حملت تصريحات الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب تجاه الأزمة السورية الكثير من التفاؤل حول احتمالية أن تشهد فترة ولايته رؤية أمريكية أكثر وضوحا عما حملته إدارة الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما، بما قد يساهم فى وضع الأزمة على طريق الحل. وكشف ترامب فى أول تصريحات له عقب انتخابه رئيسا للولايات عن أن لديه وجهة نظر مغايرة لكثير من الأشخاص حول سوريا. وقال فى لقاء خاص مع صحيفة «وول ستريت جورنال» وشبكة «سى.بي.إس» التليفزيونية الجمعة قبل الماضية، إنه يجب زيادة التركيز على محاربة تنظيم «داعش» فى سوريا بدلا من إعطاء الإطاحة بالرئيس الأسد الأولوية القصوى، قائلا «كان موقفى مما يجرى هو: أنك تقاتل سوريا، وسوريا تقاتل داعش، وعلينا التخلص من داعش. روسيا الآن منحازة تماما إلى سوريا، ولديك إيران التى أصبحت قوية بسببنا، أيضا متحالفة مع سوريا، فيما ندعم نحن الآن المتمردين ضد سوريا، وليس لدينا أى فكرة عن من هم هؤلاء الأشخاص». وتتطابق تصريحات ترامب مع تصريحاته السابقة لقناة «إم. إس. إن. بى سى» فى مايو الماضى، والتى قال فيها «لن أتدخل فى سوريا وأقوم بمحاربة الأسد. كل من إيرانوروسيا تعملان لصالح الأسد. ينبغى علينا أن نحارب داعش، الذى بدوره يقاتل ضد الأسد». ورغم ما قد تشير إليه تصريحات ترامب من مواقف ثابتة ومشجعة تجاه احتمالية تغيير متوقع فى السياسة الأمريكية تجاه الأزمة السورية، إلا أن الأمر قد يصطدم بمجموعة من العقبات، والتى يأتى على رأسها: . أولا: معضلة التعاون مع روسيا، حيث عارضت وزارة الدفاع «البنتاجون» خلال فترة ولاية الرئيس أوباما فكرة إقامة أى تعاون عسكرى ما بين واشنطنوموسكو، وهو ما كان سببا مباشرا فى فشل اتفاق «كيرى- لافروف» سبتمبر الماضى. وفى هذا السياق، نصح أشتون كارتر وزير الدفاع الأمريكى، الرئيس المنتخب دونالد ترامب، بعدم التعاون مع روسيا بشأن سوريا. وقال فى تصريحات خاصة لبرنامج «سى. بى. إس ذيس مورنينج» : «لا أنصح ترامب بربط نفسه بالعمل مع الروس، حتى يقوموا بتنفيذ الأمور الصحيحة». وأضاف أن «الروس حضروا إلى سوريا لمحاربة الإرهاب والمساعدة فى إزاحة الأسد. ولكنهم لم يقوموا بهذا ولا ذاك»، حسب زعمه. من جهة أخرى، طالب الكثير من النواب الجمهوريين فى الكونجرس مرارا، وعلى رأسهم النائب جون ماكين، بتوجيه ضربات عسكرية ضد حكومة الأسد، متهمين الرئيس أوباما بإتباع سياسة «البطة العرجاء» تجاه الأزمة، خاصة بعد التدخل الروسى الجوى سبتمبر الماضى. كما وصف بول ريان زعيم الأغلبية الجمهورية ورئيس مجلس النواب روسيا بأنها «خطر عالمى يقوده مخادع»، تعليقا على تصريحات ترامب بالتقارب مع موسكو. وإذا كان هذا هو الحال تجاه التعاون مع روسيا داخليا، فإنه وعلى المستوى الخارجى، وخاصة لدى الحلفاء الأوروبيين يبدو الأمر أكثر صعوبة، لا سيما فى ظل وجود ممانعة «فرنسية- ألمانية- بريطانية» قوية ضد استمرار ترك إدارة ملف الأزمة فى يد روسيا وحدها لأكثر من ذلك، للحد الذى دفع أورسولا فاندر لاين وزيرة الدفاع الألمانية إلى مطالبة ترامب أن يختار ما بين روسيا وحلف شمال الأطلنطى «الناتو». . ثانيا : العلاقات مع إيرانوتركيا، وهما الدولتان الإقليميتان الأكثر انخراطا فى الأزمة، ويتوقف