دخلت العلاقات التجارية بين الولاياتالمتحدة والاتحاد الأوروبي مرحلة توتر حاد، بعدما ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين ملف جزيرة جرينلاند والسياسة التجارية، ملوّحًا بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على واردات الدول التي تعارض مطلبه بالسيطرة على الجزيرة القطبية، في خطوة أعادت شبح الحرب التجارية عبر الأطلسي إلى الواجهة. وبحسب مجلة «تايم»، فإن التهديدات الأمريكية لا تمس فقط العلاقات السياسية مع الحلفاء الأوروبيين، بل تهدد أيضًا بنسف اتفاقية التجارة والاستثمار التي تم التوصل إليها الصيف الماضي، والتي اعتُبرت حينها حجر أساس لاستقرار العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، وسط رهانات بمئات المليارات من الدولارات في مجالات الطاقة والاستثمار والتجارة الصناعية. اقرأ أيضًا| «الناتو» على حافة الانقسام.. جرينلاند تفجر اتهامات دنماركية لواشنطن حرب تجارية تلوح في الأفق يستعد القادة الأوروبيون لاحتمال اندلاع مواجهة تجارية شاملة مع الولاياتالمتحدة، بعد أن هدد ترامب بفرض تعريفة جمركية بنسبة 10% على الواردات من الدول التي تعارض مطلبه بالسيطرة على جزيرة جرينلاند. ويرى مسؤولون أوروبيون أن هذا التهديد يمثل تصعيدًا غير مسبوق، لأنه يربط بين قضايا سيادية وأمنية وبين أدوات الضغط التجاري، ما يفتح الباب أمام استخدام التجارة كسلاح سياسي مباشر في العلاقات بين الحلفاء. اتفاقية مهددة بالانهيار أفادت مجلة «تايم» الأمريكية، بأن التعريفة الجمركية المحتملة قد تعرض اتفاقية التجارة بين الولاياتالمتحدة والاتحاد الأوروبي، التي أُبرمت الصيف الماضي، لخطر التعطيل أو الانهيار. وتشمل الاتفاقية التزامات أوروبية بشراء طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار، إضافة إلى استثمارات من الاتحاد الأوروبي في الولاياتالمتحدة بقيمة 600 مليار دولار، فضلًا عن تخفيضات في الرسوم الجمركية على الواردات الأوروبية بمليارات الدولارات، وهي حزمة اقتصادية كانت تهدف إلى تهدئة التوترات وتعزيز الشراكة الاقتصادية بين الجانبين. تحذير من بروكسل.. فون دير لاين تتوعد برد «حازم وموحد» حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، خلال كلمتها في المنتدى الاقتصادي العالمي، من أن رد الاتحاد الأوروبي على أي تهديدات بفرض تعريفات جمركية سيكون "حازماً وموحداً ومتناسباً". وقالت فون دير لاين: "في السياسة كما في الأعمال التجارية الصفقة هي صفقة، وعندما يتصافح الأصدقاء، فلا بد أن يكون لذلك معنى"، في إشارة إلى أن بروكسل تعتبر التهديدات الأمريكية خرقًا لروح الشراكة التي قامت عليها الاتفاقات الأخيرة. ترامب يتمسك بملف جرينلاند رغم التحذيرات الأوروبية، لا يزال ترامب مصرًا على المضي قدمًا في ملف جرينلاند، وفي سلسلة منشورات على منصة "تروث سوشيال"، قال إنه تحدث مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، بشأن جرينلاند، وأكد له أن مسار السيطرة الأمريكية على الجزيرة "لا رجعة فيه"، وفق تعبيره. ويعكس هذا الموقف تمسك الإدارة الأمريكية بربط الملف الأمني في القطب الشمالي بالسياسة التجارية، ما يزيد من تعقيد الأزمة. خمس أدوات أوروبية محتملة للرد على ترامب أوروبا تلوّح بإجراءات اقتصادية قاسية ضد واشنطن بينها تفعيل أداة "البازوكا".. وضغوط ترمب لضم غرينلاند ينذر بحرب تجارية محتملة وتهدد بانهيار حلف الناتو#قناة_العربية#أميركا pic.twitter.com/0DBvFOzPLO — العربية (@AlArabiya) January 21, 2026 أولاً: التعريفات الانتقامية.. قائمة ب108 مليارات دولار من السلع الأمريكية كشفت «تايم»، عن أنه يمكن للاتحاد الأوروبي الرد بفرض تعريفات جمركية متبادلة على مجموعة واسعة من السلع الأمريكية. وخلال المفاوضات التجارية التي جرت العام الماضي، أعدت بروكسل قائمة تضم 4800 نوع من الصادرات الأمريكية لفرض رسوم جمركية عليها، تشمل الويسكي، وفول الصويا، والطائرات، والسيارات، بقيمة إجمالية تصل إلى 108 مليارات دولار. ومن المقرر أن تدخل هذه القائمة حيز التنفيذ في 7 فبراير، ما لم يصوّت البرلمان الأوروبي على