بدء اجتماع مجلس الوزراء برئاسة «مدبولي»    توزيع أجهزة تعويضية لطلاب الجامعات من ذوي الإعاقة    وزير الصحة يستقبل رئيس جامعة هيروشيما اليابانية لبحث تعزيز التعاون    بنك باركليز: خروج الإمارات من "أوبك" يدعم زيادة الإنتاج مع تأثير محدود على الأسعار    لجنة القوى العاملة بمجلس النواب توافق نهائيا على تعديلات قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات    الرقابة المالية تنظم جلسة توعوية لتعزيز مجال الأمن السيبراني في الأنشطة المالية    الجيش الإسرائيلى يعلن إصابة أحد جنوده جراء انفجار طائرة مسيرة جنوبى لبنان    الحرس الثوري الإيراني يهدد ب"تقنيات ذكية" لضرب السفن الأمريكية في هرمز    وزير الخارجية الإسرائيلي يكشف سبب مهاجمة طهران    وزير الرياضة ومحافظ شمال سيناء يتفقدان عددًا من المشروعات باستاد العريش    فيفا يعتمد "قانون فينيسيوس".. طرد مباشر للاعبين بسبب تغطية الفم أثناء الشجار داخل الملعب    المعاينة: اختلال عجلة القيادة من سائق النقل وراء حادث أتوبيس كرداسة.. صور    فيديو تعاطي المخدرات.. ضبط 3 عاطلين بحوزتهم حشيش في الإسكندرية    حماية المستهلك يضبط مخزنا غير مرخص بالجيزة لتصنيع المراتب مجهولة المصدر    «جريمة تهز المطرية».. نيران الغضب تحرق زوجة شابة    السجن المشدد 15 عاما للمتهم بقتل مواطن حاول منعه من التعدي على والده في الشرقية    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    موعد ميلاد هلال ذو الحجة ووقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    إشادة دولية بعد حصوله على بطولة أفريقيا للمصارعة.. عبد الله حسونة يروى كواليس التتويج    عاجل غارات إسرائيلية مكثفة تتجاوز "الخط الأصفر" إلى شمال الليطاني جنوب لبنان    التحريات فى واقعة سرقة القمح بالشرقية: المتهم استعان بصاحب آلة حصاد وسائق    "الإحصاء": تراجع معدل البطالة إلى 6.3% عام 2025    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. خيري بشارة: كابوريا نقطة تحول بعد أفلام الواقعية    1 مايو.. مصمم الاستعراضات الإسباني إدواردو باييخو يقدم عرضه الشهير «اللغة الأم» على مسرح السامر    أول ظهور للحاكم العسكري في مالي بعد هجمات دامية.. ويؤكد: الوضع تحت السيطرة    كارثة إثيوبية جديدة، شراقي: توربينات سد النهضة توقفت والبحيرة ممتلئة    وزير التعليم العالي يتابع أداء الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية    الدوري المصري، موعد مباراة الجونة وحرس الحدود والقناة الناقلة    الدوري المصري، الاتحاد السكندري ضيفا على المتصدر دجلة في مجموعة الهبوط    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    وزير التخطيط: نتطلع لآفاق أوسع من التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية    مجلس جامعة بني سويف يوافق على تنظيم عدد من الفعاليات والمؤتمرات والندوات بكليات ومعاهد الجامعة    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    حملة "صحتنا حياتنا" بجامعة قناة السويس: طلاب علوم الرياضة يقودون مبادرة توعوية لمواجهة أمراض سوء التغذية    أقل شقة بمليون جنيه …الإسكان الإجتماعى للأغنياء فقط والغلابة خارج حسابات الحكومة    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    رامي علم الدين: خطوات غير مسبوقة لدعم واستثمار المصريين بالخارج    «ترزي حريمي».. شخصية مختلفة ل"شريف منير" في فيلم "ريد فلاج"    قمة أوروبية مشتعلة الآن.. أرسنال في اختبار صعب أمام أتلتيكو مدريد بنصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2026 (بث مباشر + القنوات والتشكيل)    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس اليوم.. احذروا الظواهر الجوية    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    "أبيض من الداخل وغريب الشكل".. علامات تشير إلى معرفة البطيخ المسرطن؟    