جاءت الدورة الثانية والثلاثون لمؤتمر أدباء مصر التي انعقدت فى مدينة « شرم الشيخ» قبل أيام جديدة تماما على أكثر من مستوى، فهي دورة عميد الأدب العربي « طه حسين» وهي أيضا التي خصصت واحدا من أيامها الأربعة لزيارة مجموعة مدارس فى المدينة، إذ قام أدباء ومبدعات ومبدعون ومعهم الدكتور « أحمد عواض» رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة بزيارة المدارس والتحاور مع التلميذات والتلاميذ بهدف التعرف على الاحتياجات الثقافية لهم. وكأنما جاءت هذه الزيارات للمدارس لتترجم جزئياً الموضوع الأساسي للمؤتمر أي « التأسيس الاجتماعي للأدب» وهو الموضوع الذي شارع فى بلورته عدد من الباحثين والباحثات عبر دراسات مهمة تبين حالة الوعي العام الناضج عن الدور الاجتماعي للأدب وللثقافة بصفة عامة، وهو ما انعكس فى بعض مناقشات المؤتمر الذي ضم مائتين وخمسين مبدعة ومبدعا، وإن لم يتحمسوا جميعا للمشاركة فى النقاش، وفضل بعضهم أن يديروا حوارات فيما بينهم فى أروقة المؤتمر فى المدينة الشبابية فى « شرم الشيخ»، ومع ذلك علت أصوات الشكوى من كونهم معزولين عن جمهور المتلقين الواسع فى المدينة. تأتي زيارة المبدعين والمبدعات للمدارس خطوة تأسيسية مهمة للغاية أتمنى أن تكون هي اللبنة الأولى فى مشروع كبير يضع الثقافة فى مكانها الصحيح، ويؤسس لمكافحة الإرهاب عبر تحرير العقل والوجدان، ويفتح أفقا جديدة للتلاحم بين التعليم والثقافة وهو ما حلم به « طه حسين» حين وضع كتابه « مستقبل الثقافة فى مصر « فى الثلث الأول من القرن العشرين، ورفع شعار التعليم كالماء والهواء، وحين أصبح وزيرا للمعارف بعد ذلك أخذ يجوب الأقاليم هو الكفيف صاحب البصيرة لينشئ المدارس، ويحث الأغنياء على التبرع لها. دأبت الدوائر الأمنية على مراكمة الشكوك فى المثقفين باعتبارهم مجموعات من المشاغبين، فحاصرتهم، ووقفت حائلا بينهم وبين الجماهير العريضة سواء فى المؤسسات التعليمية أو فى المصانع والهيئات الحكومية، وهكذا أخلت الساحة طوعا لتنفرد بها جحافل اليمين الديني التي أعتنقت الوهابية وهي تحرث الأرض للتطرف والإرهاب ومعاداة الثقافة واعتبار العقلانية كفرا والمرأة عورة، والثقافة الديموقراطية خروجا على الدين والحداثة استيرادا لأفكار غربية. وربما تكون هذه الدوائر الأمنية قد أدركت أخيرا حجم الخطأ التاريخي الذي وقع فيه أسلافها، وأظن أن هذا هو ما حدث بإستثناء بعض الأفراد فيها الذين اندفعوا إلى تيارات التطرف واعتنقوا الأفكار المتخلفة المغلفة بالدين، خاصة أن الخطاب الشائع الآن حول مكافحة الإرهاب يقول إنه لا يجوز أن تبقى هذه المكافحة عملا أمنياً فقط، وأن للثقافة الديموقراطية دورا لابد من الإقرار به ومساندته، وهو ما تقوم به الآن الهيئة العامة لقصور الثقافة عبر مؤتمر أدباء مصر، وعبر أنشطتها الأخرى. ولكن تبقى المهمة أكبر وأوسع مدى بكثير، ويحتاج إنجازها إلى إعادة نظر فى كل منظومة التعليم ومناهجه والإعلام واستراتيجياته، والمؤسسات الدينية وأساليبها وهي المسئولة مباشرة عن الانتشار الواسع لأفكار التطرف الوهابية. تراجعت مع تدهور التعليم وشح ميزانياته وانقسامه، كل النشاطات الثقافية داخل المدارس من حصص الهوايات بما فيها من قراءة وموسيقى وخطابة ومسرح، وأدى إكتظاظ مدارس الفقراء وهي الغالبية إلى تقسيم اليوم الدراسي لفترتين، فلم يبق هناك وقت ولا مكان لممارسة النشاط الثقافى والذي يعتبره غالبية الإداريين عملا هامشيا لا لزوم له. وقبل شهور قليلة دعا د. هشام الشريف « وزير التنمية المحلية عددا من المثقفين إلى اجتماع تدارسوا فيه كيفية استخدام إمكانيات هذه الوزارة من حيث علاقاتها الواسعة بالمحافظات حتى يبدأوا عملا ثقافيا ممتدا خاصة فى الريف بدءًا بالقرى المحرومة من المؤسسات الثقافية، ووضع المجتمعون مشروع برنامج طموح، ولكن الاجتماع لم يتكرر، ولجنة المتابعة لم تتابع لأنها لم تجتمع أبداً، وعلى ما يبدو فإن الدوائر البيروقراطية التي يسيطر عليها إما الأمن أو اليمين الديني فى بعض الأحيان والمواقع نجحت فى عرقلة المشروع، لأنها تدرك أن يقظة القوى الديموقراطية حتى ولو متأخرا تشكل خطرا داهماً على سيطرة هذا اليمين على عقل ووجدان الأجيال الجديدة التي يأتي الإرهابيون من صفوفها. ولكن هذا الفشل المؤقت لا يجوز أن ينسحب معنويا على كل الجهود التي تستهدف نشر الثقافة الديموقراطية الحديثة فى الأوساط الشعبية والريفية وللدكتور « أحمد عواض» تجربة ناجحة فى بعض قرى « المنيا» وصولا إلى قرية عاصم عبد الماجد، فقد استطاع هو وفريقه من الهيئة أن يصل إلى عشرات الأطفال من البنات والصبيان عبر برامج بسيطة ومحببة إليهم لينتشلهم من قبضة المتاجرين بالدين، وهناك إضافة لذلك بعض التجارب الفردية الجديرة بالدراسة والاستفادة منها لا فحسب فى مواجهة الإرهاب والتطرف وإنما أيضا فى نشر الثقافة العلمية النقدية، مع رؤية جديدة للعالم والواقع الذي يدعونا إلى تغييره اتساقا مع أهداف الموجات الثورية التي رفعت من سقف طموحات المصريين إلى العدالة والكرامة والحرية، وبدون الثقافة الحقيقية لن تنهض مصر.