محمد شمروخ إن شئنا الصراحة الشديدة فإن العالم لن يستطيع أن يستغني عن المخدرات، فهذه هي الحقيقة التى يجب أن يعرفها الجميع وأولهم المسئولون عن مكافحة المخدرات نفسها. فالإنسان يطلب المخدرات في كل حال في حياته. إنه يطلب المخدرات في أحزانه وأفراحه وفي قوته وضعفه وصحته ومرضه في شبابه وشيخوخته. وسبق أن ذكرت لك في الصفحات الماضية أن تستحيل ممارسة الطب بلا مخدرات، فالإنسانية لا يمكن أن تعيش بدونها. ولا ذنب لنا يا سيدي أن هناك مفرطين، فقد كان الأفيون والحشيش ونباتات مخدرة أخرى تزرع في كل مكان، إنى أذكر أننا درسنا في كتاب التاريخ أن من أحد أهم إنجازات محمد على باشا، هو التوسع في زراعة القطن والأفيون، ولم يعترض أحد على ذلك ولا اعتبروه عملا يخالف الأخلاق، حقا كان هناك موقف ما من الحشيش، لكنه لم يكن أكثر من النظر إليه بعين الريبة من البعض، وقد فشل نابليون بونابرت في حملته على مصر في تجريم الحشيش، فلم يلتفت إليه أحد، ولعلك تلاحظ أن أحد مرادفات كلمة الإرهابيين في الغرب يعني "الحشاشين" وهو الاسم الذي كانوا يطلقونه على أتباع الجماعة الشهيرة التى أسسها شيخ الجبل حسن الصباح، في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، فأطلقوا اسم الحشاشين (بالإنجليزية: Hashshashin) على هذه الطائفة تلك ومنها أيضا الكلمة بالفرنسية (Assassin = قاتل) ويمكن أن نرجع إلى ما كتبه الرحالة الإيطالي ماركو بولو الذي زار قلعة آلموت التى اتخذها مؤسس طائفة الحشاشين مقرا له ولطائفته والقصص والروايات عن هذه الطائفة كثيرة عند الغرب، حيث وصفت كيفية سيطرة الصباح على أتباعه، باستخدام الحشيش وترغيبهم بجوائز وغنائم لتنفيذ عملياتهم. ولا ننسي في العصر الحديث ما فعله الأفيون بين بريطانياوالصين في حرب الأفيون الشهيرة في القرن التاسع عشر. وليس هنا الآن مجال الحديث عن السياسة والمخدرات وإلا استغرقنا وقتا طويلا في كتابة مجلدات ولوقعنا في المحظور، بالعبث في أسرار عالم المخدرات وارتباطه بالسياسة الدولية!. لكن ما أريد أن أؤكده هنا، هو أن عالم المخدرات ليس بهذه الصورة الساذجة التى تتعامل معها قوانين العقوبات والإجراءات الجنائية في المؤسسات الرسمية للدول المختلفة. فالخلاف الحقيقي يجب أن يكون حول تقنين تجارة أو تداول المخدرات وليس تحريمها أو تجريمها، فلم يفلح تشديد العقوبات في أي دولة في القضاء على المخدرات، ففي مصر مثلا بدأ الأمر بمحاولة الحد من زراعة النباتات المخدرة عام 1879 وعقوبة المخالفين بغرامات لا تجاوز 200 قرش على الزراعة أو البيع، ولكن لم يأت هذا القرار بآثار ملموسة، فضاعفت سلطات الاحتلال البريطاني الغرامة بعد احتلال مصر فأقرت عقوبة 50 جنيها على كل فدان مزروع بالمخدرات و10 جنيهات على كل كيلو جرام يتم ضبطه و30 جنيها في حالة معاودته النشاط مرة أخرى، وهذا بالطبع مع مصادرة المضبوطات– لاحظ أن بريطانيا هي نفسها التى حاربت الصين للسماح بتجارة الأفيون هناك، ولكنها عملت على الحد من زراعته في مصر – ومع ذلك لم تفلح حتى في منع علانية بيع المخدرات، بدليل أن وزارة الداخلية المصرية، قامت في14 يناير 1895 بإصدار أوامر بمنع أصحاب المحلات العمومية، من عرض وتقديم الحشيش وعقاب الفاعل بغرامة لا تقل