أوكرانيا تعلن إسقاط أكثر من 33 ألف مسيرة روسية في شهر واحد وتكثف تطوير دفاعاتها الجوية    أسعار اللحوم اليوم الأربعاء 29 أبريل في الأسواق    تحريات لكشف ملابسات تعرض مطرب شاب لاعتداء بالمنيرة الغربية    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    الأهلي وسبورتنج يتأهلان إلى نهائي دوري السوبر لكرة السلة للسيدات    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فرسان وقرداتية.. التاريخ الآخر لجامع عمرو بن العاص
نشر في الأهرام العربي يوم 05 - 06 - 2017

شيده الصحابي بمعاونة جنوده الفاتحين.. ونهبه "الفرنسيس".. وعربد فيه الحواة و"العواطلية"
الأقباط لم يحملوا سيفا واحدا ضد جيش العرب.. والبيزنطيون عذبوا المصريين أثناء حصار قلعة بابليون
المسجد الأصلي كان شديد البساطة أشبه بمنزل عادي.. وسقفه واطئ من سعف النخيل .. ولم يكن به منبر
هدم المسجد بعد 25 عاما من بنائه لإعادة تطويره بالكامل وضم منزل عمرو بن العاص إليه
الجبرتي: كان يجتمع في صحنه أرباب الملاهي من الحواة والقرداتية والغوازي حتى أعيد تشييده

هو المسجد العتيق، والجامع الجامع لصحابة عمرو ابن العاص وتابعيه وجنوده وأصفيائه.
في أرجائه أقيمت الصلاة لأول مرة في مصر، وفي صحنه اجتمع أرباب الملاهي من الحواة والقرادتية وأهل الملاعيب والغوازي.. على أعمدته اتكأ جنود عمرو بن العاص المرابطين مكدودين بعد يوم طويل شاق من العمل في تشييد منازلهم الجديدة في الصحارى، وعلى أعمدته أيضا نسجت العناكب بيوتها بعد أن هجره المصلون وتعرض للحرائق!
هنا، سنتوقف طويلا أمام جامع عمرو بن العاص، شاهد العيان على كثير مما جرى في الأزمنة الغابرة، من نشوء دولة المسلمين في الفسطاط، بأيدي 4 آلاف جندي بعث بهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى مصر، وعلى أنقاض الاحتلال البيزنطي الذي قاوم في حصن بابليون مدة 40 يوما، ثم سنتتبع انحدار أوضاعه في حريق الفسطاط، وترميمه في عهد مراد بك، ونهبه بعد عام واحد عقب احتلال الفرنساوية للأقطار المصرية..
سنسعى لجمع مادته التاريخية وحكاياته بتمهل وحذر واحتياط، فسيرة الجامع مليئة بالسطور الشائكة والعبر والمكائد والانتصارات والانهيارات..
بقايا حصن بابليون
كان عمرو بن العاص في الخامسة والأربعين من عمره عندما فتح مصر، كان معتدل القوام، ضخم، عريض المنكبين، واسع الصدر، عيناه سوداوتان ثاقبتان، وكانت لحيته مخضبة بالسواد، ويوحي مظهره بقوة شديدة، غير أنها خالية من الصرامة.
سيجمع بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وفاتح مصر عمرو بن العاص جلسة تاريخية، في عام 638 بالقرب من دمشق، وطبقا للرواية التي ساقها معظم من أرّخ لهذه الفترة من الباحثين والدارسين، دار بينهما حوار طويل قال فيه عمرو للخليفة: "يا أمير المؤمنين، ائذن لي أن أسير، فإنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم، وهي أكثر الأرض أموالا، وأعجزها عن القتال والحرب".
وتدبر الخليفة عمر بن الخطاب أموره مرات عديدة، وتردد خشية أن يعرّض المسلمين للخطر، لكن عمرو أصر وانتهى الأمر إلى أن وضع أمير المؤمنين تحت تصرف عمرو قوة من أربعة آلاف فارس قائلا: "سر وأنا مستخير الله في سيرك، وسيأتيك كتابي سريعا إن شاء الله، فإن أدركك كتابي وأمرتك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئا من أرضها فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامضى لوجهك واستعن بالله واستنصره".
