مقتل طفل في سلسلة انفجارات طالت أحياء متفرقة في بغداد    أخبار جيدة متوقعة قريبا.. سي إن إن: اتصالات باكستانية مع مصر والسعودية بشأن التطورات الإقليمية    قطر وإسبانيا تبحثان التطورات الأمنية بالمنطقة    الكويت تدين اقتحام وتخريب قنصليتها العامة في البصرة جنوبي العراق    قوات الاحتلال تقتحم بيت فجار جنوب بيت لحم    اجتماع فبراير السري.. كواليس تجاهل ترامب للتحذيرات الاستخباراتية وبدأ حرب إيران    مصر وباكستان يبحثان آخر مستجدات الوضع الاقليمى وجهود خفض التصعيد    فخري لاكاي يتوج بجائزة رجل مباراة سيراميكا والأهلي بعد هدفه الصاروخي    أربيلوا: لا أفهم القرارات التحكيمية.. وسنفوز على بايرن ميونيخ في ملعبه    عبد الحفيظ: اتحاد الكرة يعاندنا.. وسنطالب بالتحقيق في تجاوزات الحكم ضد لاعبي الأهلي    موعد مباريات اليوم الأربعاء 8 أبريل 2026 | إنفوجراف    قطر تطبق إجازة نهاية أسبوع مطولة بالمدارس ودور الحضانة كإجراء احترازي    أعضاء ديمقراطيون بالكونجرس يدعون إلى عزل ترامب بسبب تهديداته لإيران    الأسهم الأمريكية تنهي تعاملات اليوم بمكاسب طفيفة في ظل تزايد الغموض بشأن مهلة ترامب لإيران    دياب: مكافأة التتويج بالدوري ستكون ضخمة خلال الموسم المقبل    عادل ميسي.. نوير يحقق رقما قياسيا ويفوز بجائزة رجل المباراة أمام ريال مدريد    شركة VRE Developments تطلق "Town Center 2" بمدينة الشروق باستثمارات ضخمة وتقدم نموذجًا جديدًا للمشروعات القائمة على التشغيل الفعلي    كان خارج من عزاء أخته.. السجن 15 عامًا لمتهمين اثنين و3 سنوات لثالث قتلوا مسنا في المنوفية    بعد تداول فيديو بمواقع التواصل الاجتماعي .. القبض على شخص ربط نجله وهدد زوجته بالتعدي عليه في سوهاج    نرمين الفقي تفجّر مفاجأة عن سر شبابها الدائم: لا فيلر ولا بوتوكس    المستكاوي: فهمي عمر كان له فضل كبير في اختيار اسم شهرتي    قائمة منتخب مصر لبطولة كأس العالم للخماسي الحديث 2026    الأرصاد تعلن أماكن سقوط الأمطار غدا الأربعاء    توصيل 1415 وصلة مياه شرب ب5.6 مليون جنيه للأسر الأولى فى الرعاية بسوهاج    استجابة لتوجهات الدولة.. رئيس القومى للبحوث يُصدر ضوابط حاسمة لترشيد الإنفاق    إصابة 4 أشخاص في تصادم 3 سيارات أعلى دائري الهرم    حمادة هلال يعتذر ل تامر حسني: «شيطان دخل بينا»    نشأت الديهي: تصريحات ترامب تثير قلقًا عالميًا وسط تصاعد التوتر مع إيران    جمال شعبان يوجه تحذيرا للمواطنين في شم النسيم    محافظ الإسماعيلية يكرم الأمهات المثاليات لعام 2026    ضبط لحوم منتهية الصلاحية في حملات تموينية بالإسكندرية    أبرزها وضع إطار وطني للحوكمة النووية، توصيات هامة ل مؤتمر "علوم" الأزهر    وزيرة الثقافة تبحث مع المخرجين يسري نصر الله ومجدي أحمد علي مشروع أرشيف السينما    تخفيف حكم مخدرات في المنيا من 10 سنوات إلى 3 سنوات بقرار قضائي    9 رافعات عملاقة لدعم ميناء سفاجا    توافد أهالى البحيرة على عزاء والد السيناريست محمود حمدان.. فيديو    وزيرة التضامن توفر شقة لوالد ندى المفقودة لمدة 12 عاما    وزير الصحة يبحث مع شركة سانوفي تعزيز التعاون في توطين صناعة اللقاحات ودعم الأمن الصحي    رئيس«صحة القاهرة» يعقد اجتماعآ لمديري المستشفيات لمتابعة جودة الخدمات    مدبولي: تسريع تنفيذ "حياة كريمة" رغم التحديات.. والانتهاء من آلاف المشروعات لخدمة قرى الريف المصري    متحدث البترول يكشف تفاصيل الاكتشافات الجديدة بخليج السويس والمتوسط    التحالف الوطنى فى اليوم العالمى للصحة: الحق فى الصحة أحد ركائز التنمية المستدامة    إنقاذ رضيع ابتلع 6 قطع مغناطيس دون جراحة بمستشفى الأطفال بالمنصورة    رحيل زينب السجيني.. رائدة الفن التشكيلي التي وثّقت الأمومة والإنسان في لوحاتها    «الأزهر» يواصل رسالته في إعداد الكفاءات العلمية    مصر تتحرك لمواجهة الفقر المائي، سويلم يكشف محاور الجيل الثاني لإدارة منظومة المياه 2.0، والإحصاءات تكشف أرقاما صادمة عن نصيب الفرد    