عن 25 قرشا ولا تزيد على 100 قرش وبعد هذا التاريخ بخمس سنوات ضوعفت الغرامة إلى 200 قرش مع أمر بإغلاق المحل لمدة شهر في أول مرة ثم غلقه نهائيا مع تكرار الواقعة. ثم توالى التدرج في العقوبات للحد من انتشار المخدرات، ففي سنة 1918 تم تجريم زراعة الأفيون رسميا، بصدور أول قانون يحظر زراعة الأفيون وفي عام 1925 أصدر الملك فؤاد الأول مرسوما بجعل تناول المخدرات جنحة ولكن المرسوم أباح زراعتها، غير أنه ما لبث أن جرم الزراعة نفسها بعد عام واحد من ذلك التاريخ ومعاقبة المخالف بالحبس كأول مرة ينص فيها على الحبس.. ولمدة تصل إلى ستة أشهر وغرامة 50 جنيها. وفي عام 1928 صدر القانون رقم 21 لسنة 28 الذي وصل للحكم بعقوبة لمدة خمس سنوات على من يتاجر في المخدرات أو يقوم باستيرادها وغرامة من 100 إلى 1000 جنيه، أما المتعاطي فيعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تزيد على 3 سنوات وبغرامة لا تقل عن 30 جنيها ولا تزيد على 300 جنيه، ثم وصلنا إلى عام 1952، لنصل معه إلى عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة لجلب وتجارة المخدرات والأشغال الشاقة المؤقتة للتعاطي، حتى وصلنا إلى العام الفاصل في تاريخ عقوبات المخدرات في مصر وهو أسوأ ما تعرضت له تاريخ المخدرات وهو عام 1960 وهو العام النكد على تجار المخدرات والمهربين وذلك بصدور القانون رقم 182 لسنة 60 الذي أقر عقوبة الإعدام كعقوبة قصوى لأول مرة على جرائم الجلب والزراعة والاتجار. ومع تفاقم ظاهرة إدمان المخدرات وظهور نتائجها الوخيمة اجتماعيا واقتصاديا، جاء القانون رقم 122 لسنة 1989وهو قانون رهيب يوسع من تطبيق عقوبة الإعدام على الأنشطة المختلفة، فلم تقتصر فقط على جرائم تهريب وجلب المخدرات أو التجار بها، بل وصل إلى أن تهيئة مكان أو تسهيل التعاطي للمدمن في المستشفيات والسجون، يمكن أن يصل إلى الإعدام، خصوصا مع متعاطي المخدرات التخليقية كالهيرويين والكوكايين. ويظل هذا الوضع قائما ولكن المخدرات مع كل هذا ظلت منتعشة، لاسيما في الأماكن البعيدة عن أيدى وعيون رجال السلطة. لكن ما أستنتجه شخصيا مع كل هذا، هو أن المخدرات كانت تجارة وزراعة رائجتين وأن الخطر الناتج عنها لم يكن بهذه الشراسة التى نراها الآن، وهذا ما يشكل لغزا حقيقيا وأزمة لدي شخصيا، فما الأمر إذن؟ إن تجارة المخدرات قديما ومنذ تاريخ ليس بالبعيد، كانت تسير في ركب تجارة المواد الطبية والعطارة ثم ما لبثت أن اتخذت هذه التجارة سمعة في غاية من السوء وجدنا دولا وحكومات تشعل الحروب شرقا وغربا وقوانين تحظر وتجرم، ومع ذلك تبقى هي التجارة الأنشط، إلى درجة أن بعض الحكومات وحركات التمرد والحركات الثورية في كثير من البلدان في العالم، لا سيما في أمريكا الجنوبية والوسطى، تتحالف سرا مع مافيا المخدرات. وأكرر فأقول: إن هناك أسئلة وألغازا كثيرة تحتاج إلى إجابات وحلول عاجلة، وكوني نشأت في أسرة تتاجر في المخدرات منذ أزمنة بعيدة، لا يجعلنى أنكر الآثار التدميرية للمخدرات، لكنى في الوقت نفسه أصدمك لأني أرى أن الذي تحتاجه المخدرات هو قوانين أخلاقية، قبل أن تكون قوانين جنائية، ما دام أن الأمر كما بدأتك به في أول هذه الحلقة، هو أن العالم لا يمكن أن يعيش بدون مخدرات.