وطبقا للرواية التاريخية التي ساقها المؤرخ العربي ياقوت، ونقلها عنه عباس محمود العقاد والمؤرخ أولج فولكف، رحل عمرو في اتجاهه إلى مصر، بينما انتابت عمر بن الخطاب المخاوف على مصير عمرو وجنوده في تيه الصحراء المصرية الشاسعة، فبعث رسالة آمرا إياه بالعودة، ووصلت الرسالة عمرو بينما كان لا يزال في رفح الفلسطينية، ولكنه لم يفتحها إلا في العريش، وتذكر إحدى الروايات أنه خمن فحواها فآثر ألا يفتحها إلا بعد دخول مصر.
تقول الرسالة: "أما بعد، فإن أدركك كتابي هذا وأنت لم تدخل مصر فارجع عنها، أما إن كنت دخلتها أو شيئا من أرضها فامض وأعلم أني ممدك".
بينما يسأل عمرو بن العاص من حوله: "أين نحن؟، فيقولون له: في العريش، فيسأل: وهل هي من أرض مصر أو الشام؟ فيرد أحدهم: إنها من مصر، وقد مررنا بعمدان رفح مساء أمس، فيقول:هلموا بنا إذا قياما بأمر الله وأمير المؤمنين".
في صحراء سيناء، واجه الجيش قبائل بدوية تعيش في مصر وأباد البعض منها، ثم أسقط الجيش الإسلامي الفرما ثم بلبيس، التي لاقى فيها العرب جيشا رومانيا يقدره بعض المؤرخين بثلاثة أضعاف الجيش العربي.
واستسلمت المدن المصرية دون أن يحمل أحد المصريين سيفا ضد عمرو بن العاص، وبعد أن احتل العرب قرية أم دنين الواقعة على شاطئ النيل الشرقي، وربما تكون هي موقع الأزبكية الحالي، استولى عمرو على القوارب عبر نهر النيل، ثم استولى على الفيوم ثم دخل إلى الصعيد.
مصر القديمة
ولكن كيف تهاوت المدن المصرية بهذه السهولة كما تتساقط أوراق الشجر في الخريف؟
من المعروف أن مصر كانت تخضع للاحتلال البيزنطي لنحو 7 قرون، وخلال عدة أشهر فقط تهاوت الحقبة البيزنطية كلها في مصر كخيمة بدوي حملتها بعيدا رياح إعصار، بحسب تعبير أولج فولكف، صاحب كتاب "القاهرة مدينة ألف ليلة وليلة".
تهاوت القوى الرومانية أمام قدرة العرب على الانتشار السريع والمناورة والهجمات الارتجالية لفرسانهم.
أربكت غارات العرب المفاجئة البيزنطيين الذين عجزوا عن مقاومتها، وحينها تحصنوا داخل قلعة بابليون المنيعة التي تشرف بأبراجها المستديرة على مدينة مصر، وحينما حاولوا فك الحصار عن أنفسهم بعد ستة أشهر هزموا في سهل هليوبوليس.
تقدم العرب إلى الديار المصرية، وبينهم وبين عدوهم فروق كثيرة في العدد والعدة والحضارة والعقيدة، وفقا لتعبير عباس العقاد في كتابه "عمرو بن العاص"، لكنهم انتصروا بالثقة والخبرة، ثم باطمئنان العرب إلى أهل مصر، من حيث خشيهم الروم وتوقعوا منهم كل مكروه.
عباس محمود العقاد
يرى العقاد أن العداء بين المذهب الملكي، وهو مذهب الروم، والمذهب اليعقوبي، وهو مذهب القبط، "لم يدع مكانا لتوفيق بين الكنيستين، ولم يبق في النفوس بقية للرحمة ولا للصلح والهوادة، وبلغ هذا العداء بالروم أنهم قضوا أياما كاملة يعذبون في القبط ويقطعون أيديهم وأرجلهم بينما كانوا متحصنين في "بابليون"، ليتركوهم في حالة لا يفرغون فيها لشماتة بعدوهم المهزوم".
