عندما نحيى اليوم الذكرى 38 لغياب أستاذنا الجليل جلال الدين الحمامصى أول رئيس تحرير لجريدة «الأخبار» الذى تخرج على يديه أجيال من النجوم الساطعة فى بلاط صاحبة الجلالة الصحافة من الجامعة الأمريكية وكلية الإعلام، فلتسمح لى الكاتبة الكبيرة سناء البيسى أن استعير عنوان مقالها «جلال الدين الحمامصى.. دخان لم يذهب فى الهواء» لأن عبقرية العنوان تلخص شخصية «المهندس المعلّمُ» صاحب عمود «دخان فى الهواء» ولم تكن كلماته فى الحقيقة دخانًا فى الفراغ بل كانت كلماته طلقات من الرصاص تدوى ويرتعد منها سوس الفساد، وما أكثر المعارك التى خاضها بسلاح الحق والصدق والدقة والموضوعية والوقائع المدعمة بالمستندات، وسببت له الكثير من المتاعب التى أعفى بسببها من عمله بمؤسسة «أخبار اليوم» بقرار من الرئيس عبد الناصر، وهو من كلفه بتأسيس وكالة أنباء الشرق الأوسط لتكون الوكالة الصحفية الرسمية الناطقة بلسان الدولة والرئيس هو من أسند له رئاسة تحريرها ورئاسة مجلس إدارتها، وكلفه بوضع تصور لانتشال جريدة «الجمهورية» من عثرتها، وعندما سئل عن سبب إعفائه من أخبار اليوم قال «لأنى حاربت الفساد». معارك أستاذنا جلال الدين الحمامصى فرضت عليه أن يصطدم بالرئيس السادات الذى زامله فى معتقل الزيتون عندما صدر أمر عسكرى من النحاس باشا باعتقاله بتهمة صياغة «الكتاب الأسود» مع مكرم باشا عبيد الذى أمده بمستندات الفساد فى حكومة الوفد ! وفى يناير 1946 شهد الحمامصى أمام سلطات التحقيق بأن أنور السادات كان فى زيارة له وقت إطلاق النار على وزير المالية أمين باشا عثمان، وشهادته برأت السادات من الاتهام بالمشاركة فى عملية اغتيال الوزير، ومع ذلك كان الحمامصى ممنوعًا من الكتابة فى أواخر عهد الرئيس السادات!. فى العشرين من يناير عام 1988 فارقنا الأستاذ والمعلم جلال الدين الحمامصى، وغلف الحزن قلوب تلاميذه الذين تلقوا على يديه مبادئ وأخلاقيات مهنة البحث عن المتاعب بقاعات الدرس بكلية الإعلام فى محاضرات نظرية تصاحبها دروس تطبيقية فى جريدة «صوت الجامعة» التى كنا نحررها ونوزعها بأنفسنا فى الجامعات، ونقلت عنها وكالات الأنباء نص الحوار الذى أجراه الزميل عماد أديب والزميل الراحل عمرو عبد السميع مع الرئيس السادات. فى العشرين من يناير فى كل عام ننحنى إجلالًا وتقديرًا لذكرى الأستاذ الذى ترك آثاره فينا، وتعلمنا منه أن الصحافة رسالة نبيلة لكشف الحقيقة ونقلها للرأى العام ليفهم ويعرف. ألم يقل لنا أمير الشعراء أحمد شوقى: «قُمْ للمعلّمِ وَفِّهِ التبجيلا كادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا.. أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذى يبنى وينشئُ أنفساً وعقولا». ها نحن نقف فى ذكرى غيابه ونوفه التبجيلا، وسنداوم على ذلك ما حيينا، تقديرا منا لأستاذ كان عنوانًا لعفة النفس، وطهارة اليد، ونزاهة الغرض، والعناد فى الحق، والثقة بالنفس. عندما سئل الأستاذ عباس محمود العقاد عن جلال الدين الحمامصى قال : «شعبى فى صالون، ولكنه شعبى أصيل لا يخلع القفاز من يده وهو يحمل القلم وقد يخلعه وهو يصافح الصديق، ويخلعه ليبارز العدو، ولا يقول فى الحالتين إلا ما يقال فى الصالون، على مسمع من السيدات والأطفال، قلمه الناقد وقلمه المادح يسيران بخطوة واحدة، لا يجمحان ولا يخرجان العنان. محصوله من الذوق يزيد على محصوله من الورق، ولكنه لا يتصدى لعمله بغير الكفاية من المحصولين». وقد رثاه تلميذه موسى صبرى فى مقال بعنوان «جلال الدين الحمامصى» بمجلة «آخر ساعة» فى 17 فبراير 1988 قال فى نهايته: «لقد تعلمت من جلال