قسم اللغة الصينية بألسن عين شمس يستعرض فرص العمل أمام طلابه في مؤتمر علمي    قفزة جديدة في أسعار النفط بالأسواق العالمية    بدء تنفيذ المرحلة الرابعة من مشروع «زهرة العاصمة» بمدينة بدر    مصر تبحث سبل تعزيز الحركة السياحية الوافدة من السوق الألماني    "فخ ألغام هرمز".. كيف تواجه أمريكا اضطراب إمداد النفط بالعالم؟    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره الكويتي مستجدات الأوضاع الإقليمية    رسائل قوية من السيسي.. الأمن العالمي مسؤولية مشتركة    تفاصيل اجتماع وزير الشباب والرياضة مع مجلس إدارة اتحاد التايكوندو    إحالة المتهمين بسرقة حقيبة أجنبي وبداخلها مبلغ مالي بالجيزة للمحاكمة    ضبط 7 متهمين في واقعة الاعتداء بأسلحة بيضاء على موظف بالإسكندرية    ضبط مصنع سناكس غير مرخص وكميات كبيرة من الأغذية الفاسدة بالغربية    أيمن الشيوي يشهد عرض «ابن الأصول» على مسرح ميامي    مصر اليوم في عيد.. كيف عّبرت الأغنية الوطنية عن تحرير سيناء؟    جيش الاحتلال يطلب من سكان جنوب لبنان عدم العودة إلى 59 قرية    محافظ شمال سيناء: التوطين والتنمية البشرية محور أساسي في استراتيجية الدولة بسيناء    هل يلحق المغربي بنتايج بلقاء الزمالك وإنبي ..مصدر يوضح    تعرف على أسعار البيض اليوم السبت 25 أبريل    «التخطيط» تشارك في منتدى تمويل التنمية التابع للأمم المتحدة بنيويورك    ذكرى تحرير سيناء.. احتفال برلماني بمناسبة وطنية أعادت الشموخ لمصر    مصرع سيدة وإصابة 4 آخرين في انقلاب سيارة على الطريق الصحراوي بسوهاج    غسل 140مليون جنيه.. التحقيق مع تشكيل عصابى بتهمة الاتجار في المخدرات    5 جرائم نصب.. الداخلية تكشف مخطط الاحتيال الإلكتروني في موسم الحج    حزب الوفد يواجه الحكومة بطلب إحاطة بسبب مناقشات القوانين    ذكرى تحرير سيناء.. برلمانيون: رسائل قوية في كلمة الرئيس السيسي للشعب المصري    الأربعاء.. مركز الثقافة السينمائية يعرض الفيلم النادر الطريق إلى الله بالمسرح الصغير بالأوبرا    طب قصر العيني: تنظيم ملتقى علمي مصري فرنسي لتعزيز التعاون في أمراض الكبد والجهاز الهضمي    نائب وزير الصحة تتفقد المنشآت الصحية بمحافظة البحيرة وتعقد اجتماعات موسعة    الصحة العالمية: ارتفاع حالات الملاريا بنسبة 112% والوفيات 154% منذ عام 2015    السيسي: ستظل سيناء رمزًا للصمود وبوابة للأمان وواحة للتنمية والبناء    السيدة انتصار السيسي: نفخر بتضحيات الأبطال في ذكرى تحرير سيناء    "تكافل وكرامة" يصل إلى أهالي سيناء، دعم نقدي ومشروعات تنموية لتحسين حياة آلاف الأسر    لا يوم نصفتينى ولا يوم عرفتينى.. شيرين عبد الوهاب تتصدر التريند بالحضن شوك    محافظ جنوب سيناء من دير سانت كاترين: أعمال التطوير تنفذ وفق رؤية متكاملة    ياسر جلال ينفى شائعة مرض ميرفت أمين: نزلة برد خفيفة ومتواجدة بمنزلها    من إيطاليا، زاهي حواس يبدأ حملة دولية لاستعادة 3 قطع أثرية مهمة موجودة بالخارج    تشكيل ليفربول المتوقع أمام كريستال بالاس في البريميرليج    مسؤول إيراني: مهمة عراقجي بباكستان لا تشمل الملف النووي    تصاعد المخاوف من الألغام فى مضيق هرمز وتأثيرها على إمدادات النفط العالمية    بمشاركة ممثلي 200 مستشفى.. «الصحة» تعقد اجتماعا لرفع كفاءة الخدمات الطبية    محافظ أسيوط يتفقد كوبري نجع سبع بعد تطويره ويعلن عن تحصين 134 ألف رأس ماشية    بث مباشر الأهلي يواجه ماتشيدا في نهائي دوري أبطال آسيا    رويز يواصل جولاته لتطوير الحكام.. ويعقد محاضرات فنية بمعسكر بورسعيد    في ذكرى تحرير سيناء.. مشروعات الري شريك أساسي في تنمية أرض الفيروز    السيسي: الحلول السياسية والمفاوضات السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيدا من الكوارث والدماء والدمار    العثور على جثة سيدة ملقاة على طريق بلبيس – العاشر من رمضان    مواعيد مباريات اليوم السبت 25 أبريل 2026 والقنوات الناقلة.. «مانشستر سيتي وليفربول وآرسنال»    محمود يس جونيور: مشهدي مع الطفلة الأصعب في "وننسى إللي كان"    أحمد حسن: جمهور الزمالك هو بطل الدوري هذا الموسم    لأول مرة منذ 20 عاما.. انطلاق الاقتراع في انتخابات الهيئات المحلية الفلسطينية    بريطانيا تدرس إجراء محادثات مع طالبان لترحيل طالبي اللجوء المرفوضين    اليوم.. طقس حار على اغلب الأنحاء نهارا ورياح مثيرة للرمال والعظمي بالقاهرة 32 درجة    مشروبات عشبية تحمي من الصداع    مبابي | الغزال الفرنسي يُكمل مباراته رقم 100 مع ريال مدريد    «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ»    خطبة الجمعة من مسجد المشير: تحرير سيناء ملحمة وطن وعقيدة لا تُنسى    بسم الله أرقيك يا وطنى    مختار جمعة: إحياء النفس لا يقتصر على الحياة المادية بل يشمل كل صور الحماية والرعاية    دعاء يوم الجمعة لنفسي وأهلي وأحبتي في ساعة الاستجابة المباركة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المفتي: رمضان مدرسة إيمانية تربي الإنسان على الصبر والتسامح
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 18 - 03 - 2025

أكَّد فضيلة الدكتور نظير عياد -مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم- أن العفو عند المقدرة والتسامح من الأخلاق الفاضلة التي دعا إليها الإسلام، والتي ينبغي على المسلمين التحلي بها، لا سيما في هذا الشهر الكريم الذي يعد مدرسة إيمانية تُهذب النفوس وترتقي بها إلى مقامات العارفين.
جاء ذلك خلال لقائه الرمضاني اليومي مع الإعلامي حمدي رزق، في برنامج "اسأل المفتي" الذي يُذاع على فضائية "صدى البلد"، حيث تناول فضيلته الحديث عن خُلق العفو والتسامح وأهميته في بناء المجتمع، ودوره في تقوية العلاقات الإنسانية، مستشهدًا بما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من نصوص وأحاديث تؤكد هذا الخلق العظيم.
وأشار فضيلته إلى أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بالعفو والتسامح، وجعل ذلك من صفات المتقين، كما جاء في قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، مشيرًا إلى أن هذه الآية توضح بجلاء أن العفو والتسامح من صفات المتقين الذين أعد الله لهم الجنة، وهو ما كان يحرص الصحابة والسلف الصالح على التحلي به في حياتهم.
وفي سياق حديثه، استشهد فضيلة المفتي بقصة أحد الصحابة عندما كانت جاريته تصب له الماء، فسقط الإبريق من يدها فشج رأسه، فنظرت إليه وقالت: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}، فقال: "كظمت غيظي"، فقالت: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، فقال: "عفوت عنكِ"، فقالت: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، فقال: "اذهبي فأنتِ حرة لوجه الله تعالى"، لافتًا الانتباه إلى أن هذه القصة تبرز كيف كان الصحابة يطبقون هذه القيم النبيلة في حياتهم، وكيف كان العفو لديهم جزءًا لا يتجزأ من أخلاقهم.
وتابع فضيلة المفتي موضحًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤكد دائمًا على ضرورة التعامل مع الناس بظاهرهم دون الدخول في نيَّاتهم أو الحكم عليهم بغير دليل، مشيرًا إلى القصة التي حدثت مع الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، حينما همَّ بقتل رجل في إحدى الغزوات بعد أن نطق بالشهادتين، فقتله ظنًّا منه أنه قالها خوفًا من السيف، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك غضب وعاتب خالدًا عتابًا شديدًا، وقال له: "هلَّا شققت عن قلبه؟" مؤكدًا أن هذه القصة تعلمنا أن الأصل في الناس هو البراءة، وأن الحكم على النيات أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
وعن دور الصيام في تهذيب النفس والارتقاء بها إلى مقامات العارفين، أكد فضيلة المفتي أن شهر رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تربي الإنسان على الأخلاق الحميدة، وتعلمه الصبر، والتحكم في الغضب، والبعد عن الضغائن والأحقاد، لافتًا النظر إلى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤكد على أهمية الصبر والتسامح في هذا الشهر المبارك، حيث قال: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم، إني صائم"، مشددًا على أن هذه العبادة تزرع في الإنسان القدرة على التحمل والتسامح والعفو، وتبعده عن كل ما يثير الغضب أو يؤجج الكراهية بين الناس.
وأوضح فضيلة المفتي أن الغضب إذا لم يُتحكم فيه قد يكون سببًا في كثير من المشاكل والعداوات، مشيرًا إلى أن الله سبحانه وتعالى يغضب لعباده ويغضب لدينه، لكنه مع ذلك رحيم بعباده، فقد قال في كتابه العزيز: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، وهذا يدل على أن رحمة الله تسبق غضبه، كما أن الإنسان قد يظن أن الابتلاء الذي يمر به هو عقوبة من الله، بينما هو في الحقيقة قد يكون ترقية ورفعة لشأنه عند الله، أو تنقية من الذنوب والخطايا، أو اختبارًا لصبره وإيمانه، كما جاء في قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.
وشدد فضيلة المفتي على ضرورة أن يستفيد المسلمون من دروس هذا الشهر الكريم، وأن يجعلوا العفو والتسامح نهجًا دائمًا في حياتهم، وأن يتحلوا بالصبر والتحمل، وأن يدركوا أن ما يمرون به من ابتلاءات قد يكون خيرًا لهم، داعيًا الله أن يجعل هذا الشهر شهر رحمة ومغفرة، وأن يرزق الأمة الإسلامية التراحم والتسامح، وأن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح.
وأشار فضيلة المفتي إلى أن العفو والتسامح ليس مجرد تصرف أو سلوك فردي، بل هو منهج حياة يجب أن يسود بين الناس، لأن التسامح والعفو عند المقدرة من شيم أصحاب النفوس الكبيرة والقلوب الطاهرة، وهو خلق الأنبياء والصالحين، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا فريدًا في العفو والتسامح، حتى مع أعدائه، حيث دخل قلوبهم بهذا السلوك العظيم قبل أن يدخلها بكلماته، مؤكدًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلجأ إلى العنف أو القسوة في دعوته، بل كان العفو والتسامح أحد مفاتيحه الأساسية التي فتح بها قلوب الناس.
وضرب فضيلة المفتي مثالًا بواحد من أعظم المواقف التي تجلى فيها العفو عند المقدرة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في خطبة الوداع، حيث كان من بين الحضور رجل يسمى فضالة، كان من أشد الناس بُغْضًا للنبي صلى الله عليه وسلم. وعلى الرغم من أن النبي كان واقفًا وسط أكثر من مائة ألف من أصحابه ومحبيه، فإن فضالة بيَّت النية لاغتياله، فلم يكن يعنيه المآل ولا النتيجة، وكان كل ما يريده أن يذكره التاريخ بأنه قتل محمدًا صلى الله عليه وسلم.
وتابع فضيلته قائلًا: إن فضالة أخفى خنجرًا في قطعة قماش ووضعه تحت إبطه، ثم أخذ يتسلل بين الصفوف حتى اقترب من النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا التفت إليه النبي وقال له: "أنت فضالة؟" قال: "بلى"، فرفع النبي يده الشريفة ووضعها على صدره، ثم قال له: "اتقِ الله يا فضالة"، يقول فضالة رضي الله عنه: "فوالذي نفسي بيده، ما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده إلا وتحول ما بداخلي من حقد وكراهية إلى محبة ووفاء"، ثم أعلن إسلامه قائلًا: "يا محمد، والذي بعثك بالحق، لقد كنت من أبغض الناس إلى نفسي، وكان هذا الدين من أبغض الأديان إلى صدري، أما الآن، فأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله".
وأكد فضيلة المفتي أن هذا الموقف يعكس عظمة خُلق النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أنه لم يتعامل مع فضالة برد فعل عنيف، رغم أنه كان يعلم ما كان ينويه، وكان بإمكانه أن يشير إلى أحد أصحابه ليوقفه فورًا، لكنه صلى الله عليه وسلم اختار طريق الرحمة والعفو، ليكون نموذجًا عمليًّا في التسامح، يشهد بعظيم أخلاقه وسمو فضله.
