د. عادل ضرغام إن نظرية الأمن المنطلقة من التحالفات والمواثيق التى كانت تتيه بها معظم هذه البلدان قد تهاوت، بشكل لا يمكن التشكيك فى مشروعيته أو جدارته أمام المحلل أو المراقب . تصرّ كل الأدبيات والتنظيرات على أن المثقف لكى يحافظ على مشروعه عليه أن يظلّ دائما على يسار السلطة، لأن وجوده فى هذا المكان خاصة إذا كان مؤيدا لها ومؤمنا بمشروعية وصواب خياراتها، يمنحه مساحة كافية للمراقبة دون تحيّز، ودون أن تتأثر رؤيته بالقرب الذى لا يجعله يبصر طبيعة الوجود واختلاف السياقات والآراء. ولكن متى يتخلّى المثقف عن مكانه الآمن فى يسار السلطة، ذلك المكان الذى يمنحه نوعا من الحرية فى الرؤية؟ يتخلّى عنه- بل ويصبح على يمين السلطة- إذا أدرك أن هناك خطرا محدقا ببلده ووطنه، وأن استشعاره لهذا الخطر يفصح عن حتمية وجوده، وأنه قادم وإن كان لا يزال بعيدا. يظهر هذا الخطر فى زلّات اللسان، وفى التصريحات التى يطلقها البعض، وهى كاشفة عن الكراهية المتأصّلة، والعداوة المزدانة بنسق توراتى ديني، يتواتر على ألسنة كثيرين. فى هذه اللحظة المخيفة، يجب أن يتخطّى دور المثقف مساحة التأييد من بعيد، ويصبح لزاما عليه أن يتوحّد خطابه مع خطاب السلطة، لا فارق بينهما. لقد كشفت الحرب الدائرة- وهى ليست بعيدة عنا وعن وطننا- صواب كل الخيارات التى أقدمت عليها القيادة السياسية فى الاشتغال على تحديث قدرات القوات المسلّحة المصرية، وتحديث الآليات العسكرية، وإضافة كل جديد إليها دون هوادة أو تريث، أو نظر لأى لوم يمكن أن يكون مطروحا من آخرين لا يدركون طبيعة المرحلة، وطبيعة التحولات التى تحدث بالمنطقة، حتى تستطيع الدفاع عن ترابنا الوطنى الغالي، وعن وجودنا. إننا اليوم لا نملك سوى أن نظهر ونكشف عن ارتباطنا العميق بالقيادة السياسية، شاكرين ومقدرين لها رؤيتها النافذة، وقدرتها الاستراتيجية فى التخطيط للحفاظ على مقدرات وطننا، ولا أملك أنا بشكل شخصى سوى أن أردد بكل قوّة: تعظيم سلام للرئيس السيسى الذى أثبتت الأيام والأحداث أنه نافذ الرؤية، ولديه حدس قوى واستبطان للقادم، وكلها صفات جعلتنا نجلس مطمئنين فى أمان لا يشعر به إخواننا فى البلدان المحيطة بنا، وجعلت القادة الآخرين يراجعون مواقفهم من الآخر الذى لم يعد- وهو هكذا دائما- بلدا واحدا، وإنما سياق يتوحّد حول مصالحه، فقد تبيّن لهم أنهم أمام توجّه لا يبحث إلا عن أمانه ومشاريعه الاستيطانية الاستعمارية المقدسة التى تحرّكه. الوعى ومراجعة المواقف فى ظلّ الحرب الدائرة، لا أستطيع أن أحدد بشكل فيه تجاوز للبلدان العربية المجاورة طبيعة التوجّه المقبلة، ولا أستطيع أن أشير إلى بلد بشكل خاص، ولكن كل ما أستطيع أن أقدمه لهذه البلدان نوع من الرؤية التى تشكّل رأيا يمكن الإنصات إليه، وتقليبه على وجوهه الافتراضية المحتملة، خاصة ونحن فى لحظة فارقة، تتكشّف فيها الوجوه وتتعرّى، وتظهر الأنياب والقواطع والدماء عالقة بها، دون أدنى محاولة للتستر أو الإخفاء. فالحركة الفردية حين تكون بهذا الشكل الذى لا يضع فى الذهن النتائج الكارثية المحتملة- وهى نتائج بدهية- توجّه نحو طبيعة النظرة، وتؤشر إلى طبيعة القيمة التى نتخيل أنها موجودة لنا فى عقل الآخر، بل وتخلخل وتزلزل هذه القيمة، وتعريها من الأساس. إن هناك مدنا وبلدانا من التى طالتها الحرب لن تتعافى إلا بعد سنوات أو عقود، وإن هناك مدنا أو بلدانا لا يمكن أن نتخيل شكل وجودها النهائى بعد أن تضع الحرب أوزارها، وتصمت المدافع والطائرات. وهى نتيجة أو واقع يجب أن يوجّه نحو مراجعة الوجود، ومراجعة أشكال الارتباط بالآخر، بل يجب أن يدفع نحو إعادة النظر فيما تمّ من اتفاقيات وارتباطات وعهود ومواثيق، ويجب أن تكون هذه الاتفاقيات والعهود والمواثيق- حتى فى ظل السياق العادى لا سياق الحرب- فى حالة صيرورة دائمة، أى فى معرض دائم للمراجعة