لا أحد ينكر أن هناك أسبابا مباشرة وغير مباشرة لقيام الثورات في بلد من البلدان, وقد تستغل الأسباب المباشرة كالأوضاع السياسة والاقتصادية والاجتماعية المتردية لكي تكون بمثابة فتيل القنبلة الذي يستغل التدخل الخارجي في إشعاله لتحقيق أهدافه. ويتركز البحث هنا عن التدخلات الخارجية ثورات العالم وتحديدا ما عرف باسم الثورات الملونة وثورات الربيع العربي لأنها الأقرب تاريخيا والأكثر تأثيرا في واقعنا المعاصر. وباعتبار الغرب وفي القلب منه الولاياتالمتحدة القوة الفاعلة الأكبر, نجد أن السياسة الأمريكية تعمل بأفكار حاكمة يطلق عليها عقائد, أهمها عقيدة بريجنسكي وفكرتها الأساسية أنها سياسة عدائية تمنع ظهور أي أمة أخري تنافس الولاياتالمتحدة ومحيطها منطقة أورو-آسيا والثانية عقيدة وولفيتز وهي عبارة عن فلسفة غير أخلاقية تؤسس لاستمرار الهيمنة الأمريكية بأية تكلفة ومحيطها الشرق الأوسط وإفريقيا. وقد استخدمت هاتان العقيدتان للتعامل مع أزمات العالم لاستمرار السيطرة الأمريكية وبجوارها الأوربية- المالية والعسكرية- من خلال مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية التي أنشئت في أعقاب اتفاقية بريتون وودز مثل حلف الناتو الذي يضم28 دولة بنفقات وصلت إلي تريليون دولار في العام الواحد ثم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وأخيرا منظمة الجات كأذرع اقتصادية, وكذلك سلاح المعونات الخارجية ومنظمات حقوق الإنسان والشركات المتعددة الجنسيات ورأس الحربة في ذلك سلاح الإعلام بأدواته القديم منها والحديث. غلف كل ما سبق بأفكار هنري كيسنجر التي كشف عنها مؤخرا في كتبه وآخرها النظام العالمي الذي صدر نهاية الصيف الماضي, وأفكاره تتركز في إضفاء ما يطلق عليه منظومة القيم حيث رأي كيسنجر أنه لإيجاد توازن قوي دولي تهيمن عليه الولاياتالمتحدة والغرب يجب نشر منظومة قيم يشترك فيها الجميع مما يترتب علي ذلك فرض السيادة عمليا ومن ثم انضباط النظام العالمي, بلغة أخري, يميل كيسنجر إلي العمل علي بناء بنية نظام عالمي تسود فيها القيم المشتركة القائمة علي التعاون والديمقراطية والحرية, أي طرح نموذج ذي سلم قيمي واحد للانضواء, والدخول في تلك المظلة يعني الحصول علي الشرعية الدولية. روسيا والثورات الملونة كان الروس يقرءون سياسة الأمريكيين والغربيين جيدا فكشفت صحيفة البرافدا الروسية في2012/10/18 حيث ذكرت علي لسان يفجيني فيدوروف عضو البرلمان الروسي أن واشنطن تستثمر أزمات العالم لفرض هيمنتها من خلال التدخل في كل الصراعات المحلية وفي وقت واحد بحجة الحرب علي الإرهاب وهي في الواقع تغذي التطرف والإرهاب لإثارة عدم الاستقرار في العالم والتدخل فيه لصالحها. يفجيني دلل علي صحة حديثه بأن الولاياتالمتحدة مولت جميع حركات التمرد والإرهاب سواء كانت حليفة لها أو غير حليفة فعلي سبيل المثال خفض الأمريكيون تصنيف اليونان الاقتصادي وأشعلوا أزمة اليورو وبخلاف الوضع في سوريا والعراق وليبيا واليمن, فمصر لم تكن عدوة لأمريكا لكن التمويل الضخم الذي غذته واشنطن, جعل أكثر الجماعات تطرفا تعتلي سدة الحكم في مصر. وقد كشف أدينكا ماكيند, المحاضر القانوني والمتخصص في شئون الأمن والاستخبارات في2014/9/11 في لقاء مع صوت روسيا نشرته وكالة سبوتنيك نيوز عن كيفية استخدام واشنطن للناتو والمؤسسات الدولية الأخري لفرض هيمنة الولاياتالمتحدة المالية والاقتصادية علي العالم عند المقارنة بين ما حدث في أوكرانيا وليبيا؟ في روسيا وطبقا ل أنتوني ساتون المؤرخ والاقتصادي العالمي, فإن وول ستريت تورطت في تمويل وصول البلاشفة للسلطة, بفكرة أن تجهيز الوضع الاجتماعي لمجيئهم للسلطة قد يخلص الغرب من قدرة روسيا علي المنافسة الاقتصادية ووضعها كسوق محاط بأسوار ومستعمرة تجريبية لاستغلالها من قبل بعض كبار الممولين الأمريكيين والشركات الكبري لوضعها تحت السيطرة. أوكرانيا نموذجا مثلت كييف نقطة محورية في عقيدة بريجنسكي بسبب روابطها الثقافية والاقتصادية مع موسكو علاوة علي أهميتها الجيواستراتيجية ومما يؤكد ذلك أنه في فبراير2014, اعترفت مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشئون الأوروبية والأوروأسيوية, فيكتوريا نولاند صراحة بأن الولاياتالمتحدة قد أنفقت5 مليارات دولار علي مدار عقدين ماضيين في هذه المحاولة بحجة نشر الديمقراطية وتمويل الانتخابات. وفي مقاله الذي نشر في موقع مركز جلوبال ريسرش الكندي في2014/9/4, قال أدينكا ماكيند ان هذه المليارات الخمسة أنفقت من خلال منظمات حقوقية هي منظمة ألبرت أينشتان وفريدم هاوس ومنظمات أخري تعمل بتعليمات منظمة أكبر هي منظمة الوقف القومي للديمقراطية وهي منظمة متشعبة دورها يمكن شرحه باختصار علي أنه تسهيل التدمير السياسي للحكومات الأجنبية التي لا تتماشي مع إملاءات السياسة الأمريكية, وقد بدأت الأزمة الحالية في أوكرانيا عندما رفض الاتحاد الأوروبي كلية وصراحة العرض الاقتصادي الروسي لأوكرانيا والذي تضمن صفقة روسية أوروبية أمريكية, حيث شن الغرب حملة سياسية وإعلامية واقتصادية ضخمة ضد روسيا ما زالت مستمرة حتي اليوم.