أسعار الأسماك والخضروات والدواجن اليوم 9 يناير    الحكومة السورية تعلن وقفا لإطلاق النار بعد اشتباكات في حلب    رامي إمام يتغزل في محمد سعد والفنان يعلق: اتبسطت بالشغل معاك يا حبيبي يا وش الخير (فيديو)    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    زيلينسكي يحذر من هجمات روسية كبرى مع بدء موجة برد قارس    احذروا، بيان عاجل من الأرصاد بشأن تحركات الأمطار والرياح على محافظات مصر    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    طريقة عمل بطاطس مهروسة، محشية بالخضار ومخبوزة في الفرن    الإسكان تتابع الموقف التنفيذى لمشروعات حياة كريمة لتطوير قرى الريف    الأوقاف: أكثر من 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام في السنوات العشر الماضية    شعبة الدخان: زيادة أسعار السجائر مفتعلة.. والمعروض أكثر من الطلب نتيجة تراجع القوة الشرائية    تفاصيل عرض الاتحاد السكندرى لضم أفشة من الأهلي قبل إعلان الصفقة خلال ساعات    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    نتيجة مباراة المغرب والكاميرون.. بث مباشر الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    الرئيسة المؤقتة لفنزويلا: تشكيل لجنة لإعادة مادورو وزوجته إلى البلاد    رئيس المتحف الكبير: مواقع مزورة لبيع التذاكر خارج مصر تهدد بيانات البطاقات    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك إلى أكثر من 5.7 مليون جنيه    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    فعاليات موسم الرياض الترفيهي 2025 تجذب 12 مليون زائر منذ انطلاقه    محافظ القليوبية يوجّه بفحص موقف التلوث الناتج عن مصانع الريش بأبو زعبل    خلاف على ركنة سيارة ينتهي بالموت.. إحالة عاطل للمفتي بتهمة القتل بالخصوص    مواعيد القطارات من القاهرة إلى سوهاج وأسعار التذاكر    ضبط مطعمين فى بنها بالقليوبية لحيازتهم دواجن ولحوم مجهولة المصدر    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تاجر خضروات يطلق النار على موظف بمركز لعلاج الإدمان فى مدينة 6 أكتوبر    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    14شهيدا بينهم 5 أطفال في قصف صهيونى على غزة .. و حصيلة العدوان إلى 71,395    الكاميرون لا تخسر أمام أصحاب الأرض منذ 2000 فى الكان.. هل يكون المغرب الاستثناء؟    دبلوماسي إيراني: طهران ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    جوتيريش: المنظومة الأممية ستواصل عملها رغم قرار الولايات المتحدة الانسحاب    الأوقاف: 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام    فيفا يبث كواليس كأس العالم عبر منصة تيك توك    كرة يد - منتخب مصر يتعادل وديا مع البرتغال استعدادا لبطولة إفريقيا    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ننشر نص كلمة مفتي الديار المصرية في مؤتمر الإفتاء العالمي الثالث
نشر في بوابة الأهرام يوم 17 - 10 - 2017

قال الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية: إن مسألة تغيير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال، والتي تُعد من أكبر القضايا التي يمكن أن تطرح في هذه الأوقات، فإن تغيير اجتهاد المجتهد أو المفتي بتغير ظروف وأحوال الواقع أو المستفتي من الأمور التي يجب أن يؤخذ بها، لأن تغييره هذا يأتي من المنهجية العلمية الصحيحة التي يُصدِرُ من خلالها فتواه، فهو يراعى تغيُّرَ العرف وتجدد العادات التي تقتضي تجدد الأحكام ومعه تتغير الفتاوى، وكذلك يراعي تغير الزَّمان والمكان، فالفتوى تختلف من بلد لآخر ومن وقت لآخر.
وتابع أن الفتوى الشاذة وغير المنضبطة لا تقل في خطورتها عن القنابل العنقودية في انتشار تدميرها وهدمها للمجتمعات، لأنه إذا لم تكن وفق الضوابط الشرعية أو متناغمة مع الرحمة الشرعية المنشودة ستكون مشكلة بلا شك وتُحدث بلبلة وإرباكًا للمجتمع.
يذكر أن دار الإفتاء عبر الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم ستعقد مؤتمرها العالمي الثالث أيام 17 19 أكتوبر الجاري في القاهرة بحضور وفود من 63 دولة حول العالم، تحت عنوان "دور الفتوى في استقرار المجتمعات".
