ليس هذا هو الوقت المناسب لتركيا وخاصة من الناحية الاقتصادية لكى تقوم بألعاب جيوستراتيجية خارج حدودها، فأنقرة تحتاج أكثر من أى وقت مضى لكى تنكفئ على مشاكلها الداخلية، حيث لم تستطع البلاد التخلص من الفوضى التى خلفها الانتقال إلى النظام الرئاسى المباشر. والأزمة الاقتصادية العميقة، والتى تزداد عمقاً بعد التوترات السياسية الناجمة عن فشل الحزب الحاكم فى الانتخابات المحلية التى جرت مؤخراً فى البلاد، سواء بخسارة انتخابات اسطنبول أو أنقرة. مع كل هذه الأمور السلبية والتى تمس صلب استقرار البلاد وجدت أنقرة نفسها فى قلب النزاع الليبى، بعد قيام قائد الجيش الوطنى الليبى خليفة حفتر بالهجوم على العاصمة الليبية طرابلس، وحصوله على دعم وتأييد من كل من القاهرة والرياض وأبو ظبى، وبالفعل أصبح الجيش الوطنى الليبى يسيطر على حوالى ثلثى مساحة ليبيا. أما حكومة الوفاق التى اتخذت من العاصمة طرابلس مقراً لها برئاسة فايز السراج المدعوم من بعض الجماعات الإرهابية المتطرفة وعلى رأسها الإخوان، فإنها تعلق آمالاً كبيرة على تركيا، ففى أثناء حديث هاتفى أجراه فايز السراج، يوم 28 أبريل أى بعد بدء عملية الكرامة لتحرير طرابلس، مع الرئيس التركى أردوغان طلب رئيس حكومة الوفاق الليبية من أنقرة المساعدة. حينها وكرد فعل على الطلب الليبى، وعد الرئيس التركى بالوقوف بقوة إلى جانب ما سماهم” الإخوة الليبيين” وتعبئة كافة الإمكانيات ليخيب أمل هؤلاء الذين يريدون تحويل ليبيا إلى سوريا جديدة على حد قوله وكرد من الرئيس التركى على “السيناريوهات السوداء” التى يحاول البعض تنفيذها فى لبيبا وفق اعتقاده. قال الرئيس التركى إن حكومة السراج التى “تستمد شرعيتها من الشعب”، كما قال، تقاتل ضد المدعوم من أوروبا وبعض الدول العربية، خليفة حفتر”. وكما نشرت بعض وسائل الإعلام بعد مرور يوم من المباحثات الهاتفية بين السراج وحفتر، غادر وزير الداخلية فى حكومة الوفاق إلى العاصمة التركية لمناقشة تفاصيل التعاون بين البلدين، بما فى ذلك فى مجالى الدفاع والأمن وفى التاسع عشر من أبريل التقى الرئيس أردوغان رئيس المجلس الأعلى للدولة ومقره طرابلس، كما أكد ذلك موقع مونيتور. قبل ذلك كان الاتصال الهاتفى الذى أجراه الرئيس الأمريكى دونالد ترمب، بالمشير حفتر يوم 15 أبريل والذى كان بمثابة ضربة قوية لقوى طرابلس، السراج وإخوانه، فى البيان الذى صدر عن البيت الأبيض بعد المحادثة الهاتفية، أقر ترمب بأنه يعترف بالدور “الهام الذى يقوم به حفتر فى مكافحة الإرهاب والحفاط على الثروات النفطية الليبية”، وأنه ناقش مع الأخير استراتيجية تحول ليبيا إلى ” نظام سياسى ديموقراطى مستقر”. ومن خلال الدعم التركى القطرىلطرابلس، يوجد محور منافس فى ليبيا. الورقة الأهم والأقوى التى تمسك بها تركيا هى اعتراف الأممالمتحدة بحكومة الوفاق. غير أن الاتهامات التى توجه لأنقرة وتنسف الحقائق المتمسكة بها والمتمثلة فى شرعية نظام السراج، فإن حكومة حفتر المتمركزة فى طبرق اتهمت تركيا أكثر من مرة بتوريد السلاح إلى ليبيا، لحكومة الوفاق بالطبع. ففى نهاية العام الماضى، تم اعتراض سفينة على بعد 100 كم إلى الشرق من طرابلس فى ميناء خومس، محملة بالأسلحة. ووفق رجال الجمارك كانت الحمولة تشمل 3 آلاف مسدس من إنتاج تركى وأسلحة صيد ومواد متفجرة، هذه الحادثة جاءت عقب ضبط 2,5 مليون رصاصة على سفينة فى نفس الميناء. وفى أثناء زيارة جرت لوزير الخارجية التركى مولود شاويش أوغلو إلى طرابلس، وافق على تحقيق مشترك فى توريد السلاح إلى ليبيا، ووفق كلمات الوزير التركى “إن هذا لا يعبر عن سياسة الدولة التركية!!”