مدى تعاونهما مع الإدارة الأمريكية الجديدة فى إيجاد حل لها أو التوصل إلى توافق للمصالح المختلفة بين الجميع على حسم ترامب لموقفه تجاه إحدى أكثر الملفات الشائكة المطروحة على مائدة إدارته المقبلة، وأهمها ملف «الاتفاق النووى»، الذى اختلفت تصريحات الرئيس المنتخب بشأنه ما قبل وبعد انتخابه، حيث هدد خلال حملته الانتخابية بإلغائه، ثم تراجع بعدها بإشارته إلى أنه ستتم مراجعته والتدقيق فيه، فى الوقت نفسه الذى اعترف فيه بدور طهران كحليف أساسى للرئيس الأسد، وضرورة عدم خوض المواجهة معها. من جانب آخر، تبدو العلاقات مع تركيا مرتبطة هى الأخرى بموقفه – ترامب - من ملف تسليم واشنطن للداعية فتح الله جولن لحكومة أنقرة ، وهو ما سينعكس بدوره على موقف الإدارة المقبلة مما يسمى ب«قوات سوريا الديمقراطية» ذات الأغلبية الكردية فى سوريا، والمدعومة من إدارة أوباما رغم اعتبار تركيا لها بأنها امتداد لمنظمة «حزب العمال الكردستانى»، مما قد يحسم الأمور من عملية الغزو التركى للشمال السورى، بحجة منع الأكراد من إقامة دولة فيدرالية خاصة بهم. كذلك، فسوف ينسحب الأمر بدوره على موقف الإدارة المقبلة من عملية تحرير «الرقة»، والتى أعلنت الإدارة الحالية عن بدئها بالاعتماد على قوات سوريا الديمقراطية، رغم ممانعة تركيا أيضا لأى دور للأكراد فيها. . ثالثا : مصير «المعارضة المعتدلة»، وهى القضية التى ربما يكون ترامب قد حسمها مبكرا بإعلانه إنه يجب على الولاياتالمتحدة قطع الدعم العسكرى عن المعارضة السورية المسلحة، خاصة بعد وصفه لها بال«مجهولة» بالنسبة له، وأن استمرار دعم واشنطن لها يضعها فى مواجهة مباشرة مع روسيا، التى لن تتخلى عن الأسد، بحسب تعبيره. إلا أنه وفى الوقت نفسه فإن الرئيس المنتخب لم يكشف بعد عن كيفية تعامل الإدارة المقبلة مع المجموعات المسلحة المحسوبة على المعارضة، والموجودة على الأرض الآن بالفعل، خاصة وأن البعض منها مشارك فى وفد الهيئة العليا للمفاوضات الممثلة للمعارضة السياسية فى مفاوضات جنيف. فهل ستتعامل الإدارة الجديدة مع مختلف الجماعات المسلحة باعتبارها «إرهابية»، ومن ثم يتوجب محاربتها مثلها مثل «داعش»؟ أم ستتبنى إحداها تحت وصف «المعتدلة» هى الأخرى؟ أم سيكون لديها البديل الجاهز لها؟ وما هو موقفها كذلك من المعارضة السياسية أيضا، والتى تدعمها عدة دول إقليمية من بينها تركيا؟ هكذا يبدو أن التغيير المنتظر من الرئيس الأمريكى المنتخب تجاه الأزمة لا يتوقف فقط على مدى ثبات تصريحاته تجاه الأزمة، بقدر مدى قدرته على القفز على العقبات أمام تطبيقها، من ثم تحويل الكلمات إلى سياسات بالفعل على أرض الواقع، خاصة وأنها لا تحمل فى مضمونها حتى الأن أى اختلاف كبير عما رفعه الرئيس المنتهية ولايته من شعارات، سواء فيما يخص داعش أو الرئيس الأسد أو التعاون مع روسيا، حيث كانت الأفعال دائما ما تأتى عكس الكلمات. كذلك فإنه على ترامب الأخذ فى الاعتبار محدودية الخيارات المتاحة أمام بلاده الآن بالنظر إلى خريطة توزيع موازين القوى والمكاسب والمصالح المتشابكة الحالية على الأرض، والتى لن يسمح أحد بإعادة توزيعها مرة أخرى فى غير صالحه، من ثم ضرورة مراعاة أى خطوة ينوى بنظرة الملياردير قبل السياسى، تلك التى ربما تكون ميزة الرئيس المنتخب.