وتنشر" بوابة الأهرام " نص الكلمة فيما يلي :-
بسمِ اللهِ والحمدُ لله، والصَّلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ ومَنْ وَالاهُ، واتَّبَعَ هُدَاه.
السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، أمَّا بعدُ:
صاحبَ الفَضِيلةِ الأستاذَ الدكتورَ/ أحمدَ الطيِّبَ شَيْخَ الأزهرِ الشريفِ
معاليَ الشيخِ الدكتورِ/ محمدِ بنِ عبدِ الكَرِيمِ العيسى أمينِ عام رابطةِ العالمِ الإسلاميِّ ض
سماحةَ الشيخِ/ عبدِ اللطيفِ دريانَ مُفتي الجمهوريةِ اللبنانيةِ
معاليَ الدكتورِ/ محمدِ مطرٍ الكعبيِّ رئيسِ هيئةِ الأوقافِ والشؤونِ الإسلاميةِ بأبو ظبي …
أَصْحابَ المَعَالي والسماحةِ والفضيلةِ والفخامةِ ضيوفَ مِصْرَ الْكِرَامَ،
السلامُ عَلِيكمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه …
يَسرُّنِي أنْ أُرحِّبَ بِكمْ في وَطَنِكُمُ الثانِي مصرَ … مَنبعِ الحضارةِ والتاريخِ، وكعبةِ العِلْمِ والأزهرِ الشريفِ، مصرَ الَّتي كانتْ - ولَا زالتْ وستظلُّ - مَنْزِلًا طيبًا مُبارَكًا لِلقاصدِينَ مِنَ العلماءِ والباحثينَ مِنْ شَتَّى أقطارِ الأرضِ، مِصرَ الَّتي تَمُدُّ يَدَيْهَا دائمًا بِالخيرِ والأمنِ والسلامِ لِمَنْ أرادَ بِها وَلَها الخيرَ، كَمَا قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ فِي كتابِه الكريمِ عَلى لِسانِ نَبِيِّ اللهِ يُوسُفَ عَلَيهِ السلامُ: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99].
فَأَهْلًا وَمَرْحبًا بِكمْ.
أصحابَ المَعالِي والسَّمَاحَةِ والفضيلةِ، يُسْعِدُنِي أنْ نَلْتقِيَ هُنا في مُؤتمرِنَا الثَّانِي الَّذي تَعقِدُه الأمانةُ العامَّةُ لِدُورِ وهيئاتِ الإفتاءِ في العالمِ تحتَ عُنوانِ: «دَوْرُ الْفَتْوَى فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعَاتِ»، ولا يَخْفَى عَلى شَريفِ عِلْمِكُمْ ذَلِكُمُ الظَّرْفُ العَصيبُ الذي تَمرُّ بِهِ مِصْرُ والمِنطقةُ بِأَسْرِهَا، بَلْ والعَالَمُ كلُّه، بسببِ تَنامي ظاهرةِ الإرهابِ والتطرفِ نتيجةَ إصدارِ تِلكَ الفتاوَى المُضلِّلَةِ المُنحَرِفَةِ المُجَافيةِ للمَنهجِ الوسطيِّ الصحيحِ واتِّبَاعِها؛ مِمَّا كانَ له أسوأُ الأثرِ في انتشارِ العنفِ والفَوْضَى، وتدميرِ الأمنِ والسِّلْمِ، وتهديدِ الاستقرارِ والطمأنينةِ الَّتي تَنْعَمُ بِها المجتمعاتُ والأفرادُ.
وإذا كانَ العالمُ بِأَسْرِهِ يَنتفضُ الآنَ لمحاربةِ الإرهابِ فَإِنَّهُ يَنبغي عَلَى أهلِ العلمِ وحرَّاسِ الدِّينِ والعقيدةِ مِنْ أهلِ الفتوَى والاجتهادِ أنْ يَعلموا أنَّهمْ عَلى ثَغْرٍ عظيمٍ مِنْ ثُغُورِ الإسلامِ، أَلَا وَهُوَ ثَغْرُ تَصحيحِ المفاهيمِ المَغلوطةِ وَصَدِّ الأفكارِ المتطرفةِ ونشرِ قِيَمِ الدِّينِ الصحيحةِ السمحةِ، وَجِهادُنَا فِي مَيْدَانِ المعركةِ لا يَنفكُّ لحظةً عنْ جِهادِنَا في مَيْدَانِ الفقهِ والفِكْرِ.