ويقول المؤرخ ستانلي لينبول في كتابه الأشهر "سيرة القاهرة" أن الروم دافعوا عن الفسطاط في حصن بابليون دفاعا مستميتا، حتى أن عمرو بن العاص لم يجد بدا من طلب المدد حتى بلغ جيشه اثني عشر ألفا قبل أن يتمكن من فتحها، لكن معظم الروايات العربية الإسلامية تتفق على أنه فتح مصر بأربعة آلاف جندي فقط.
وتذهب الروايات العربية إلى أن عظيم القبط "المقوقس"، هو الذي اقترح معاهدة صلح ضمنت للمصريين الأقباط حرية الدين وأمنتهم على حياتهم، ولما رفض الإمبراطور هرقل البيزنطي هذه المعاهدة، تمسك المقوقس بكلمته وأصبح في صف العرب.
ولما عاد الرسل الذين كان قد بعث المقوقس بهم إلى معسكر المسلمين، سألهم عن حال المسلمين، فأجابوا: "رأينا قوما الموت أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحد منهم في الدنيا رغبة، وإنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، لا يعرف رفيعهم من وضعيهم، ولا السيد فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد، يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم".
وبحسب تعبير المؤرخ ستانلي لينبول، الذي هاجم في كتابه كثيرا الفتح /الغزو الإسلامي، فإن "هذا الخلق كان جديدا بالنسبة إلى المصريين الذين كانوا قد قاسوا الكثير من فساد الإمبراطورية الرومانية الشرقية. ومهما يكن من شأن الدور الذي قام به المقوقس فيما أطلق عليه خيانة مصر المسيحية، فما لا شك فيه أن الشعب المصري نفسه قد ساعد الغزاة".
يضيف لينبول: "ولم يكن حكم البيزنطيين مما يرتاح له أهل مصر، أضف إلى ذلك اضطهاد الكنيسة الأرثوذكسية، فإنه لما عقد مجمع سنة 451 م رمى الأساقفة المصريون الذين دانوا بعقيدة أوتيخا بالإلحاد، وأصبح الانقسام شيئا لا مفر منه. ومن ثم أصبح في مصر منذ ذلك الحين كنيستان: الأولى كنيسة الدولة (الروم الأرثوذكس)، والكنيسة القومية، وقد أطلق عليها فيما بعد اليعقوبية وتعرف بالكنيسة القبطية".
الآن، سنضطر إلى القفز على سطور التاريخ حتى نصل للحظة التي بدأ يستقر فيها المسلمون في الفسطاط، ومرحلة بناء مسجد عمرو بن العاص.

المسجد من الداخل
حسبما يذكر المؤرخون، كان جيش عمرو يضم إلى جانب المحاربين نساء وأطفالا وتجارا، أي كان باختصار أمة متحركة، ولم يفقد هؤلاء المحاربون حنينهم إلى الصحراء، لذا فقد صارت الفسطاط أشبه بمعسكر مؤقت أو مدينة في مرحلة التكوين.
في شتاء 641 م، شيد عمرو مسجده في الموقع الذي كان قد نصب فيه رايته عندما كان يحاصر حصن بابليون، ولذا عرف الموقع بميدان الراية، والذي هو عليه حتى هذه اللحظة.
كان الموقع في الأصل جبانة قديمة تقوم وسط مزارع الخضروات، وقيل إنه كان مملوكا لرجل يدعى عبد الرحمن بن قيسبة الذي منحه هبة للمسلمين بلا مقابل، وذكرت إحدى الروايات المشكوك في صحتها أن الأرض كانت تشغلها كنيسة، وقيل إن الأرض كانت ملكا لأرملة يهودية طلب منها عمرو أن تبيعها، فرفضت، فاعتزم أن يأخذها بالقوة ثم بالدهاء.
بعث عمرو رسولا إلى أمير المؤمنين محتارا في أمر السيدة، يطلب منه الاستشارة، فأنصت عمر بن الخطاب للرسول، ثم انحنى والتقط جمجمة خروف بيضاء وخط عليها بالحبر خطين أحدهما مستقيم والآخر أعوج، ثم طلب من الرسول أن يبعث بها إلى عمرو، الذي تأملها فصاح قائلا: "إن الخليفة على حق. يجب إتباع الطريق القويم، سبيل الله، لا الطريق المعوج، سبيل الشيطان الرجيم".
