عبد الرحيم رجب عزيزي القارئ كم من مسلم على وجه الأرض إلا ونفسه تشتاق لزيارة بيت الله الحرام؟ فلا يزال الناس يحجون إليه منذ أن رفع خليل الله إبراهيم قواعده، فأذن في الناس بالحج كما أمره ربه تعالى إلى يومنا هذا، وكيف لا يشتاقون إلى زيارة بيت الله الحرام وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة، وكيف لا يشتاقون إليه وهو من أفضل الأعمال والقربات عند الله، وكيف لا يشتاقون إليه وهو يعدل الجهاد في سبيل الله، فالمقصود الشرعي من الحج إقامة ذكر الله عزّ وجل في تلك البِقاع المقدسة التي عظَّمها الله وشرَّفها وجعل زيارتها على الوجه الذي شرعه من تعظيم حُرماته وشعائر دينه. سُئِل رسولنا الكريم –صلوات الله عليه- عن أي العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قيل: "ثم ماذا؟" قال: "حج مبرور"، وفضَّله وقدَّمه على الجهاد في سبيل الله حين سألته السيدة عائشة -رضي الله عنها- حين قالت له: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: "لا، لكنّ أفضل الجهاد حج مبرور"، وهو طريق غفران الذنوب، كما قال رسول الله: "من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه". ومع هذه المنزلة العظيمة لفريضة الحج وهذا الثواب الجزيل؛ إلا أن الفقهاء وعلماء الدين أفتوا بأن رعاية الفقراء والمساكين وعمل المشروعات الخيرية والاقتصادية التي تعود على الأمة بالنفع والخير أفضل ثوابًا وأجرًا عند الله من تكرار الحج والعمرة، مؤكدين أن غياب "فقه الأولويات والواقع"، يؤدى إلى الفهم الخاطئ لأداء العبادات المكلف بها المسلم. الحج إلى السماء.. ويروي الحاج سعيد أحد حجاج بيت الله الحرام لأحد رفقاءه في رحلة الحج قصة وصوله لبيت الله الحرام، فيقول: لقد انتظرت سنين طويلة قبل أن أحج، فأنا أعمل منذ أن تخرجت معالجًا قبل ثلاثين سنة، حتى أكرمني الله وجمعت تكاليف الحج، وفي نفس اليوم الذي ذهبت لأخذ حسابي من المستشفى التي أعمل فيها صادفت إحدى الأمهات التي أعالج ابنها المشلول، وقد كسا وجهها الحزن، وقالت لي أستودعك الله فهذه آخر زيارة لنا لهذا المستشفى، فاندهشت من كلامها، وظننت أنها غير راضية عن علاجي لابنها!! وتُفكِّر في نقله لمكان آخر، فقالت لي: لا، يشهد الله أنك كنت لابني أحن من الأب، وقد ساعده علاجك كثيرًا بعد أن كنا قد فقدنا الأمل في شفائه، وغادرت وهي حزينة. فذهبت إلى إدارة المستشفى وسألت عن السبب، فكان الجواب: زوج المرأة فقد وظيفته ولم تعد تستطيع دفع تكاليف العلاج فقررت إيقافه. فذهبت إلى مدير المستشفى ورجوته أن يستمر علاج الطفل على نفقة المستشفى ولكنه رفض، وأكد لي بأن هذه مؤسسة خاصة هدفها الربح وليست مؤسسة خيرية للفقراء والمساكين، خرجت وقتها من عند المدير حزينًا على المرأة، وفجأة وضعت يدي لا إراديًا على جيبي الذي فيه نقود الحج فتوقفت في مكاني لحظة ثم رفعت رأسي إلى السماء وخاطبت ربي قائلًا: اللهم أنت تعلم بمكنون نفسي، وتعلم أنه ليس أحب إلى قلبي من حج بيتك وزيارة مسجد نبيك وقد سعيت لذلك طوال عمري، ولكني مضطر لأن اخلف ميعادي معك فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. وبعدها فورًا ذهبت إلى المحاسب ودفعت كل ما معي من مال لعلاج الصبي لمدة ستة أشهر مقدمًا وطلبت منه أن يقول للمرأة بأن المستشفى لديها ميزانية خاصة للحالات المشابهة. تأثر الرجل ودمعت عينه، وقال: بارك الله فيك وأكثر من أمثالك، ولكن كيف حججت وقد تبرعت بمالك؟ رفع سعيد رأسه، وقال: رجعت يومها إلى بيتي حزينًا على ضياع فرصة عمري في الحج، ولكن الفرح يملأ روحي لأني فرّجت كربة المرأة وابنها، فنمت ليلتها فرأيت في المنام أنني أطوف حول الكعبة والناس يسلمون عليّ ويقولون لي حجًّا مبرورًا يا حاج سعيد فقد حججت في السماء قبل أن تحج على الأرض، دعواتك لنا يا حاج سعيد، فاستيقظت من النوم وأنا أشعر بسعادة غير طبيعية، فحمدت الله على كل شيء ورضيت بأمره. وما أن نهضت من النوم حتى طلبني مدير المستشفى على الهاتف وقال لي: أحد كبار رجال الأعمال يريد الذهاب إلى الحج هذا العام وهو لا يذهب بدون معالجه الخاص ولكن معالجه اعتذر لظروف حمل زوجته فلا يستطيع تركها، فهلا ذهبت أنت بدلًا عن المعالج؟ قلت له بلهفة: وهل سيسمح لي أن أحج؟ فأجابني نعم ولما لا، فقلت له إني سأذهب معه ودون أيّ مقابل، وكما ترى فقد حججت وبأحسن ما يكون عليه الحج، وقد رزقني الله حج بيته دون أن أدفع شيء والحمد لله، بل وأصرّ رجل الأعمال على إعطائي مكافئة مجزية لرضاه عن خدمتي له، وحكيت له عن قصة المرأة المسكينة فأمر بأن يعالج ابنها في المستشفى على نفقته الخاصة، بل وأن يكون في المستشفى صندوق خاص لعلاج الفقراء، بل وعيّن زوجها بوظيفة في إحدى شركاته!!. ولا يبقى لنا إلا أن نقول: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان..