لم يعد العالم بأسره مهدداً فقط بتوابع »الاحتباس الحراري» المتمثلة في تغير المناخ وذوبان جبال الثلج في القطب الشمالي وزيادة حرارة الأرض.. بل أصبح مهددا بما هو أسوأ، ألا وهو توابع »الاحتباس الإنساني»، الذي يؤدي إلي التطرف، والعنف، والإرهاب، والعصبية، والاحتقان. وفي الوقت الذي ينشغل فيه قادة العالم بعقد المؤتمرات والمنتديات لعلاج توابع »الاحتباس الحراري» تتنبه مصر مبكراً لعلاج »الاحتباس الإنساني» وتقريب وجهات النظر بين شباب العالم من خلال منتدي شباب العالم الذي يعقد في مصر كل عام. الرئيس السيسي كشف في منتدي الشباب العربي الإفريقي الذي عقد في أسوان عن كيفية ظهور فكرة منتدي شباب العالم، قائلا: فكرنا في كيفية التواصل مع الشباب المصري، هل عن طريق وسائل الإعلام، أم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي؟ وطرح »شاب» فكرة أن يكون التواصل عن طريق عقد مؤتمر للشباب يكون حلقة الوصل بين المسئولين والشباب، وعُقد المؤتمر الأول في عام 2016، ثم تطورت الفكرة بعد عقد المؤتمر ليكون دوريا، ثم انطلقت فكرة منتدي شباب العالم، ثم توالت الأفكار لتولد فكرة منتدي الشباب العربي الإفريقي. هذه المنتديات تحولت إلي منصات »للتواصل الإنساني» بين كل الشباب، يتبادلون فيها الأفكار والرؤي ويتشاركون في المشروعات المجتمعية والتنموية والاستثمارية.. وكانت بمثابة علاج غير مباشر لظاهرة »الاحتباس الإنساني» التي في ظني يمكنها أن تدمر العالم، وضررها أقسي بكثير من قسوة الفيضانات، والجفاف والتسونامي، فكل شيء قابل للتبديل إلا البشر، فمن يموت لا يعوض. منصة منتدي شباب العالم التي تتبناها مصر تحت رعاية الرئيس السيسي تضم الآن نصف مليار شاب من 105 دول، مختلفي الثقافات، والألوان، والديانات، واللغات، لكنهم يجتمعون تحت مظلة الإنسانية التي أتاحتها لهم »أم الدنيا»، فكما وعد الرئيس أنه سيجعل مصر ليست فقط أم الدنيا بل »قد الدنيا».. بالقوة الناعمة التي تمتلكها مصر، والرصيد الإنساني الذي تنعم به مصر.. وإذا كنا لا نملك بترولا نصدره، ولا صناعات ثقيلة تدر علينا عُملة صعبة؛ فإن الله حبانا بثروة إنسانية تولدت علي مر العصور هي عصارة حضارات وُلدت علي أرضنا، وأديان اعتنقها شعبنا، وثقافات نمت في بيئتنا، وسلام حماه خير أجناد الأرض.
وربما تكون المنصة الجديدة التي ابتدعتها مصر للشباب العربي الإفريقي بمثابة إلهام للكيانات الأخري في شتي أنحاء العالم لإقامة منتديات مماثلة لمعالجة الاحتباس الإنساني، وتكوين روابط بين الشباب الذين سيقودون العالم في المستقبل القريب، ولتفادي التوابع المدمرة للتطرف والإرهاب والتعصب وكل مظاهر العنف والإقصاء. لقد كان الرئيس السيسي محقا تماما عندما بدأ فعاليات المنتدي العربي الإفريقي بدعوة كل المشاركين للوقوف دقيقة حداداً علي أرواح الضحايا والمصابين في المجزرة التي حدثت في نيوزيلندا والتي تم فيها استهداف مصلين في مسجدين هناك، قائلا: »إن ماحدث ضد الإنسانية».
الدور الذي تقوم به مصر تجاه أشقائها العرب والأفارقة، هو تجسيد حي لما يجب أن تقوم به الدول الكبري تجاه إقليمها.. سواء علي المستوي الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، فالأفكار والمقترحات والخطط التي يطرحها الرئيس في منتديات الشباب تعني أن مصر مهتمة بالإنسان في المقام الأول، مصرياً، إفريقياً، عربياً، آسيوياً، أوروبياً، أمريكياً في مشارق الأرض أو مغاربها، في أقصاها أو أدناها. القراءة المتأنية لمنتديات الشباب التي ابتدعتها مصر هي في حقيقتها خدمة للإنسانية، ومحاولة لعلاج الاحتباس الإنساني، الذي لم يتنبه له أحد.. نحن تجاوزنا حوار الأديان وحوار الحضارات، ونرسخ الآن لحوار الإنسان مع أخيه الإنسان. شكرا للرئيس السيسي راعي الإنسانية، وداعم منتديات الشباب. شكراً لصاحب فكرة مؤتمر الشباب الذي تحدث عنه الرئيس. شكراً للقائمين علي هذه المنتديات، وفي انتظار مزيد من الأفكار والإبداعات وكل مايخدم الإنسانية. حفظ الله مصر، وشعبها، وجيشها وشرطتها ورئيسها. آخر كلمة الجماد يفني، والكائنات الحية تذبل وتموت، الأفكار وحدها هي التي تبقي وتتطور.