وأمَّا على الصعيدِ العالميِّ والدَّوْلِيِّ فَلا شكَّ أنَّ الإرهابَ يَسعى لِفَرْضِ سَيطرتِهِ وبَسْطِ نُفُوذِهِ على عقولِ العامَّةِ والشبابِ عنْ طريقِ نشرِ الفَتاوَى المُضَلِّلَةِ والأفكارِ المَغْلوطةِ عَبْرَ وَسائلِ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ وغَيْرِهَا مِنْ وسائلِ الإعلامِ المسموعةِ والمرئيةِ؛ مِمَّا كانَ لَهُ أسوأُ الأَثَرِ فِي نشرِ العُنْفِ والفوضَى وَتَهديدِ السِّلْمِ والأمنِ فِي كثير مِن بلادِنا، ولَوْلَا فضلُ اللهِ ثُمَّ تَكَاتُفُ الدُّوَلِ العربيةِ والإسلاميةِ فِي مُحَاصَرَةِ مَنَابعِ تَمويلِ الإرهابِ وَمَصَادِرِهِ لَتَغيَّرَ الواقعُ بِمَا لا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ. وَمِنْ ثَمَّ، فإنَّه يَنبغي علَى أهلِ العلمِ -وَأَخُصُّ مِنهمُ المَعْنِيِّينَ بِشَأنِ الفَتوى والاجتهادِ ومُتَابعةِ المستجداتِ- أنْ تَتوحَّدَ كَلِمَتُهمْ فِي شَأَنِ مُكافحةِ الإرهابِ ومُحَاصَرَةِ الفتاوى الشاذَّةِ المُضَلِّلَةِ المُهَدِّدَةِ لاستقرارِ وأمنِ المُجتمعاتِ. وهذا المؤتمرُ العالميُّ الَّذي تَعْقِدُهُ الأمانةُ العامَّةُ لِدُورِ وهيئاتِ الإفتاءِ في العالمِ لَيُعَدُّ فرصةً كبيرةً لتحقيقِ هَذا الغرضِ، وإنَّ الأُمَّةَ الإسلاميةَ، بلِ العالمَ أجمعَ، لَيُتَابِعُ عَنْ كَثَبٍ مَا يَنْتِجُ عَنْ هذا المؤتمرِ مِنْ نتائجَ وتوصياتٍ تَصْلُحُ أنْ تَتحوَّلَ إلى برامجَ عمليَّةٍ في واقِعِنَا المُعَاشِ.
أصحابَ الفضيلةِ: ولَا تَتوقَّفُ أهميةُ هَذا المؤتمرِ عِندَ حَدِّ قضيةِ مُكافحةِ الإرهابِ والتطرفِ، بلْ يَتَّسِعُ لِيَشملَ النَّظرَ فِيما تُسبِّبُهُ فَوضى انتشارِ الفتاوَى والآراءِ الشاذَّةِ وافتراضِ الصُّوَرِ النادرةِ البعيدةِ الَّتي لا تَمُتُّ لِلوَاقعِ بِصِلَةٍ مِن بَلْبَلَةٍ وَحَيْرَةٍ وَعَدمِ استقرارٍ فِي عقولِ الناسِ وقلوبِهم وحياتِهم، وَقدْ يُسْتَحْسَنُ التَّخيُّلُ وافتراضُ بَعْضِ الصورِ في مجالِ بَحْثِ الأحكامِ الفقهيةِ للدُّرْبَةِ وإِعمالِ القواعدِ الفقهيَّةِ والضوابطِ المرعيَّةِ، أمَّا الفُتْيَا فمجالُها مَا يشغلُ الناسَ بالفعلِ ويَمَسُّ حَياتَهم وَواقِعَهم، ووظيفةُ المُفتي أنْ يَجِدَ الحلولَ الناجِعَةَ لِمُشكلاتِ الناسِ وَفْقَ مقاصدِ الشرعِ الحنيفِ، لا أنْ يُشتِّتَ أذهانَهُمْ وَلا أنْ يَشْغَلَ عُقولَهم بِمَا لا يعودُ عليهمْ بنفعٍ في دِينِهمْ أوْ دُنياهم.