والتغيير حسب ما تقتضيه المصلحة الفعلية للوطن. فيقين التبعية فى التحالف يقلل القيمة بالتدريج، ويجعل الآخر يتحرك وفق مصالحه وخياراته دون استحضار للخسارات المحتملة على الجانب الآخر. إن نظرية الأمن المنطلقة من التحالفات والمواثيق التى كانت تتيه بها معظم هذه البلدان قد تهاوت، بشكل لا يمكن التشكيك فى مشروعيته أو جدارته أمام المحلل أو المراقب، لأن الطرف الآخر يتحرّك وفق منظومته وقناعاته التى لا يواري- ذرّا للرماد فى العيون- ظهورها بشكل فيه الكثير من الجسارة، بل يمكن للمتأمل أن يصفها وهو مطمئن بالوقاحة، تلك الوقاحة المنفتحة على شيء من بوادر الخلل المنطقى أو العقلى خاصة حين تتكاثر وتتآزر التصريحات المستندة إلى تفسير خاص لنصوص توراتية، ويطلّ أصحاب هذه التصريحات، وكأنهم مبعوثون من العناية الإلهية إلى العالم لتحقيق هذا الحلم التوراتي، وقد نسوا- أو تناسوا- أن يشدّوا الغطاء بشكل جيد على أجسادهم لحظة التصريح أو الحلم. ما أريد أن ألمح إليه أو أقدمه، يتمثل فى إعادة النظر فى لحظة الأزمة، وهى لحظة تجعل الشيء الذى يخايلنا دائما، ونشكّ فى وجوده أصبح حقيقة لا لبس فيها، فقد يساورنا شك فى وجود ما نشعر به حقيقة، ولكن تتكفّل لحظة ما فى جعلنا نتيقن من صواب إحساسنا ومشاعرنا فى ارتباطنا بالآخر، أو ارتباط الآخر بنا. ولا شيء أكثر فاعلية وتأثيرا فى هذه الحال من إعادة النظر فيما استقرّ، وتحوّل إلى عادة وتسليم وجاهزية. فإعادة النظر فى الأشياء المستقرّة ليست إلا تمكينا لوعى جديد، وإعادة تقييم للسابق بنتائجه، وتمثل فى النهاية نوعا من المساءلة للحال الجديدة التى كشفت عنها الحرب الدائرة والتحرّك المنفرد. الذاكرة مرآة مغطاة بالتراب فى اللحظات التى نتأمل فيها أنفسنا ووجودنا، ونتأمل التماثيل التى كثيرا ما نبالغ فى صنعها لذواتنا ولم نفلح فى الاقتراب منها قيد ذراع، نعود إلى أيامنا الأولى وطفولتنا، من خلال ذاكرتنا التى نطلّ منها وكأنها مرايا مغطاة بالتراب. أنظر إلى هذا الطفل الصغير الذى كان مقرّبا من والده، لأنه الوحيد الذى استمرّ فى التعليم. وقد ظلّ هذا الطفل ينظر إلى صورة والده بعين التقديس والإجلال بالرغم من القسوة التى تترك أثرها، ويظلّ أثرها معنا يصاحبنا على الدوام، ويستطيع أن يتلمّس لها تفسيرا فى اللحظة الآنية، ويلوم نفسه كثيرا، لأنه لم يتفطن إلى الحنان المبطّن فى هذه القسوة. أتذكر إصراره على دخول امتحان الابتدائية بنظام (المنازل) حتى أكون صغيرا عن أقرانى وزملائي، فقد كان القانون يتيح ذلك فى عام 1979، وأتذكر أيضا إصراره على حفظى للقرآن الكريم، وتسميعى له يوميا بعد العودة من عند الشيخ (الطواحيني) فى المرحلة الأولى، أو من عند الأستاذ (سيد الفقي) فى مرحلة تالية. وأتذكر أول حقيبة (سمسونيت) أحضرها لى فى الصف الأول الإعدادي، بعد حقيبة القماش من الجزء المتبقّى من قماش الجلباب التى ظلت معى من الصف الأول الابتدائى حتى امتحان الابتدائية الذى تجاوزته بتفوق وحصولى على درجات عالية. أتذكّر فرحته الكبيرة حين جاءنى خطاب التكليف فى وظيفة معيد فى أبريل 1990، وكنت بعيدا عن القرية أثناء أداء الخدمة العسكرية، وحكّت لى أمى كيف زار الكثيرين من أصحابه وأقربائه، وفى كل مرّة كان يخرج خطاب التكليف من جيبه، ويطلب من أحد الجالسين أن يقرأ الخطاب مرّة بعد مرة، وكأن فى هذا التكرار الذى أصبح سببا لسعادته نوعا من الانتصار على الحياة التى أتعبته كثيرا، وكأن فى نجاح الابن نوعا من التعويض. وقد تجلّت هذه الفرحة فى كثير من المواقف المتتالية التى كنت حاضرا فيها، منها مناقشتى للماجستير، ورأيته كيف جهّز نفسه لمناسبة مثل هذه، فى توزيعه للأموال بعد انتهاء المناقشة بشكل أقرب إلى المباهاة والتيه. إننى أتذكّر كل هذا لأقول لأبى إننى أفتقدك كثيرا، وأفتقد حكمتك ورأيك وقوتك، وأفتقد جلوسى بين يديك .