الحمامصى الكثير، كان يقدم لنا دائما الصورة المثلى للصحفى الشريف. كان رائدًا فى رياسة العمل الصحفى، ليس له شلة، عادل فى تقييم العمل الصحفى، وكان عناده يعبر عن شخصيته فى كل سلوكه العام والخاص، وكانت الابتسامة لا تختفى من وجهه مهما كان عنف الأزمات». العناد الذى يتحدث عنه الأستاذ موسى صبرى فى شخصية أستاذه لم يكن عنادًا للعناد، إنما تمسكا بالمبادئ التى لا يحيد عنها، الموضوعية فيما يكتبه دفاعًا عن المواطن والحق والحقيقة. ولهذا اصطدم مع رئيس الوزراء عبد العزيز حجازى حول تلوث مياه الشرب، واصطدم مع حافظ بدوى رئيس مجلس الشعب الذى قال له : «لا تنس أننى الرجل الثانى فى مصر»، ونسى الرجل الثانى أن الحمامصى اختلف مع الرجل الأول جمال عبد الناصر، والرجل الأول محمد أنور السادات! حرية الصحافة بالنسبة لأستاذنا الحمامصى هى الأساس الذى تقوم عليه الصحافة المثالية التى كان يعلمها لنا، فيقول فى كتابه «القربة المقطوعة»: «سألنى صديق بعد عودتى من رحلة العمرة إلى الأراضى المقدسة، هل دعوت لحرية الصحافة وأنت فى بيت الله الحرام؟ وكان السؤال مفاجأة لى فسألت نفسى لماذا غاب عنى أن أدعو الله، ليحقق الحرية الكاملة لصحافة عاشت فى غيبوبة تامة لفترة طويلة من أعمارنا ؟ فلم أجد إجابة على سؤالى، وتطلعت إلى صديقى وهززت رأسى بالنفى، وشعرت بأن الجواب يكمن فى إيمان داخلى بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». ويقول فى مقدمة كتابه «حوار وراء الأسوار» الذى أقام الدنيا ولم يقعدها: «لست أدّعى أنى وضعت يدى على كل عيوبنا وأخطائنا أو إنجازاتنا أو الحلول السليمة التى تصلح للتغلب عليها، وإنما أحس أنى ساهمت فى محاولة لفتح الأبواب المغلقة، والدعوة إلى عمل موحد يخرجنا من الظلام الذى عشنا فيه طويلا إلى النور الذى نتعرف به على أعمالنا، ونتحسس طريقنا إلى الطهارة والحرية والعدل والمساواة». ولأستاذنا إنجازات جليلة فى مسيرة الصحافة الحديثة، تعلمتها الأجيال التى ارتوت منه أخلاقيات المهنة، ودراسته للهندسة جعلته يقسم الصفحة لثمانية أعمدة بدلًا من سبعة كما هو متبع فى الصحف الأوروبية، وساهم فى تأسيس معهد الإعلام بجامعة القاهرة، وتوزيع تلاميذه على المؤسسات الصحفية وأصبحوا نجومًا لامعة فى بلاط صاحبة الجلالة، وشارك مع على ومصطفى أمين فى تأسيس «أخبار اليوم» التى زودها بمطبعة اشتراها بثمن قطعة أرض من ميراث والدته، وشارك فى تأسيس جريدة «الأخبار» وكان رئيس تحرير لها، ويرجع له الفضل فى تأسيس ورئاسة «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والمتابعة الصحفية» بطلب من محمد حسنين هيكل الذى أسند له مهمة المشرف العام على تحرير صحف ومجلات دار «أخبار اليوم»، وترك الحمامصى خلفه مؤلفات ثرية فى مقدمتها «المخبر الصحفى - المندوب الصحفى - صالة التحرير - الأخبار فى الراديو والتليفزيون - وكالات الأنباء - الإدارة فى الصحف - من الخبر إلى الموضوع الصحفى - الصحيفة المثالية - صحافتنا بين الأمس واليوم»، ومن مؤلفاته التى تثرى المعرفة «نزاهة الحكم - معركة الجلاء - ماذا فى السودان؟ - معركة تأميم قناة السويس- من القاتل - القربة المقطوعة - حوار وراء الأسوار - أسوار حول الحوار» تعلمنا من أستاذنا جلال الدين الحمامصى شرف المهنة والفصل بين الإعلام والإعلان، علمنا كيف نجادل ونناقش وصولًا للحقيقة التى ننقلها للقارئ، وكان يتيح لنا مساحة نمارس فيها الجدل معه، ويتقبل منا الاختلاف بصدر رحب لكى نتمرن على أصول الحوار، رحم الله مهندس الصحافة النبيل صاحب مدرسة الدقة والشفافية والصحافة المثالية. عاطف النمر