وَممَّا لا شكَّ فيه أنَّ قضيةَ الفتوى ومَا يتعلَّقُ بها مِنْ ضوابطَ وقواعدَ مِنْ أَهمِّ قضايا العصرِ التي يَجِبُ أنْ يَنْشَطَ لها أهلُ العِلْمِ والاجتهادِ؛ وذلكَ لِضَبْطِهَا وبيانِها، فإنَّ كثيرًا مِنَ المُتَصدِّرينَ لِهذا الأمرِ بِغَيْرِ حقٍّ لَم يُفرِّقوا بينَ الفتوى التي تَتغيَّرُ بِتَغيُّرِ الزمانِ والمكانِ والأحوالِ والأشخاصِ، وَبينَ الحُكْمِ الذي هو أَمْرٌ ثابتٌ بِنَاءً عَلى فَهْمٍ مُعَيَّنٍ للدليلِ الشرعيِّ وَفْقَ مَذهبِ المُجْتَهِدِ، ومِنْ ثَمَّ فَقَدْ أَحْدَثَ تَصدُّرُ غَيرِ العلماءِ وغَيْرِ المُؤهَّلِينَ اضطرابًا كبيرًا نَتَجَ عنه خَللٌ واضحٌ في منظومةِ الأمنِ والأمانِ، وأصبحَ السِّلْمُ العالميُّ مُهدَّدًا نتيجةَ التَّهوُّرِ والاندفاعِ والتَّشدُّدِ الَّذي اتَّخذَهُ البعضُ مَطِيَّةً لِتحقيقِ أغراضٍ سياسيةٍ بعيدةٍ تمامًا عنْ تحقيقِ مقاصدِ الشريعةِ السَّمْحَةِ الغرَّاءِ. وبِناءً عليه، فإنَّ مُؤتمرَكُمْ هذا تَنْعَقِدُ عليه آمالٌ كبيرةٌ فِي القيامِ بحركةٍ تصحيحيةٍ تُنِيرُ الطريقَ وتزرعُ مَعَالِمَ الهُدَى والرشادِ لِلْفتوَى العصريةِ المواكبةِ لِمَطالِبِ الحياةِ والإحياءِ والتحضُّرِ والاستقرارِ، وتتصدَّى لِفوضى الإفتاءِ بالوسائلِ الوِقَائيةِ والعلاجيةِ معًا، وتَضْبِطُ منظومةَ الفتوى ضَبْطًا مُحْكَمًا يَسدُّ المنافذَ على العابِثينَ ودُعاةِ الفوضى.
السادةُ الحضورُ الكرامُ: لا يَغيبُ عَنْ شَرِيفِ عِلمِكُمْ أنَّ الفتوى هِيَ اسمٌ لِمَا يُصدِرُه الفقيهُ في نازلةٍ معينةٍ، وهيَ منصبٌ عظيمٌ جليلٌ استحقَّ صاحِبُه أنْ يكونَ مُوقِّعًا عنْ رَبِّ العالمينَ تباركَ وتعالى، وهيَ مَعْلَمٌ مِن معالمِ الإسلامِ ودرجةٌ عُليا رفيعةٌ مِن مراتبِ التفقُّهِ في الدينِ، يَبذلُ فيها الفقيهُ وُسْعَهُ لإيجادِ الحلولِ المناسبةِ لمشكلاتِ الناسِ ومعضلاتِ الحياةِ التي تتسارعُ حَرَكَتُها وتَتعقَّدُ مُشكلاتُها في كافَّةِ المجالاتِ تعقيدًا يستحيلُ مَعَهُ أنْ تَقِفَ رؤيةُ المفتي عندَ مَا سَطَّرَهُ الأسلافُ فِي زمانٍ غيرِ الزمانِ وواقعٍ غيرِ الواقعِ. وتَتمثَّلُ الإشكاليةُ التي يُواجِهُهَا المفتي دائمًا في أمرِ الفتوى، في أنَّه مُطَالَبٌ بِأَمْرَيْنِ لا غِنى عَنْ أَحَدِهِمَا بِالنسبةِ إلى الناسِ:
الأَوَّلُ: إيجادُ الحلولِ المناسبةِ لقضايا الناسِ ومشكلاتِهم الَّتي تَصِلُ أحيانًا إلى درجةٍ مِنَ التعقيدِ تحتاجُ إلى جرأةٍ وشجاعةٍ في الاجتهادِ وَفْقَ ضَوَابِطِ الفقهِ والشريعةِ الغرَّاءِ.