وأوضح مفتي الجمهورية أن من أعظم المواقف التي تجلى فيها خلق العفو عند المقدرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، موقفه أثناء فتح مكة، حين عاد إليها بعد أن أُخرج منها مُكرهًا، وبعد أن تعرض فيها للإيذاء في نفسه وبدنه وأهله، ورغم ذلك لم يكن انتقامه من أولئك الذين أساؤوا إليه هدفه أو غايته، بل اختار العفو والتسامح، ليقدم بذلك درسًا عمليًّا في تطبيق قول الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.
وأضاف فضيلة المفتي: "أتوقف عند هذه الحادثة العظيمة وأتأمل الإعلان العام الذي أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم حينما خاطب أهل مكة قائلًا: ما تظنون أني فاعل بكم؟، فقالوا: أخٌ كريمٌ، وابنُ أخٍ كريمٌ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. هذه الكلمات لم تكن مجرد إعلان عفو، لكنها كانت إعلانًا عن ميلاد جديد لمكة، مبنيٍّ على الرحمة، وليس على الانتقام، بل حتى عندما قال بعض الصحابة: اليوم يوم الملحمة! رد النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: بل اليوم يوم المرحمة! ليؤكد أن منهج الإسلام هو الرحمة حتى مع الأعداء عند القدرة عليهم".
وأشار فضيلة المفتي إلى أن هناك مواقف أخرى تجسد هذا العفو العظيم، ومنها قصة الصحابي عكرمة بن أبي جهل، الذي كان شديد العداء للنبي صلى الله عليه وسلم حتى أهدر النبي دمه، لكنه ما إن علم بقدومه، حتى قرر الهرب، وركب فرسه حتى وصل إلى البحر، ووقف مترددًا بين أن يلقي بنفسه في الماء أو يواجه مصيره، وكان في أشد حالات الكراهية للنبي.
وتابع فضيلة المفتي: "إلا أن زوجته، التي دخلت الإسلام، طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم العفو عنه، فنزل النبي عند طلبها، ولم يكتفِ بذلك، بل أعطاها علامة تدل على عفوه، وأذن لها أن تذهب لإحضاره، فأخذت عمامة النبي صلى الله عليه وسلم وانطلقت خلفه، حتى وجدته وأخبرته أن النبي قد عفا عنه، فلم يصدق، فسألها: ومن يدل على ذلك؟ فأخرجت العمامة، فكان ذلك دليله ليعود معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وما إن رآه النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام من مجلسه، واستقبله بوجه طلق وبترحيب حار، وقال له: مرحبًا بالفارس المهاجر! فوقف عكرمة وكأنه أصابه الذهول، وقال: يا محمد، والذي بعثك بالحق، لقد كنت من أبغض الناس إلى نفسي، وكان دينك من أبغض الأديان إلى صدري، أما الآن، فأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.
وأضاف فضيلته: "انظروا إلى هذا العفو، كيف حول عكرمة، الذي كان يُعرف بابن فرعون هذه الأمة، إلى واحد من كتَّاب الوحي الذين نقلوا كلام الله تعالى إلى الأمة، فهذه هي عظمة التسامح الذي يعلمنا إياه الإسلام، وهذا هو التطبيق العملي لما أمر الله به من العفو عند المقدرة، الذي يجب أن يكون منهجًا لحياتنا جميعًا".
في ختام الحلقة، أجاب فضيلة مفتي الجمهورية، عن عدد من أسئلة المشاهدين من بينها سؤال حول عادة زيارة القبور بعد صلاة العيد، حيث قال: "ربما يرى البعض أن زيارة القبور في هذا اليوم الذي هو يوم فرح وسرور لا تتناسب مع مقصود العيد، لكن من الناحية الشرعية لا يوجد مانع من هذه الزيارة، فهي جائزة ولا حرج فيها. فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فجاء الإذن النبوي بها من باب الصلة بالموتى، ومن باب العظة والاعتبار.
أما النهي الذي ورد عن بعض العلماء بشأن الزيارة في يوم العيد، فكان من باب الخشية من استحضار الحزن في يومٍ شرعه الله تعالى للفرح والتوسعة والتهنئة، مصداقًا لقوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]. ومع ذلك، فإن زيارة القبور في هذا اليوم تظل من الأمور المباحة شرعًا، ولا مانع منها ما دامت تتم وَفْق الضوابط الشرعية".
وفي سياق متصل، ورد سؤال حول جواز زيارة المرأة للقبور، فأجاب فضيلة المفتي: "يجوز للمرأة كما يجوز للرجل أن يزور القبور، شريطة الالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية، ولا حرج في ذلك. فكما أن الرجل بحاجة إلى العظة والاعتبار، فإن المرأة تشاركه في ذلك. ومن هنا، فإن زيارة المرأة للقبور ليست محرمة متى كان المقصد مشروعًا، والغاية معتبرة، ولم تخرج عن الإطار الذي حدده الشرع في هذا الشأن".