واستدعى عمرو السيدة وطلب منها أن تبيعه قطة أرض يمكن أن يغطيها بجلد ثور فوافقت المرأة، باعتبارها ستكون قطعة أرض صغيرة لا تتعدى أمتارا قليلة، لكن عمرو قطع جلد ثور حديث الذبح إلى فتائل رفيعة أحاط بها مسافة الأرض التي شيد عليها مسجده.
الجامع بعد إجراء ترميمات عليه
وكان المسجد الأصلي شديد البساطة، أشبه بمنزل عادي مستطيل الشكل، طوله 28 مترا وعرضه 17 مترا، وسقفه واطئ جدا من سعف النخيل ومحمول على دعائم، ولم يكن به منبر ولا مئذنة ولا أبراج بالزوايا، وكان مزودا بستة أبواب.
استخدمه المسلمون كمحكمة وقاعة مجلس ومأوى، وحول المسجد بنى خير المحاربين المجاورين لعمرو بن العاص منازلهم حول الجامع، وأحاطت به منازل مكونة نصف حلقة.
وأحيط ببناء الجامع الكثير من الأساطير..
يروى صاحب كتاب "القاهرة مدينة ألف ليلة وليلة" أنه أثناء بنائه طلب عمرو من الخليفة أن يرسل له عمودا من مكة، فأمر عمرو بن الخطاب عمودا بأن يطير إلى الفسطاط، لكن العمود أبى الحركة، فأعاد ابن الخطاب الأمر عليه ثلاث مرات ثم ضربه بسوطه وأمره باسم الله أن يطيع، فارتفع في الهواء وعبر الفضاء كالسهم وهبط في المكان الذي كان المسجد يبنى فيه. ويقال إن هذا العمود لا يزال عليه أثر السوط، كما يقال أيضا إن هناك عمودين في بيت الصلاة لا يمكن أن يمر من بينهما إلا الصالحين.
المسجد حديثا
ويتساءل صاحب كتاب "سيرة القاهرة": "أما لماذا لم يحتل عمرو بن العاص مدينة مصر القديمة، فهذا ما لا نعرف عنه شيئا، فكل ما كان له علاقة بتلك المدينة التي اندثرت لغز من الألغاز. ففي البلاد الأخرى التي فتحها العرب، لم يترددوا عن الاستيلاء على الأقدم تاريخا مثل دمشق والرهاء. أما في مصر فإنهم آثروا أن يستولوا على أراض جديدة.
ويحدد المقريزي موقع الفسطاط في خططه بالتفصيل، فيقول: "إعلم أن موقع الفسطاط كان فضاء ومزارع فيما بين النيل والجبل الشرقي الذي يعرف بجبل المقطم، ليس فيه من البناء والعمارة سوى حصن يعرف اليوم بقصر الشمع"
وقسمت القبائل العربية إلى ثلاث قبائل، واختطت منازلها فيها مبتدئة من حصن بابليون إلى حيث نرى جامع ابن طولون الآن، وفي وسط الفسطاط اختط عمرو بن العاص داره، وبنى بجواره أول مسجد أقيم في مصر وهو جامع الفتح، وتاج الجوامع كما أطلق عليه العرب من قبيل المباهاة والفخر، غير أنه لم يلبث أن أطلق عليه اسم الجامع العتيق، ويسمى الآن بجامع عمرو.
وقد بني من الأحجار الصلبة الملساء، ولم يكن فيه زينة. وكان من واجبات الفاتح أن يؤم الناس في الصلاة ويلقي خطبة الجمعة في هذا المكان المتواضع، الذي أصبح صغيرا جدا بالنسبة لأهل الفسطاط، مما أدى إلى توسعته سنة 673 م بأن ضم إليه جزء من دار عمرو. وفي الوقت نفسه أقيمت فيه بضعة أعمدة في الأركان، وهي نواة المآذن، ليؤذن المؤذنون من فوقها ممن زاد عددهم، وقد أمرهم عمرو بالأذان لصلاة الفجر بدلا من استخدام الناقوس الخشبي.
