لا أظن أبدا أن الرئيس التركي كان ليجرؤ علي مهاجمة الطائرة الروسية حتي وان تعمقت بداخل الأراضي التركية وليس فقط اختراق الحدود, دون أن يحصل علي الضوء الأخضر ومباركة أمريكا علي ذلك, فالبدائل كثيرة للتعامل مع الطائرة الروسية بدلا من إسقاطها وقتل أحد طياريها, وفي ذات الوقت لا نظن أن الدب الروسي يقبل في هذه المرحلة السياسية المهمة بالنسبة له, وهو يحاول إعادة أمجاده الغابرة وإثبات وجوده كلاعب رئيسي في المحفل الدولي, لا أظن أبدا انه يقبل بتلك الإهانة العلنية والدولية ببساطة, دون أن يرد عليها بعمل عسكري ما يحفظ له ماء وجهه, وأصبح كلاهما في خيار صعب, فتركيا عضو في حلف الناتو البالغ عدد دوله28 دولة تضم كبريات القوي العظمي في العالم الغربي وينص ميثاقه علي أن الاعتداء علي دولة فيه بمثابة اعتداء علي كل الدول الأعضاء, وهي تطمع في الانضمام للاتحاد الأوروبي, وعلي الرغم من أن الكرملين قد استبعد العمل العسكري مؤقتا من جانبه وأعلن اكتفاءه بالاعتذار الرسمي التركي عن هذا العمل, ثم توالت عقوبات روسيا الاقتصادية ضد الأتراك ممثلة في فرضتأشيراتعلي دخولهم موسكو.. وتشديد الرقابة الجمركية علي بضائعهم..وحظر جلب يد عاملة منهم.. وإلزام مكاتب السياحة بمنع بيع تذاكر سفر لتركيا.. والامتناع عن تنظيم رحلات إليها بداية من مطلع العام المقبل.. وذلك بهدف ضمان الأمن القومي وأمن المواطنين الروس حسب تعبيرات الكرملين. تتسول أنقرة الصلح مع موسكو بأي طريقة, مع ازدياد تعنت الأخيرة في موقفها الرافض لاي وسيلة لا تحفظ لها كرامتها, حتي إن بوتين رفض لقاء اردوغان بمؤتمر المناخ الدولي, علي الرغم من تقديم أردوغان طلبا رسميا بذلك, وبالفعل انتهي المؤتمر دون أي لقاء بينهما. تصر موسكو علي موقفها من أن أنقرة كانت تعلم مسبقا هوية الطائرة الحربية, وذلك عكس ما تدعيه أنقرة, وقد أسقطتها في سياق رعيها لإرهاب داعش وتقديم المساعدات بأنواعها المختلفة لهذا التنظيم الإرهابي, كما تقوم أيضا بشراء البترول المسروق والمهرب من سوريا والعراق منه, وقد عرض بوتين شريطا مصورا التقطته الأقمار الصناعية الروسية يثبت ذلك. الأزمة لا تزال ساخنة بين الطرفين حتي وإن حصلت أنقرة علي الدعم السياسي من قبل الناتو, وينتظر اردوغان ان يحصل علي مكافأته علي هذا العمل الجنوني بموافقة الاتحاد الأوروبي علي انضمام تركيا الكامل فيه, وقد قام حلف الناتو بتعويض تركيا عن بعض الخسائر المادية التي أوقعتها موسكو عليه, ولكن إلي متي, وهل ستسمح روسيا بانتصار السلاح الأمريكي علي السلاح الروسي وخاصة بعد أن لاقي رواجا بسوق السلاح العالمي وبدأ في إزاحة السلاح الغربي عنه, تستورد تركيا60% من بترولها من روسيا, فهل تعوضه السوق الأوروبية عنه وخاصة ان الأخيرة من أكبر مستوردي البترول بالعالم؟ وتزداد الأزمة تعقيدا مع توالي ظهور معلومات تربط تركيا بإسقاط طائرة الركاب الروسية بسيناء والقادمة من شرم الشيخ, والأيام المقبلة ستثبت ذلك, فقد عاد الطيران السياحي الروسي وأيضا الطيران البريطاني إليها, فهل ستصمد تركيا؟ وهل ستكتفي روسيا؟ المؤكد اننا سنشهد أياما أكثر اشتعالا بين كلا الطرفين.