تجميدها. ومع عودة ترامب للضغط في ملف جرينلاند، اكتسب اقتراح تفعيل هذه القائمة زخمًا داخل البرلمان الأوروبي. وصرّح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بأن فرنسا تدعم مساعي البرلمان لتعليق الاتفاقية التجارية مع الولاياتالمتحدة. في المقابل، قال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، أولوف جيل، إن أولوية بروكسل لا تزال تتمثل في الانخراط في الحوار وتجنب فرض الرسوم، محذرًا من أن "ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى الإضرار بالمستهلكين والشركات على جانبي المحيط الأطلسي". ثانيًا: «بازوكا التجارة».. أداة مكافحة الإكراه كخيار تصعيدي من بين الخيارات الأكثر تصعيدًا بحسب «تايم» تفعيل أداة مكافحة الإكراه، المعروفة باسم "بازوكا التجارة"، والتي اعتُمدت في أواخر عام 2023. وتهدف هذه الأداة إلى ردع الدول الأجنبية عن ممارسة الابتزاز الاقتصادي ضد الدول الأوروبية، ولا تقتصر على فرض تعريفات جمركية، بل تشمل أيضا: - تقييد الواردات والصادرات عبر الحصص والتراخيص - الحد من فرص الاستثمار المباشر في الأسواق الأوروبية - تعليق حقوق الملكية الفكرية وقال دان هاميلتون، الزميل الأول غير المقيم في مركز بروكينجز، إن استخدام هذه الأداة قد يسبب "ضررا كبيرا للاقتصاد الأمريكي"، وربما يؤدي إلى ركود في الولاياتالمتحدة وانكماش اقتصادي عالمي، إلى جانب رفع تكاليف العديد من السلع الأساسية. لكن هذه الأداة تُعد ملاذا أخيرا، إذ قد يستغرق التحقيق لتفعيلها ما يصل إلى عشرة أشهر، ويتطلب دعما واسعا من الدول الأعضاء، كما أنها لم تُستخدم من قبل، بينما تسعى بعض الدول، مثل ألمانيا، إلى تهدئة الموقف. وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس: "نريد ببساطة محاولة حل هذه المشكلة معًا، والحكومة الأمريكية تعلم أننا قد نرد بالمثل". ثالثا: التخلص من الأصول الأمريكية تمتلك الدول الأوروبية تريليونات الدولارات من السندات والأسهم الأمريكية، ويُعد بيع جزء من هذه الأصول خيارًا نظريًا لرفع تكلفة الاقتراض في الولاياتالمتحدة وزيادة حالة عدم اليقين في الأسواق المالية الأمريكية. لكن وفقًا لصحيفة فايننشال تايمز، فإن معظم هذه الأصول مملوكة لكيانات خاصة وليست للحكومات، ما يجعل إجبارها على البيع أمرًا بالغ الصعوبة. كما أن أي بيع واسع النطاق قد يؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار وارتفاع قيمة اليورو، وهو ما قد يسبب اضطرابًا سريعًا في اقتصادات الدول الأوروبية نفسها. ورفض وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت هذا السيناريو، واصفًا إياه بأنه "رواية زائفة تتحدى أي منطق"، داعيًا إلى التهدئة. اقرأ أيضًا| العالم ناقص واحد.. كيف يدير المجتمع الدولي النظام العالمي في ظل واشنطن المتمردة؟ رابعًا: المحكمة العليا الأمريكية ينتظر القادة الأوروبيون قرار المحكمة العليا الأمريكية بشأن شرعية تعريفات ترامب الجمركية، والذي قد يصدر في أقرب وقت هذا الأسبوع. ويستند البيت الأبيض إلى قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) لمنح الرئيس سلطة فرض الرسوم من تلقاء نفسه، لكن محكمة الاستئناف للدائرة الفيدرالية قضت بأغلبية 7 - 4 بأن هذا القانون لا يمنح صراحة سلطة فرض التعريفات الجمركية أو الضرائب. ورغم ذلك، أكدت إدارة ترامب أنها ستبقي على الرسوم بأي شكل، حيث قال الممثل التجاري الأمريكي جيمسون جرير إن الإدارة ستستبدل الرسوم بأدوات أخرى فورًا إذا ألغتها المحكمة العليا. خامسًا: تعزيز الدفاع في جرينلاند رغم أن الخيار العسكري لا يزال مستبعدًا، فإن الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، عززت وجودها العسكري في جرينلاند ومحيطها، ردًا على تصعيد ترامب. وأعلن وزير الدفاع الدنماركي ترولز لوند بولسن زيادة النشاط العسكري في الجزيرة، مشيرا إلى تزايد حالة عدم الاستقرار الأمني، كما أكد عدد من حلفاء الناتو الأوروبيين إرسال قوات أو أفراد لدعم الوجود الدفاعي هناك. وعندما سُئل ترامب عما إذا كان سيستخدم القوة للاستيلاء على جرينلاند، قال لشبكة NBC News: "لا تعليق".