احتفلت محافظة أسوان والمثقفون والمبدعون بذكري رائد من رواد الثقافة والإبداع. إنه محمود عباس العقاد. الذي يرقد جثمانه ببلدته التي ولد وتربي وعاش حياته فيها. وقد أقيم له مؤخرا تمثال رائع لتخليد ذكراه. وبهذه المناسبة التقت ¢عقيدتي¢ بأسرته للتعرف علي جوانب جديدة من حياته.. فقد ولد العقاد في أقصي الجنوب بمحافظة أسوان ومن المعروف أنه لم ينل من الشهادات العلمية سوي الابتدائية فقط وهي الدراسة الاولية لأي نظام تعليمي وتقتصر علي تعليم القراءة والكتابة. وبغض النظر عن متاهات الحياة التي منعته من إتمام دراسته فإن العقاد أثبت بتجربته الفريدة ان العلم يكون بقدر المعلوم لا بقدر الاعتراف. وقد وهب الله تعالي العقاد مفتاح التميز الابدي للبشر وهي موهبة القراءة. تلك الموهبة التي تكفل للمتمتع بها دروبا من العلم يحاربها المختصصون ولست اقصد بموهبة القراءة ان يميل المرء- مجرد الميل او شغل الفراغ بشيء مفيد- بل اعني بها ان تكون القراءة هي الحياة نفسها لمن يتمتع بها ولا يمنعه عنها. فقلة تلك الزمرة التي تكون القراءة بالنسبة لهم هي العين التي يبصرون بها والروح التي يعيشون بها ويتخذون من الكتاب الخليل الذي لا يعيب ولا يعاب.. وعلي رأس هؤلاء العباقرة يأتي العقاد. سنوات الصبا تقول نجاة العقاد بنت شقيق العقاد-: والدي كان يروي لنا ان عمي ¢العقاد¢ منذ سنوات صباه الاولي ومع بداية معرفته بكيفية فك طلاسم الحرف واستيعاب الجمل وتراكيبها.. انه بلغ نهمه بالقراءة حدا لم يبلغه قبله احد في العصر الحديث إلا الندرة مثل محمد حسنين هيكل والامام محمد متولي الشعراوي.. وللايضاح فإن العباقرة والعلماء كثر ولكن هذه الزمرة لم تكن تقرأ في مجالاتها العلمية سعيا للمزيد من النبوغ في تلك المجالات بل كانت تسعي للقراءة في المطلق للعلم والثقافة في شتي مناهل المعرفة بغض النظر عن التخصص الذي يصنع عالما نابغا. وقد خرج عمي العقاد من تجربة الدراسة الرسمية كما سبق القول عارفا بكيفية القراءة وبدأت همته تستعد لتعليم نفسه علما حرا وبدون معلم إلا الكتاب وهنا في أسوان كانت الظروف تدفعه دفعا الي محاولة البحث عن الرزق والكسب مما كان يمثل عائقا امام ممارسته لموهبته واضافة الي المال الذي لم يجد له مصدرا يغطي نفقاته المعيشية فما بالنا بثمن الكتب التي كانت تستعصي علي أمانيه؟! لذا توصل العقاد الي حل بسيط لحل كل تلك المعضلات دفعة واحدة حيث سعي الي العمل لدي احد اصحاب المكتبات الكبيرة كبائع للكتب وعرض علي الرجل ان يعمل عنده بأقل اجر ممكن لقاء شرط واحد.. فقبل الرجل وسأل عن الشرط؟ فأجابه: سأعمل عندك طيلة النهار بأي أجر تريده نظير أن تسمح لي بالمبيت بالمكتبة بعض أيام الاسبوع وتغلق عليّ الباب لتطمئن علي مكتبتك.. فدهش الرجل من هذا الفتي المجنون وعندما عرف هدف العقاد من ذلك وافق وكله دهشة من هذه الرغبة الحارقة للثقافة. مفترس الكتب! تستكمل نجاة العقاد قائلة: وبالفعل استمر العقاد في عمله هذا وكان في الايام التي يبيت لياليها بالمكتبة يفترس الكتب الضخمة والمجلدات من حوله حتي يأتي عليها كلها ثم ينتقل الي مكتبة غيرها فيعمل بها بذات الاسلوب حتي ينتهي من قراءة ما فيها وهكذا. وفي سنه الصغير كان العقاد قد انتهي من كل ما حوته المكتبات من كتب ومراجع في وقت قصير وانتقل العقاد في شبابه الي القاهرة وبدأت رحلته مع الابداع وتمكن من طرق ابواب الصحف ودور النشر والتألق بكتاباته في شتي مجالات الفكر في عصر مستحيل لانه عصر العباقرة في الشعر كالبارودي وحافظ وفي الفكر السنهوري وزكي نجيب وفي الفقه الافغاني ومحمد عبده وغيرهم من العباقرة وفي السياسة سعد زغلول والنحاس ومصطفي كامل اي ان نبوغه وسط تلك الكوكبة كان امرا بحق مستحيلا ولكن ما افاد العقاد في ذلك الوقت هو ان عصر الفكر في مصر لم يعترف إلا بالإبداع بغض النظر عن مكانة صاحبه. وواصل العقاد صعوده بسرعة خرافية حيث انه ظل يدافع عن ثوابته. تلك الثوابت التي أظهرت عداءات التيارات الجديدة لها. وصارت المعركة الفكرية. ففي الادب خاض حروبه ضد التشويه المتعمد باسم المنهج اللامعقول. وفي الفنون خاض معاركه ضد العبثية وما يسمي بالتجريد. وفي السياسة ضد المذاهب الجديدة الماركسية والرأسمالية. ومن المواقف التي ظلت في ذهن ¢نجاة العقاد¢ تروي أنه عند وفاة والدته رفض ان تفتح غرفتها حتي لا يري سريرها فارغا وعند حصوله علي جائزة الدولة التقديرية عام 1959 وكان مقدارها 2500 جنيه طلب من والدي وأرسل له المبلغ ليبني له منزلا لشقيقته الوحيدة فإنه كان مثالا ¢للحنّيّة¢ والود مع أهله. وانه كان دائما يدفعنا ويشجعنا للوصول الي أعلي مراحل التعليم والثقافة. وعند حلول شهر رمضان يأتي بالكثير من الياميش لتوزيعه سرا علي الفقراء فانه مثال للانسان المثقف الحكيم البار بالايتام قبل الأهل. انه حقا العقاد.تضيف نجاة: والمتبقي من عائلة العقاد انا واخي عبد العزير العقاد علي المعاش والباقي توفوا.