وبعد 25 سنة هدم عبد الملك بن مروان هذا المسجد عن آخره وأعاد بناءه بعد أن وسعه مجددا.
وفي عام 711 م كتب الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى واليه على مصر قرة بن شريك بأن يهدم الجامع ويعيد بناءه من جديد، وفي تلك المرة بنى المحراب على هيئة تجويف غائر.
ويأتي عبد الله بن طاهر في عام 837 ليزيد مساحة الجامع إلى الضعف تقريبا.
وعلى مدى نحو 900 عام تالية سيتعرض الجامع للكثير من مراحل الاضمحلال والترميم، حتى إنه أوشك على الاندثار عام 1792، ولولا أن رممه مراد بك سنة 1798 قبل أن يشتبك مع الفرنسيين في معركة الأهرام، لكان قد تآكل أو هدم بالكامل.. واليوم صارت مساحته أربعة أمثال مساحته الأصلية.
والجامع العتيق، كما يسميه المقريزي، كان محل احترام المسلمين قديما. ففيه كان القاضي يجلس ليحكم بين الناس، وكان يجتمع في صحنه كثير من العلماء، كما كان أيضا المكان الذي يجتمع فيه السنيون، في الوقت الذي انقسم فيه المسلمون على أنفسهم.
ولما احترقت مدينة الفسطاط سنة 1169، أثناء خلافة العاضد، حيث أمر بإحراقها الوزير شاور، نجا هذا الجامع برغم الأضرار الكثيرة التي لحقت به، فجدده صلاح الدين الأيوبي سنة 568 ه، وأعاد صدر الجامع والمحراب الكبير ورخمه.
لكن المسلمون غيروا نظرتهم عن هذا الجامع حين وجدوه قد أصبح تابع لبلدة أحرقت بالكامل فأصبحت أطلالا. كما انفضت الاجتماعات التي كانت تعقد فيه من قبل، وهكذا حلت بجامع عمرو أيام السوء.
ويصف القلقشندي حالة الفسطاط آنذاك بمعلومات دقيقة: "ولم يزل الفسطاط زاهي البنيان نامي السكان إلى أن كانت دولة الفاطميين بالديار المصرية، وعمرت القاهرة فتقهقر حاله وتناقص. وأخذ سكانه في الانتقال إلى القاهرة وما حولها، فخلا من أكثر سكانه، وتتابع الخراب في بنيانه إلى أن بلغ الفرنج على أطراف الديار في أيام العاضد آخر الخلفاء الفاطميين... وبعد حريق شاوى تزايد الخراب في الفسطاط وكثر الخلو, ولم يزل الأمر على ذلك في تقهقر أمره إلى أن كانت دولة الظاهر بيبرس".
صحن الجامع في إحدى مراحل تدهوره
ويروي الرحالة ابن سعيد الذي زار هذا البناء العظيم في القرن الثالث عشر، وقد غطاه العنكبوت، وجدرانه التي علاها "عبث العامة والمتعطلين، وقد نثروا على أرضه ما خلفوه من فضلات الطعام. وأبصرت العامة رجالا ونساء، قد جعلوه معبرا بأوطئة أقدامهم، يجوزون فيه من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق، والبياعون يبيعون فيه أصناف المكسرات والحلوى، والناس يأكلون منه في أمكنة عديدة غير محتشمين، وحيطانه مكتوبة بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتب فقراء العامة".
