لم يكن يوم عادي، يمكن أن تقول إنه كان وثيقة اطمئنان، خارطة طريق، يوما للخلاص.. لكن المؤكد أن الثالث من يوليو كان استجابة للقدر.. اليوم الذي جاء في أعقاب ثورة شعبية عظيمة، ثورة على حكم جماعة إرهابية لم تكن ترى سوى مصلحتها ومصلحة الأهل والعشيرة، ثورة خرج شعبها ليقول «لا».. «لا» لحكم مرشد ضل الطريق وجماعة رغبت في السيطرة والانتشار في مفاصل الدولة عنوة وتحت ستار الدين، جماعة كان الإقصاء لديها أقرب من حبل الوريد، كانت الكراهية نهج والغطرسة أسلوب حياة.. خرجت جحافل الشعب عن بكرة أبيها لترفض إستمرار حكم الجماعة وهي تعي تماما أنها في مفترق طرق وأنها أمام ثور هائج يمكن أن يضحي بكل شيء من أجل بقائه ومن أجل استمراره، لكنها أيضا كانت تعلم أن للشعب جيشا يحميه، أن الرجال الأشداء الذين عاهدوا الله على حماية الأرض والعرض لن يتخلوا عنهم، كان الدعاء والرجاء أن يستمع الجيش لهتافاتهم واستغاثتهم.. «إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر»، هكذا قال أبوالقاسم الشابي وهكذا كان الحال.. كان الأمل في حكمة وعظمة الجيش الذي لم يكن يوما متغافلا أو غائبا عن المشهد كله، كان الرجال عند حسن الظن ولم يكن أحد يشك في ذلك فالتاريخ دائما يذكرنا أن الجيش المصري جيش الشعب وأن الشعب يثق في جيشه ويعرف أنه سوف يستجيب فكان بيان الثالث من يوليو، البيان الذي سوف يبقى في الذاكرة شاهدا على مبادئ الجيش وحكمته، اليوم الذي عادت فيه مصر لشعبها ولمكانتها التي تستحقها، المكانة التي تستحقها ويستحقها شعبها.. البيان الذى جاء فيه: «إن القوات المسلحة لم يكن في مقدورها أن تصم آذانها أو تغض بصرها عن حركة ونداء جماهير الشعب التي استدعت دورها الوطني، وليس دورها السياسي، على أن القوات المسلحة كانت هي بنفسها أول من أعلن ولا تزال وسوف تظل بعيدة عن العمل السياسي». ولقد استشعرت القوات المسلحة - انطلاقا من رؤيتها الثاقبة - أن الشعب الذي يدعوها لنصرته لا يدعوها لسلطة أو حكم، إنما يدعوها للخدمة العامة والحماية الضرورية لمطالب ثورته.. وتلك هي الرسالة التي تلقتها القوات المسلحة من كل حواضر مصر ومدنها وقراها، وقد استوعبت بدورها هذه الدعوة وفهمت مقصدها وقدرت ضرورتها واقتربت من المشهد السياسي، آملة وراغبة وملتزمة بكل حدود الواجب والمسؤولية والأمانة. وجاء فيه ايضا : « ولقد كان الأمل معقودا على وفاق وطني يضع خارطة مستقبل، ويوفر أسباب الثقة والطمأنينة والاستقرار لهذا الشعب بما يحقق طموحه ورجاءه، إلا أن خطاب مرسي قبل انتهاء مهلة ال48 ساعة، جاء بما لا يلبي ويتوافق مع مطالب جموع الشعب.. الأمر الذي استوجب من القوات المسلحة استنادا على مسؤوليتها الوطنية والتاريخية التشاور مع بعض رموز القوى الوطنية والسياسية والشباب ودون استبعاد أو إقصاء لأحد.. حيث اتفق المجتمعون على خارطة مستقبل تتضمن خطوات أولية تحقق بناء مجتمع مصري قوي ومتماسك لا يقصي أحدا من أبنائه وتياراته، وينهي حالة الصراع والانقسام، وتشتمل هذه الخارطة على «تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت، يؤدي رئيس المحكمة الدستورية العليا اليمين أمام الجمعية العامة للمحكمة، إجراء انتخابات رئاسية مبكرة على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية لحين انتخاب رئيس جديد، لرئيس المحكمة الدستورية العليا سلطة إصدار إعلانات دستورية خلال المرحلة الانتقالية، تشكيل حكومة كفاءات وطنية قوية وقادرة تتمتع بجميع الصلاحيات لإدارة المرحلة الحالية، تشكيل لجنة تضم كل الأطياف والخبرات لمراجعة التعديلات الدستورية المقترحة على الدستور الذي تم تعطيله مؤقتا، مناشدة المحكمة الدستورية العليا لسرعة إقرار مشروع قانون انتخابات مجلس النواب والبدء في إجراءات الإعداد للانتخابات البرلمانية، وضع ميثاق شرف إعلامي يكفل حرية الإعلام ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة وإعلاء المصلحة العليا للوطن، اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتمكين ودمج الشباب في مؤسسات الدولة ليكون شريكا في القرار كمساعدين للوزراء والمحافظين ومواقع السلطة التنفيذية المختلفة، تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات»..