وحول ما إذا كانت هناك آداب معينة ينبغي مراعاتها عند زيارة القبور، أوضح فضيلة المفتي أن هناك آداب شرعية ينبغي الالتزام بها عند زيارة القبور، أولها الدخول إلى المقابر بسكينة ووقار، ثم البدء بالسلام، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يقول عند زيارة القبور: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، ثم بعد ذلك يستحب الدعاء للموتى والاستغفار لهم. كما ينبغي عند الزيارة استحضار الخشية والخضوع لله، وتذكر حقيقة الدنيا وزوالها، والتأمل في حال أهل القبور. ثم عند المغادرة يكون الخروج بنفس السكينة والهدوء، دون ضجيج أو نياحة، فكل هذه من الآداب التي ينبغي على المسلم أن يحرص عليها عند زيارة المقابر.
وفيما يتعلق بحكم إجبار الزوجة على التنازل عن قائمة المنقولات الزوجية عند الطلاق، قال فضيلة المفتي: "هذه المسألة تحتاج إلى نظر دقيق، فالإجبار والإكراه على التنازل عن حقٍّ مالي يعدُّ ظلمًا محرمًا شرعًا، وقد نهى الله تعالى عن الظلم وذمَّه في مواضع كثيرة من كتابه العزيز. ومن هنا نقول إن الإكراه في هذا الأمر خروج عن مراد الله تعالى، ولا يجوز شرعًا".
وعند سؤاله عن وضع قائمة المنقولات الزوجية في ميزان الحقوق، أجاب فضيلة المفتي: "نعم، قائمة المنقولات الزوجية من حقوق الزوجة، لكنها تدخل ضمن الأعراف والتقاليد السائدة في كل مجتمع، والعرف كما هو معلوم من مصادر التشريع الإسلامي. فما جرى عليه العرف من اعتبار المنقولات الزوجية حقًّا للزوجة يكون معتبرًا شرعًا؛ لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. ولا يجوز الخروج على ذلك إلا إذا تم الاتفاق بين الطرفين على خلاف ذلك، أو إذا كان هناك تنظيم قانوني واضح يحدد كيفية التعامل مع هذه المنقولات بشكل يرضي جميع الأطراف".
وفي معرض إجابته عن سؤال حول تفسير معنى الأمانة في هذه الآية الكريمة، قال فضيلة المفتي: "الأمانة في هذه الآية الكريمة تشير إلى أمانة التكليف الشرعي، والتي تشمل جميع التكاليف الدينية التي كُلف بها الإنسان. ويُراد بها أيضًا العقل؛ لأنه هو المدرك لهذه التكاليف الشرعية، ومن ثم أمرنا الله تعالى بالمحافظة عليه، لأنه مناط الإدراك والتكليف. ولعظمة هذه المسؤولية، عرضها الله تعالى على السموات والأرض والجبال، لكنها أبت أن تحملها وأشفقت منها، لما فيها من تكليف ثقيل وأمانة عظيمة، فحملها الإنسان، وكان أهلًا لها بموجب التكليف الذي ارتضاه الله له".
وأضاف فضيلته: "إن تكليف الإنسان بهذه الأمانة جعله سيدًا في هذا العالم، ومسؤولًا عن عمارة الأرض، كما قال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]. وهذه الخلافة تقتضي أن يكون الإنسان وفيًّا بمتطلباتها، سواء في الأفعال أو الأقوال، أو حتى في العلاقات مع الآخرين. فالأمانة لا تقتصر على حفظ الأموال والحقوق فقط، بل تشمل أمانة العبادة، وأمانة الكلمة، وأمانة السلوك، وأمانة الإحسان، بحيث تمتد إلى جميع جوانب الحياة. وأي تقصير من الإنسان في هذه المسؤوليات يعد إخلالًا بالأمانة التي أمره الله بحملها، ولذلك كان الواجب على كل إنسان أن يؤدي الأمانة بمقتضى العقل والتكليف الذي فضَّله الله به على كثير من مخلوقاته".
وختم فضيلة المفتي إجاباته مؤكدًا أن الإسلام دين يقوم على العدل والرحمة والتكليف المسؤول، وأن مراعاة الضوابط الشرعية في العادات والتقاليد، وحفظ الحقوق، وتأدية الأمانات، كلها من القيم الأساسية التي ينبغي على المسلم أن يحرص عليها في حياته اليومية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.