ويسرد شيخ المؤرخين الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، أنه " لما خرب هذا الجامع بخراب مدينة الفسطاط، وبقيت تلالا وكيمانا وخصوصا ما قرب من ذلك الجامع، ولم يبق بها بعض العمار إلا ما كان من الأماكن التي على ساحل النيل، وخربت في دولة القزدغلية وأيام حسن باشا لما سكنتها عساكره، ولم يبق بساحل النيل إلا بعض أماكن جهة دار النحاس وفم الخليج يسكنها أتباع الأمرا، وبها بعض مساجد صغار يصلي بها السواحلية والنواتية وسكان تلك الخطة من القهوجية والباعة، والجامع العتيق لا يصل إليه أحد لبعده ووقوعه بين الأتربة والكيمان، وكان فيما أدركنا الناس يصلون به آخر جمعة في رمضان، فتجتمع به الناس على سبيل التسلي من القاهرة ومصر وبولاق، وبعض الأمرا أيضا والأعيان، ويجتمع في صحنه أرباب الملاهي من الحواة والقرداتية وأهل الملاعيب والنسا والراقصات المعروفات بالغوازي، فبطل ذلك أيضا من نحو ثلاثين سنة لهدمه وخراب ما حوله وسقوط سقفه وأعمدته، وميل شقته اليمنى بل وسقوطها بعد ذلك.
ثم يروي الجبرتي أن في عهد مراد بك قام بترميمه الحاج "قاسم"، وصرف عليه بيت المال أموالا عظيمة، فأقام أركانه وشيد بنيانه ونصب أعمدته وكمل زخرفته وبنى به منارتين وجدد جميع سقفه بالخشب النقي، وبيضه فتم على أحسن ما يكون، وفرشه بالحصر الفيومي وعلق به القناديل، وفي آخر جمعة من رمضان حضر الأمرا والأعيان والمشايخ وأكابر الناس وعامتهم، وبعد انقضاء الصلاة عقد له الشيخ عبد الله الشرقاوي مجلسا، خطب فيه عن فضل عمارة مساجد الله.
ولما غزا الفرنساوية مصر في السنة التالية 1798 جرى على المسجد ما جرى من الهدم والتخريب. يقول الجبرتي: "أخذوا أخشابه حتى أصبح بلقعا أشوه مما كان". ثم أعيد ترميمه في عهد محمد علي.
ويصف المؤرخ ستانلي: "وسط أكوام القمامة التي تميز موقع مدينة الفسطاط، نشاهد جدرانه المرتفعة الرمادية، لا أثر للنوافذ ولا الزينة فيها، كذلك نميز بوضوح مئذنتيه اللتين هما غاية في البساطة.
أما من الداخل فإنه يختلف كثيرا، رغم ما لحقه من التهدم والإهمال.. هنا فناء مساحته 40 ألف قدم مربع تقريبا، تحيط به البواكي والأعمدة الكثيرة التي تكون دعائم سقف الطرف الشرقي، وهو المكان المخصص للصلاة، وهنالك نشاهد منظرا غاية في الروعة والبهاء. ويزدحم المسجد بالمتعبدين الذين يؤدون صلاتهم في انحناء منظم، فيضفون على المكان جوا من الهيبة والجلال.
أما الأعمدة فقد انتزعت من الكنائس ووضعت في غير مواضعها في أغلب الأحيان. والأروقة غير متوازية مع الجدران كالصوامع التي تحيط بالكنيسة، ولكنها مقامة على شكل زوايا قائمة في صحن الجامع، والقطع الخشبية الطويلة تمتد من عمود إلى آخر لتحمل المصابيح التي كان يضاء منها 18 ألف مصباح كل ليلة في الأزمان الغابرة.
ويمضى المؤخر ستانلي في وصفه قائلا: "إن ذلك الجامع الأصلي قد أنمحي منذ أمد بعيد، غير أن أعيد بناؤه بنفس الموقع. وفي الوقت نفسه لا نسطيع أن نذكر عن مدينة الفسطاط التي شهدها عمرو شيئا تقريبا. فكل ما تبقى من تلك المدينة العظيمة قد اختفى تحت تلك الأكداس المتراكمة من التلال الرملية التي تغطي ما خلفته تلك المدينة التي يرجع تاريخها إلى العصور الوسطى".
"هنالك، حينما تهب ريح عاصفة تثير الرمال، تستطيع في أغلب الأحيان أن تلتقط بطريق الصدفة بعض قطع من الزجاج أو الفخار أو المصابيح الرومانية، والنقود والصور والنقوش التي تدون أسماء الولاة، أما المنازل وقصور الأمراء والحمامات والمدارس التي كانت في الفسطاط، فلا أثر لها".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.