. فى أخر تقرير لمجموعة مراقبة توريد السلاح إلى ليبيا فى مجلس الأمن الدولى، أشار إلى أن هناك أسلحة تورد إلى ليبيا عن طريق تركيا وحكومات أخرى. تجددت الاتهامات لتركيا بعد أن بدأت قوات حفتر فى الزحف على العاصمة الليبية طرابلس فى 4 أبريل الماضى، وذهب المتحدث باسم الجيش الوطنى الليبى لأبعد من ذلك عندما اتهم تركيا بإرسال مقاتلين من “جبهة النصرة” الإرهابية من سوريا إلى ليبيا، كما قدمت طائرات مسيرة إلى الإرهابيين. ويرى بعض المراقبين إن الاتهامات الموجهة لتركيا بدعم الإرهابيين لا تنقصها الأسس التى تستند عليها، ويعتبرون أن هذا من الممكن أن يؤدى إلى عزلة الحكومة الليبية التى تتخذ من طرابلس مقراً لها. فى اجتماع جرى مؤخراً بين شخصيات رسمية تركية وزملاء لهم من روسياوالولاياتالمتحدة فى الأسابيع الأخيرة، أكد الأتراك على دعمهم للعودة إلى “خريطة الطريق” التى أقرها مبعوث الأممالمتحدة إلى ليبيا غسان سلامة، لكن هذه المباحثات لم تحقق أى شيء، كما أن اعتراف الأممالمتحدة بحكومة الوفاق يفقد بالتدريج أهميته على ضوء التطورات الأخيرة على الساحة الليبية، وفى واقع الأمر معظم اللاعبين الأساسيين فى الاتحاد الأوروبى والجامعة العربية ومجلس الأمن الدولى يراهنون على نجاح خليفة حفتر لإنهاء الصراع. انطلاقاً من كل هذه الحقائق، من الصعب توقع أن تحقق تركيا النجاح فى ليبيا، ورغم سيطرة القوات التى تدعمها تركيا على طرابلس ومصراتة، فإن فكرة أو خطوات مطاردة قوات حفتر إلى طبرق وبنغازى تبدو غير ممكنة الآن، فقد قام حفتر بعقد اتفاقيات مع قبائل المناطق الجنوبية الغنية بالنفط، واستطاع اجتذاب العسكريين الليبيين من الجيش الليبى من مناطق الشرق بعد انهيار الجيش النظامى الليبى فى 2011. وهكذا فى حالة تحقيق حفتر النصر فى ليبيا، سيكون على تركيا نسيان ليبيا لفترة طويلة، كما ستفقد تركيا عقودا قيمتها 19 مليار دولار، كانت قد وقعتها شركات تركية بعد أحداث ليبيا عام 2011. وتأمل أنقرة فى العودة الآن إلى ليبيا منتصرة من خلال دعمها حكومة الوفاق، لأنه وكما يقول بعض المراقبين، إن اهتمام تركيا بليبيا هو اقتصادى بالأساس، فهى أقرضت ليبيا 23 مليارد دولار أمريكى، بالإضافة إلى أن لتركيا عدد من العقود التى لم تنفذ فى ليبيا بعد، ومن الممكن استبعادها من المشاركة فى الاقتصاد الليبى مستقبلاً. وكما يقول رئيس تحرير صحيفة ليبيا هيرالد، إن تركيا لا تستطيع السماح لنفسها بالتخلى عن السوق الليبى، وهو ما نسبة احتمال حدوثه كبيرة الآن، خاصة إذا انتصر المشير حفتر فى الصراع الدائر حالياً، وستفعل كل ما يعتمد عليها للحيلولة دون هذا. هذا ما هو معلن على السطح، وتحاول وسائل الإعلام الروسية النأى بروسيا عن أى تدخل فى الصراع خشية استفزاز تركيا، لكن رضينا أم أبينا فإن روسيا باعتراف المتحدث الرسمى باسم قوات عملية الكرامة المسمارى، لها بعض الخبراء الذين يساعدون قوات المشير حفتر، وربما كان هذا ما حفز تركيا على الدخول فى ظل أى قوات روسية قد تدخل ليبيا فى المستقبل. وهنا دخلت الولاياتالمتحدة على الخط، فأرسل ترمب