في كل صراع عسكري، يسقط المقاتلون والمدنيون، لكن قبلهم جميعاً تسقط "الحقيقة" كأول ضحية للنزاع. هذا ليس مجرد استنتاج، بل قاعدة أرساها العديد من الكتاب العسكريون ومن بينهم الوزير البريطاني آرثر بونسونبي في كتابه "التزييف في زمن الحرب". فبينما تشتعل النيران في منطقتنا، ينشط "طابور خامس" عمل على تحويل غبار المعارك إلى فجوة بين مصر وأشقائها في الخليج، مستخدماً سلاح الشائعات التي تتراوح بين الكذب الصريح والتضليل الناعم. منذ اندلاع الحرب الإيرانية ظهرت موجة منظمة من التشكيك في الموقف المصري من أمن دول الخليج الشقيقة. الرواية جاهزة ومصاغة بعناية "مصر لم تتحرك لحماية أشقاؤها.. القاهرة خذلت إخوانها فى الخليج..أحدهم هناك سمعته يقول المصريون تعمهم الفرحة ويشمتون من الضربات الإيرانية التي تطال أراضى الخليج!!..مصر دولة "تتفرج" على أشقائها وهم تحت القصف الإيرانى..مصر ليست دولة معادية لإيران. لا أشك أن هناك حملة ممنهجة تستهدف الوقيعة وقد زادت حدتها الأيام الماضية ..هذه الحملة تتجاهل عن سبق إصرار سؤالاً بسيطاً وجوهرياً في آنٍ واحد.. هل طلبت دول الخليج رسمياً من مصر تدخلاً أو تعاونا عسكرياً ولم تستجب؟ الإجابة القاطعة هي لا. لم يصدر عن أي عاصمة خليجية طلب رسمي علني للتدخل العسكري حتى دول مجلس التعاون الخليجى لم تتخذ أى قرار بأعلان الحرب على إيران رغم العدوان. فعلى أي أساس تبنى تهمة التخاذل؟ أما الادعاء الأشد خطورة والأكثر إيلاما فهو ذلك الذي يصف المصريين بأنهم يشمتون في الضربات الإيرانية التي طالت أراضي الخليج. هذا الاتهام، إن صدر عن حسن نية، فهو جاهل، وإن صدر عن سوء نية، فهو بذرة فتنة مقصودة. من الناحية العملية، يعيش نحو ستة ملايين مصري على أرض دول الخليج. هؤلاء الملايين هم أبناء وآباء وأشقاء وأزواج. كيف يُعقل عاقلاً أن يتمنى مصري انقضاض الصواريخ على أرض فيها أبناؤه ورزقه ومستقبل أسرته؟ تحويلات هؤلاء المصريين تتجاوز ثلاثين مليار دولار سنوياً، وهي شريان اقتصادي مهم لعشرات الآلاف من الأسر المصرية. الشماتة في ضرب الخليج ستتطلب من المصريين أن يتمنوا الضرر لأنفسهم، وهذا ما لا يقوله عقل. والأهم من ذلك، تقول الأرقام ما هو أوضح من أي كلام. مصر من بين أكثر الدول تضرراً اقتصادياً من هذه الحرب في العالم النامي بأسره..مؤسسة فيتش سوليوشنز الدولية صنفت مصر في المرتبة الثالثة ضمن قائمة تضم أربعة وعشرين اقتصاداً ناشئاً تأثرت سلباً بالحرب الإيرانية، نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة. واستيقظت الأسواق المصرية على قرار رفع أسعار الوقود، وارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين. فكيف تشمت أمة في حرب تحرق جيوب مواطنيها وترفع أسعار الخبز والوقود عندها؟! وفي مواجهة هذا الضجيج المفتعل، تبرز مواقف الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضوح ورسوخ لا لبس فيهما. فمنذ الساعات الأولى للحرب تحرك الرئيس بنشاط دبلوماسي متواصل على جبهتين في آنٍ واحد فحين تلقى اتصالاً من الرئيس الإيراني بزشكيان أوصل إليه الموقف المصري بحزم لا تردد فيه، مُعلناً إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف دول الخليج والأردن والعراق وطلب وقف فورى للأعتداءات الايرانية.كما قام ويقوم الرئيس السيسى بتحركات مكثفة ويومية لوقف الحرب والعودة للتفاوض وعلى الجانب الآخر، أجرى الرئيس اتصالات متواصلة مع قادة وملوك الدول العربية ، مؤكداً في كل مرة وفى كل مناسبة إدانة مصر الاعتداءات الإيرانية ومشددا على أن أمن الخليج امتداد لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن مصر ودول الخليج يجمعهما مصير واحد. داعياً إلى تفعيل مفهوم الأمن العربي الجماعي. إن تفعيل هذا المفهوم الجماعي الذى تدعو له مصر يعني ببساطة أن تتوقف الدول العربية عن التعامل مع التهديدات الأمنية كل على حدة، وأن تنتقل من التضامن اللفظي إلى البنية المؤسسية الملزمة من خلال إنشاء منظومة دفاعية عربية مشتركة تجمع القوة العسكرية العربيةوتلزم أطرافها بالتحرك الفوري حين تهدد أي دولة عضو، على غرار المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو التي تجعل الاعتداء على دولة واحدة اعتداءً على الجميع. وهذا المفهوم ليس جديداً في الفكر العربي، فقد نصّ عليه ميثاق الجامعة العربية عام 1945 ومعاهدة الدفاع العربي المشترك عام 1950، لكنهما ظلا حبراً على ورق. أن ما تدعو له مصر اليوم هو استحضار هذا المفهوم من رفوف التاريخ وإعادة صياغته بأدوات القرن الحادي والعشرين، بحيث تجمع الدول العربية منظومة أمنية واحدة لا تحتاج في كل أزمة إلى التفاوض من الصفر على من يتحرك وكيف ومتى. كلمة أخيرة لمن يصطادون في الماء العكر ويزرعون ألغام الفتنة بين مصر ودول الخليج والعراق والأردن.. الحروب تُنتج دائماً ضباباً، وفي هذا الضباب تنشط أجهزة مهمتها الوحيدة بث الفتن وتعميق الشقاق بين الأشقاء. بعضها يعمل من داخل الحدود العربية، وبعضها من خارجها، والجميع يستثمر في كل كلمة طائشة وكل تعليق متسرع لبناء جدار من سوء الفهم بين شعوب تربطها مصالح مشتركة وأواصر تاريخ لا تُمحى. الواجب على كل مواطن عربي حين يقرأ تلك التعليقات المشككة والمحرضة أن يتوقف لحظة ويسأل من يستفيد من خلاف مصر والخليج؟ الإجابة لن تجدها في القاهرة ولا في الرياض ولا في المنامة. مجرد سؤال يبقى أليس من المنطقى أن تدعو جامعة الدول العربية إلى قمة عربية طارئة.. ماذا تنتظر وسط هذه الاعتداءات.. لا أدرى؟