قلوب تبنى وأيادى تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل ، حين تصفو القلوب. تتجدد حكايات الخير ، بعيدا عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثا عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم ، وأن التضامن ليس موسما، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثرا يبقى طويلا فى قلوب وعقول الناس . كانت تحمل ملامح هادئة، وابتسامة صادقة لا تحمل ادعاء، وكلمات تخرج كأنها دعاء لا خطبة، حين كانت تتحدث عن الدين، لم تكن تُثقِل المعنى بالوعظ، بل تُخففه بالحب، وتُقربه من الناس كأنها رفيق حميم، لا تكليف شاق، ولا ترهيب منفر. عرفها الناس صوتًا مطمئنًا، ووجهًا يبعث السكينة، وداعية اختارت أن تكون قريبة من الله بلا ضجيج، وقريبة من البشر بلا حواجز، لم تُكثر من التنظير، ولم تتحدث عن الفضائل من شرفات عالية، بل عاشت ما قالت، وجعلت من حياتها ترجمة عملية لمعنى بسيط وعميق أن الخير إذا خرج صادقًا، صار أثرًا لا يزول، واستمر بالطريق حتى بعد موت أصحابه.. الدكتورة عبلة الكحلاوى رحمها الله التى رحلت عن عالمنا لكنها تركت «الباقيات الصالحات» امتدادًا طبيعيًا لمسيرتها العطرة إيمانا منها بقوله: «والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثوابًا وخيرٌ أملًا». كانت الدكتورة عبلة الكحلاوى ترى فى الآية منهج حياة، لا مجرد وعد أخروي، أعمالا تبقى بعد الرحيل، وتستمر فى العطاء حين ينقطع الصوت، ويستوفى الأجل، ويتوقف العمل، وتظل شاهدة على نية صاحبها باقية له على قيد الحياة. آمنت عبلة الكحلاوى بأن الدعوة الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بعدد القلوب التى خفّ وجعها، وأن العبادة لا تنفصل عن الرحمة، وأن أقرب الطرق إلى الله هو الطريق الذى يمر عبر الإنسان، لذلك حين فكّرت فى العمل الخيري، لم تبحث عن الأسهل أو الأوضح، بل ذهبت إلى الفئات التى ينسحب منها الضوء تدريجيًا، ويخفت حضورها فى الذاكرة العامة، رغم أنها لا تزال على قيد الحياة. ومن هنا، بدأت الحكاية التى لم تكن مجرد جمعية، بل هى عمل باق لروح فارقت، وحكاية كتبت حروفها من نور «الباقيات الصالحات»، حملت فى معناها وعد الاستمرار، وفلسفة العطاء الذى لا ينتهي، والصدقة الجارية التى لا تعرف حدود الزمن. وفى هذا السياق، تتحدث الدكتورة مروة ياسين، رئيسة مجلس إدارة جمعية الباقيات الصالحات وابنة الراحلة عن الجذور الإنسانية التى انطلقت منها رسالة الجمعية، مستعيدة ملامح سيرة والدتها الدكتورة عبلة الكحلاوي، صاحبة الفكرة والبداية قائلة: «تعلمت من والدتي، الراحلة الدكتورة عبلة الكحلاوي، أن العطاء ليس فعلًا عابرًا، بل أسلوب حياة، وأن الإنسان يُقاس بما يتركه من أثر فى حياة الآخرين، خاصة الأضعف والأكثر احتياجًا»، كانت أمى مثالًا نادرًا فى الرحمة والتواضع والانحياز الدائم للإنسان، غرست فينا منذ الصغر أن خدمة كبار السن ورعاية المرضى ليست واجبًا مهنيًا فقط، بل رسالة أخلاقية وإنسانية، وأن من يفقد ذاكرته يجب ألا يفقد كرامته أو حقه فى الرعاية والاحترام. وأضافت: «من هذا الإيمان العميق، وُلدت جمعية الباقيات الصالحات قبل أكثر من عشرين عامًا، لتكون صرحًا متخصصًا فى دعم ورعاية مرضى الزهايمر وكبار السن، حيث كان ملف الزهايمر هو الأساس والمحور الأول لنشاط الجمعية منذ تأسيسها»، وحرصنا على تقديم نموذج متكامل للرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية، يواكب أحدث النظم العالمية، ويضع المريض فى قلب الاهتمام، ليس باعتباره حالة مرضية، بل إنسانًا له تاريخ ومشاعر وحقوق. وأوضحت الدكتورة مروة أن الجمعية طورت عملها ليشمل منظومة متكاملة من الخدمات، من خلال مجمع عبلة الكحلاوى الطبى والرعائى المتكامل، الذى يُعد من أوائل وأحدث الصروح المتخصصة فى رعاية مرضى الزهايمر وكبار السن فى مصر والمنطقة، ويقدم خدمات طبية ورعاية وتأهيلا شاملا، إلى جانب الدعم النفسى والاجتماعى للمرضى وأسرهم، بما يخفف من معاناة المرض ويُحسن جودة الحياة. واستكملت: رغم أن رعاية مرضى الزهايمر كانت وستظل جوهر رسالتنا، فإن نشاط جمعية الباقيات الصالحات يمتد ليشمل العديد من أوجه العمل الخيرى والإنساني، دعمًا لكبار السن غير القادرين، والأولى بالرعاية طبيًا واجتماعيًا ونفسيًا، انطلاقًا من إيماننا بأن التكافل المجتمعى هو الضمان الحقيقى لحياة كريمة، وأن دور منظمات المجتمع المدنى لا يقتصر على تقديم الخدمة، بل على بناء منظومة مستدامة تحمى الإنسان فى أكثر مراحل عمره ضعفًا. هكذا، لم تكن الدكتورة عبلة الكحلاوى مجرد داعية مرت فى حياة الناس ثم غابت، بل كانت فكرة استقرت فى القلوب، ورسالة اختارت أن تبقى بعد الرحيل، واختارت أن يكون أثرها ممتدًا فى رعاية من خفت صوتهم، وفى حماية كرامة من تراجع حضورهم، وفى مدّ يد الرحمة حيث ينقطع السند. «الباقيات الصالحات» لم تكن اسمًا لجمعية، بل خلاصة عمر آمنت صاحبته أن الخير الحقيقى هو ما يستمر دون صاحبه، وأن العمل الصادق لا ينتهى عند حدود الزمن، بل يتحول إلى حياة تُعاش بالنيابة عمن رحلوا. بين رعاية مريض فقد ذاكرته، واحتواء مسن يحتاج الأمان قبل الدواء، تتجسد الفكرة التى عاشت لها عبلة الكحلاوى وهى أن الرحمة عبادة، وأن الإنسان هو الطريق الأقرب إلى الله. وفى زمن تتبدل فيه الوجوه وتعلو فيه الأصوات، تظل مثل هذه التجارب شاهدًا على أن بعض القيم لا تموت، وأن بعض السير لا تختصر فى سيرة ذاتية، بل تكتب فى وجوه من وجدوا من يرعاهم حين غاب الجميع، وفى أعمال بقيت تشهد أن أصحابها مروا من هنا وتركوا أثرًا لا يزول.