يرفع المسلمون أيديهم إلي الله تعالي يدعونه ويسألونه في مناسبات كثيرة, فيستجاب لبعضهم, ويرد آخرون, ويجهل كثيرون آداب الدعاء, وأسراره, وأحكامه, فيسخط بعضهم حين لا يري إجابة ظاهرة لدعائه, ويستبطئ البعض الآخر الإجابة ويقول: دعوت فلم يستجب لي, فيترك الدعاء, وقد يجهل الإنسان أوقات الإجابة, أو صيغ الدعاء أو شروط القبول, فيفوته بذلك خير كثير, فيقع في قلبه اليأس والقنوت, فيترك الدعاء ويفتح له الشيطان أبوابا واسعة من الوسوسة. ومن فضل الدعاء أنه يدفع المكروه قال تعالي:( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) البقرة:186 ويقول رسول الله صلي الله عليه وسلم: الدعاء هو العبادة( سنن الترمذي(456/5), صحيح), لأن الدعاء تعبير عن الحاجة إلي الله والافتقار إليه, وهذا هو سر العبودية. ومن أهم الأسباب التي لا يستجاب فيها الدعاء أن يكون الدعاء لا يحبه الله كإثم أو قطيعة رحم, وأن يكون الإنسان منا ضعيف الثقة بالإجابة, أو إنه كثير فعل الذنوب والمعاصي, أو يأكل الحرام فقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ثم ذكر يعني رسول الله صلي الله عليه وسلم: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلي السماء يارب يارب, ومطعمه حرام, ومشربه حرام, وملبسه حرام, وغذي بالحرام, فإني يستجاب لذلك. ومن الآفات التي تمنع إجابة الدعاء أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة ويترك الدعاء, فيكون كمن بذر بذرا, ثم سقاه ورعاه, ثم استبطأه فذهب وتركه. وروي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم إنه قال: يستجاب لأحدكم مالم يعجل, يقول: دعوت فلم يستجب لي. وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب والاستقامة علي أمر الله, وصادف أحد أوقات الإجابة وهي: الثلث الأخير من الليل, وعند الأذان, وبين الأذان والإقامة, وعقب الصلوات المكتوبات, وعند صعود الإمام يوم الجمعة علي المنبر حتي تقضي الصلاة, وآخر ساعة من بعد العصر من ذلك اليوم أي يوم الجمعة, وكان معه خشوع في القلب, وانكسار بين يدي الله, وذل له وتضرع ورقة, واستقبل الداعي القبلة, وكان علي طهارة, ورفع يديه إلي الله, وبدأ بحمد الله والثناء عليه, ثم ثني بالصلاة علي عبده ورسوله محمد صلي الله عليه وسلم, ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار, ثم شرع في الدعاء وألح علي الله في المسألة, ودعاه رغبة ورهبة, وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده, وقدم بين يدي دعائه صدقة, فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا بإذن الله, ولاسيما إن صادف الأدعية التي أخبر بها النبي صلي الله عليه وسلم أنها متضمنة الإجابة, أو أنها متضمنة للاسم الأعظم. إن أعظم ما يكون الانسان محتاجا ومفتقرا إلي رعاية ربه حين يخوض ميدان الدعوة الي الله, يصارع الباطل وينشر الحق وهي مهمة أعظم من أن يدخلها الانسان بقدرته الجسدية وأدواته العلمية والعقلية, فيتجه الداعية بعد بذل الأسباب, يطرق باب ربه في كل حين وفي كل نازلة أو موقف حرج يناجي فيه ربه, بقلب معلق به وحده, وقد كان سيد الدعاة ولمرسلين نبينا محمد صلي الله عليه وسلم كثير اللجوء الي ربه, فإذا حزبه أمر فزع صلي الله عليه وسلم الي الصلاة, وقد ناجي ربه في موقف عصيب يوم رده أهل الطائف وألجؤوه الي بستان بعد أن أدموا قدميه الشريفتين بالحجارة, فسأل ربه بذل وافتقار الي المولي الجبار, وهو في نفس الوقت استعلاء علي البشر قال: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي, وقلة حيلتي, وهواني علي الناس, يا أرحم الراحمين أنت ربي,, أنت رب المستضعفين وأنت ربي, إلي من تكلني؟ إلي بعيد يتجهمني؟ أم إلي عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي, لكن عافيتك أوسع لي, أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات, وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك, أو يحل علي شخطك, لك العتبي حتي ترضي, ولا حول ولا قوة إلا بك هذا دعاء الرسول صلي الله عليه وسلم أحب الناس إلي رب العالمين, أليس غيره من أتباعه من المسلمين أحوج إلي هذا الافتقار والضراعة في الالتجاء الي الله؟!