الثاني: أنْ تَنْسَجِمَ هذه الحلولُ انسجامًا تامًّا معَ التزامِ الناسِ وتَعَايُشِهِمْ وتَمَسُّكِهمْ بالشريعةِ الإسلاميةِ الغرَّاءِ، وَرَحِمَ اللهُ الإمامَ سُفيانَ الثوريَّ إذْ يقولُ: إِنَّما العِلْمُ الرخصةُ مِنَ الثِّقَةِ، وَأَمَّا التَّشديدُ فَيُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ. ولا شَكَّ أنَّ هذا المَعْنَى مُضَمَّنٌ فِي قولِه تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقولِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم: «إِنَّ هذَا الدِّينَ يُسْرٌ».
وَلِهذا تمَّ اختيارُ موضوعِ هذا المؤتمرِ بِدقَّةٍ وعنايةٍ، إيمانًا مِنَّا بأهميةِ الفتوى وَدَوْرِها فِي استقرارِ المجتمعاتِ وَأَمْنِهَا، فَموضوعُ المؤتمرِ وَمَحاوِرُهُ خُطْوةٌ في غَايةِ الأهميةِ في منظومةِ تَجديدِ الخطابِ الدِّينيِّ، وَهُوَ بِدَوْرِهِ يَعْمَلُ عَلَى سَحْبِ البِسَاطِ مِنْ تَيَّاراتِ الإرهابِ والتطرفِ التي تُحاولُ الإفسادَ فِي الأرضِ مِنْ خلالِ نَشْرِ فَتاوى التَّطرُفِ والعُنفِ.
ولذا، تَعْملُ الأمانةُ العامَّةُ لِدُورِ وهيئاتِ الإفتاءِ في العالمِ على إيجادِ منظومةٍ علميةٍ وتأهيليةٍ لِلْمُتَصَدِّرِينَ لِلفَتْوَى في العالمِ يكونُ مِنْ شأنِها تجديدُ منظومةِ الفتاوى التي يَستعينُ بها المسلمُ على العَيْشِ في وَطَنِهِ وزمانِه دونَ اضطرابٍ أوْ عنتٍ، كمَا تُرسِّخُ عِندَهُ قِيَمَ الأمنِ ومعالمِ الاستقرارِ.
وبناءً على ذلكَ وَضَعَتِ الأمانةُ خريطةَ مَحَاوِرِ المؤتمرِ الَّتي بُنِيَتْ عَلى دِرَاسةِ الفَتاوى الشاذَّةِ وَرَصْدِهَا، وتَعَقُّبِ الحركاتِ المتطرفةِ، وتقديمِ المُبَادَرَاتِ الإفتائيةِ التي تُمثِّلُ عُنصرًا مُهِمًّا مِن عناصرِ حَلِّ مُشكلاتِ انتشارِ الفتاوى الشاذَّةِ مِنْ غَيْرِ المُتخصِّصينَ أوْ مِنَ الجماعاتِ المتطرفةِ بِمَا يُساعِدُنَا على تأصيلِ الاستقرارِ المجتمعيِّ ونشرِ قِيَمِ التعايشِ السِّلْمِيِّ بينَ الناسِ. ونحنُ نَأْمُلُ مِنْ هَذا المؤتمرِ أنْ يعودَ بِالخيرِ والتنميةِ والرُّقِيِّ عَلى الأمةِ الإسلاميةِ.
ولَا يَفوتُنِي فِي هذا المَقامِ الكريمِ إِلَّا أنْ أتقدَّمَ بموفورِ الشكرِ والتقديرِ لِفَخامةِ السيدِ الرئيسِ عبدِ الفتاحِ السيسي لِرِعايتِهِ الكريمةِ لهذا المؤتمرِ الذَّي أَتي استجابةً للمبادرةِ الَّتي أطلقَها سيادتُه بضرورةِ تجديدِ الخطابِ الدينيِّ ومحاربةِ الأفكارِ والتياراتِ المتطرفةِ، ونَشكرُ سيادتَه أيضًا على الدعمِ الكبيرِ الذي يُقدِّمُهُ سِيادَتُهُ لِدَارِ الإفتاءِ المصريةِ وللأمانةِ العامَّةِ لِدُوْرِ وَهَيْئَاتِ الإفتاءِ في العالمِ.
أسألُ اللهَ تعالى أنْ يُوفِّقَنَا إلى الخيرِ في القولِ والعملِ، وأنْ يُكَلِّلَ الجهودَ القائمةَ على هذا المؤتمرِ بالنجاحِ والتوفيقِ. أُجدِّدُ شكري وتَرْحِيبي بالسادةِ الضيوفِ، وَأَرْجُو لَهمْ إِقامةً طيبةً … والسلامُ عَلِيكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبركاتُه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.