مبعوثاً رفيع المستوى يطلب من حفتر وقف الهجوم على طرابلس. فهل تريد واشنطن بذلك وقف عملية خسارتها لليبيا كما خسرت سوريا بعد سيطرة موسكو على مقاليد الأمور هناك. لكن من ناحية أخرى، إذا كانت تركيا تتدخل إلى جانب حكومة السراج، وروسيا فى المعسكر المضاد، ألا يمثل هذا لغماً أرضياً جديداً على طريق العلاقات المزدهرة بين البلدين، بعد صدام محتمل فى شمال شرق سوريا، وعدم اعتراف تركيا بالقرم كجزء من روسيا حتى الآن، وأخر هذه الألغام زرع اليوم عندما افتتح الرئيس التركى خط أنابيب الغاز القادم من أذربيجان والذى يمر بتركيا، وسيصدر إلى أوروبا حوالى 3 مليارات متر مكعب من الغاز يومياً إلى أوروبا، خاصة بعد الأزمات والعقوبات الأخيرة المفروضة من أوروبا على روسيا منذ عام 2014، فى ظل محاولات حثيثة من الدول الأوروبية لتنويع مصادر الطاقة خشية من ضغط روسى سياسى عليها فى المستقبل بإمدادات الطاقة. لكن فى نفس الوقت سيتم تشغيل الخط الروسى “التوركش ستريم” يوم 8 يناير من العام المقبل وهو ما فسره البعض على أنه، نوع من التوازن، تحاول تركيا استرضاء روسيا به، خاصة أن الخط الأذربيجانى هو مبادرة غربية محضة، فى إطار عملية أمريكية لاجتياح سوق الغاز الأوروبى الذى مازال حكراً على روسيا. فهل نشهد قريباً نهاية شهر العسل التركى الروسى، على خلفية الصدام فى ليبيا، حيث سيتواجه الصديقان وجهاً لوجه فى الصحراء الليبية، أم أن الاتصال الهاتفى الذى جرى بين الرئيسين التركى والروسى قبيل توقيع الاتفاقية سيكون له أثر، أم قد يحدث نوع من التنسيق بين الصديقين المختلفى التوجهات سواء فى ليبيا أو سوريا أو القرم سنرى ….. على أى حال مازال مجال التفاهم قائما ومفتوحا، لكن إلى أى مدى ستتحمل الدبلوماسية الروسية سياسة المواءمات التى تقوم بها سواء فى الملف السورى أو الملف الليبى، أو حتى الملف الأوكرانى المفتوح منذ عام 2014 مع نفس الصديق والشريك التركى. والشيء الأهم والذى يعنى مصر بشكل مباشر وهو هل ستسمح مصر بتواجد تركى كبير فى ليبيا فى ظل العلاقات المتوترة معها، أم أن مصر ستعتمد على وجود دولة صديقة فى ليبيا مثل روسيا، وموقفها متطابق مع الموقف المصرى من الأزمة الليبية، لتحقيق توازن مع الوجود التركى. على أى حال هناك الكثيرون فى تركيا وخاصة فى البرلمان ممن لا يوافقون على التمدد التركى وتوسيع جبهة المواجهة التركية وعداءاتها فى خارج البلاد وسط اقتصاد منهار وعداوات مستحكمة مع دول الجوار. لكن من ناحية أخري، أليس من الممكن أن تكون أنقرة لديها رغبة فى حجز مقعد لها فى مؤتمر برلين المقبل، لكى تلعب نفس الدور الذى لعبته فى سوريا، رغم بعد المسافات ولكن هذه المرة للأسباب الاقتصادية التى ذكرتها من قبل، ربما، وربما تكون تركيا لديها رغبة لحشر نفسها فى تحالف الغاز فى شرق المتوسط على حساب ترسيم الحدود بين ليبيا ودول مثل اليونان وقبرص وقد تكون إيطاليا. الموقف غير واضح من هذه الجوانب حتى الآن، غير أن هذا الأمر شغل جل اهتمام دولة مثل اليونان، لكن الذى لا شك فيه هو أن التوجهات الإيديولوجية ودعم تركيا لجماعة إرهابية عششت فوق الأراضى التركية، وتحاول أنقرة استغلالها فى بث الفتنة والشقاق بين دول المنطقة. فقد أعلنت تركيا عن منح دور لقطر فى المنطقة الآمنة، وربما يكون دور قطر هو تمويل أى أعمال عسكرية ستقوم بها تركيا فى ليبيا.