثم روسيا جاءت متأخرة عن الجميع لأنها كان حريصة على أن يكون الفضاء الخارجى ميدان يتسع للجميع دون أسلحة. إنتاج الصواريخ من المعروف أن الولاياتالمتحدة والاتحاد السوفيتى السابق كانا يقومان بتجارب إنتاج صواريخ مضادة للأقمار الصناعية، كما قامتا بإجراء تجارب على بناء قواعد صواريخ تتمركز فى الفضاء الخارجى، وأبحاث الليزر حققت فيها روسيا نجاحات كبيرة، وتجارب صواريخ فضاء فضاء، وقاذفات فضائية متخصصة لحروب الفضاء. لكن انهيار الاتحاد السوفيتى جعل الولاياتالمتحدة التى هيمنت على العالم لم تعد تخشى روسيا التى غرقت فى مشاكلها طوال عقد التسعينيات، إلى أن نهضت من جديد على أيدى الرئيس بوتين وعادت بقوة للساحة الدولية كمنافس قوى، وما التحرشات الحالية بين الغرب وروسيا التى نشهدها هذه الأيام، إلا محاولات غربية لإعادة روسيا إلى تسعينيات القرن الماضى، والقضاء على أمل روسيا فى العودة للساحة الدولية خاصة مع ظهور الصين كمنافس قوى للولايات المتحدةولروسيا معاً، فهل إذا اتفقت روسياوالولاياتالمتحدة ستسيطران على الصين أو الهند فيما يتعلق بعسكرة الفضاء، الآن الاتفاق يجب أن يكون جماعى، يشمل كافة الدول وليس موسكووواشنطن فقط، وربما يكون من المناسب اقتباس جزء من تصريح نائب وزير الخارجية الروسى سيرجى ريابكوف، الذى قال إن روسيا سلمت الولاياتالمتحدة تصورها عن الاستقرار الاستراتيجى، لكن فى ظل الأزمات الحالية فى العلاقات نحن بالفعل على حافة سباق تسلح جديد.