■ كتبت: هاجر علاء عبدالوهاب «حكاوى ماتريوشكا» معرض ذو طابع خاص للفنانة دينا ريحان، حيث يقدم مشروعا بصريا مركبا يعيد تفكيك وإعادة بناء دمية الماتريوشكا، لتتحول إلى بنية سردية مصرية مشبعة بالرموز والمفردات الشعبية، وتتنوع الأعمال بين التكوينات الرأسية ذات الطابع النصبي، وأخرى تختزل الهيئة الأنثوية فى قوالب خزفية زخرفية، تتجاوز البعد الشكلى نحو تأملات فى الهوية، والأنوثة، والروح الشعبية. المعرض المقام فى قاعة إيزيس بمركز محمود مختار الثقافي يعكس فكرة أن ما يبدو قاسيا أحيانا قد يكون طريقا نحو اكتشافات ثمينة وتحولات إيجابية، وقد استلهمت الفنانة هذه الرؤية من موقف عابر حدث منذ أكثر من عقد أثناء رحلة عابرة إلى مدينة كييف، حين تحول يوم شاق مليء بالمصاعب والتحديات إلى لحظة لا تنسى، بفضل صدفة غير متوقعة بقى أثر هذه اللحظة محفورا فى ذاكرتها ونفسها، وتجسد لاحقًا فى دمية الماتريوشكا، التى تنتمى بكل تفاصيلها إلى التراثين الروسى والأوكرانى، لتصبح رمزا للسلام، والتواصل الإنسانى، والانتماء الثقافى المشترك. حكاوى «ماتريوشكا» رسالة تدعو الناظر لأن يتجاوز القشرة الأولى للأشياء، وينصت لما تخبئه الأعماق، فهى دعوة لأن نعيد قراءة تفاصيل حياتنا، لا كأحداث عابرة، بل كأسرار تنتظر من يفتحها، تماما كدمية داخل دمية، وحكاية تفضى إلى حكاية... حتى نصل فى النهاية إلى جوهر صغير نقى يحمل الأمل. ◄ اقرأ أيضًا | الهند تعثر على ماسة «ماتريوشكا» النادرة في ولاية غوجارات وتستدعى الفنانة، عبر طبقات اللون والملمس والحفر، علاقات أيقونية تستحضر أثر الأيقونة القبطية، وعروسة المولد، والزخرفة الإسلامية، فى توليفة تشكيلية توظف التكرار والتماثل والتجريد البصرى بلغة خزفية ناضجة. ففى دمية بنت بحرى، تكشف الفنانة ريحان عن خلع الدمية الروسية زيها التقليدى، وتستبدل به الملاية اللف، ذلك الرداء الشعبى العريق الذى ارتبط بذاكرة نساء مصر، خاصة فى الإسكندرية، ويجسد العمل حالة من التهجين الثقافى الواعى، حيث تتلاقى الرموز الشرقية والغربية فى جسد خزفى واحد، ليعيد صياغة الهوية البصرية من خلال مفردات زخرفية مستوحاة من النسيج الشعبى، ورسوم الحناء، وتكوينات النقوش التراثية. أما فى دمية الأرض فيتجلى الامتداد الروحي للأيقونات القبطية، وبشكل خاص صورة السيدة العذراء، ولكن هذه المرة تنصهر تلك الهيئة المقدسة مع رمزية جديدة تمثل موقفا إنسانيا، هو القضية الفلسطينية حيث تظهر دمية «الماتريوشكا» فى هذا التكوين وقد اكتسبت هالةً خلفية مزخرفة تذكر بالهالة التقليدية التى تحيط بالقديسين فى الفن القبطى، بينما توشح جسدها بألوان العلم الفلسطينى الأخضر، والأسود، والأبيض، والقرمزى، لتصبح رمزا للهوية، والمقاومة، والصمود أما الوجه والجزء المحيط به فترك بلون الطين رمزا للأرض. وحولت ريحان دمية «الماتريوشكا» الروسية إلى «عروسة المولد» في رؤية مبتكرة للفنانة، تعيد من خلالها قراءة الرموز الثقافية بأسلوب معاصر، حيث حولت تفاصيلها الدقيقة إلى تكوينات لونية وزخرفية مستوحاة من التراث الشعبى المصرى، خصوصا عروسة المولد كرمز للفرحة والاحتفال الشعبى. تجلت البراعة فى تبسيط العناصر مثل زخارف الورق الملون، وألوان المولد الزاهية كالأصفر والأحمر والأزرق، كذلك يظهر حضور الهالة خلف الرأس للقديسة فى هيئة دمية «الماتريوشكا»، حيث تم تجريدها من تفاصيلها التقليدية لصالح حضور هادئ ومهيب، يجمع بين البعد الروحى والبصمة الزخرفية تتوسط الوجه الصامت المساحة العليا، بتعبير طفولى هادئ، أشبه بملامح القديسات فى الأيقونات القبطية، بينما تتوج الرأس هالة فنية مكونة من زخارف نباتية ذهبية، تعزز من قدسية الشكل ووقاره، أما الجسد فتحول إلى مساحة زخرفية خالصة، تنبض بنقوش دقيقة ذات طابع أرابيسكي، تماثل القماش المطرز أو الجداريات القديمة.