استجابة ل الأهالي، تحرك عاجل لإزالة القمامة واحتواء أزمة الصرف في ميت غزال بالغربية    نظافة المدارس وانتظام حضور الطلاب.. توجيهات جديدة لمدارس الجيزة    وفد "التنسيقية" يشارك بمناقشات إعداد قانون ضوابط استخدام الأطفال لتطبيقات التواصل الاجتماعي    البيت الأبيض ينفي دراسة توجيه ضربات نووية لإيران    خالد الجندي يحذر: التنكر للزوجة ونسيان العشرة سبب رئيسي لتفكك الأسرة    أمين البحوث الإسلامية يحذر: العلم الذي يزيد المرء كبرًا وبال على صاحبه    وفاة والد المؤلف محمود حمدان.. وهذا هو موعد ومكان العزاء    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية خلال مارس الماضي.. أولوية قصوى للتعامل العاجل والفعال مع شكاوى واستغاثات وطلبات المواطنين المرتبطة بقطاع الصحة    الأكاديمية العربية تحصد المركز الأول على مستوى الجامعات المصرية في تصنيف سيماجو 2026    أيقونة العفة وسيدة نساء العالمين، ملتقى المرأة بالجامع الأزهر يستعرض سيرة السيدة "مريم"    دمياط تحتضن التصفيات الأولية للنسخة ال33 من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    بث مباشر مباراة ريال مدريد وبايرن ميونخ اليوم في دوري أبطال أوروبا.. متابعة لحظية دون تقطيع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ظلال مراوغة
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 06 - 2012


محمد جبريل:
هل تأذن لي في رواية ما لم نتبادله في رسائلنا بين بوسطن والجيزة‏,‏ تحدثنا عن محاولات الاندماج في مجتمع يختلف تماما عن المجتمع المصري‏,‏ حتي الأجناس والقوميات والسحن واللغة تختلف‏.‏ ربما أعدت- في رسائلي بعض ماذكرته من مشاهدات وحكايات يومية, اعتادت الأعين مفردات الحياة في نزلة السمان القريبة من الأهرام: البيوت القديمة, القصيرة, ذات الألوان الفاقعة, إلي جانب البنايات الحديثة, العالية, باعة القلل والأزيار, والفخاريات ذات النقوش والزخارف محال المشغولات اليدوية, المشغولات الفضية والنحاسية, التماثيل الفرعونية المقلدة, أوراق البردي المزينة بالرسوم.
يشتري الأجانب أوراق بردي خالية من الرسوم والنقوش, يتكلمون عن رسمها بأنفسهم, قالت السيدة لنظرتي المندهشة:
ستعبر الرسوم عن البيئة المصرية, لاشيء يصعب تقليده!
كان أبي يروي عن الرجل ذي القامة الضئيلة, والبشرة السمراء, والتجاعيد المحيطة بالعينين والفم, والشارب المنسدل علي الشفتين, يجول في النزلة وهو ينادي: مساخيط للبيع, يعود الناس من داخل البيوت, في أيديهم تماثيل صغيرة, يستبدل بها بضعة جنيهات ويمضي. تحت الأرض في نزلة السمان- كما تعلم- يخلو من الآثار, يبيعون التماثيل والآثار الحقيقية والمقلدة, تماثيل صغيرة, وأوعية خزفية, وأقواس, وعصي, يشترونها من قري البدرشين, عرف عن أهلها تقليد الآثار, فيصعب تمييزها عن الآثار الأصلية, اللمعة الصفراء تحت كساء الرمل المبلل تشي بالذهب, يخفون الحقيقية عن الأعين التي تسلب اللمعة نظراتها, ويخفون المقلدة عن الأعين التي يشغلها الشراء بالفعل.
تأملت فيما كتبته عن زيارتك إلي باريس, المسلة المصرية في ميدان الكونكورد. عانيت تأثرا هذا هو تعبيرك لوقوفها وحيدة في قلب ميدان الكونكورد, نحن أولي بتاريخنا.
أذكر قولك: لو أن المسلة ظلت في مصر, أو لو أننا استعدناها, فلا أحد يعرف إن كانت ستظل راقدة في الصحراء, إنهم يعرفون عن قيمة آثارنا ما لا نعرفه.
ما أعيشه في الفترة الأخيرة, في الأيام الأخيرة, يدفعني إلي إهمال الدنيا التي أكرر نقل ملامحها إليك, ما يحدث أكبر من أن أعبره بنظراتي, وأكتفي بالصمت.
فركت عيني, أتصور أني أعاني حلما سخيفا, أو لعله كابوس, واجهت نظرة عدم التصديق, وربما الاستخفاف في أعين من رويت لهم ما ألقاه, لكن توالي الأيام يطالعني بالعجب والغربة, أعجز حتي عن إبداء الدهشة, وإلقاء الأسئلة, ومحاولة التعرف إلي معني مايحدث.
الخروج من البيت عصر غالبية الأيام إلي هضبة الأهرام عادة لم أبدلها بعد أن سافرت, وظللت بمفردي. أحرص ما أمكن علي العادة اليومية, بمفردي, أو مع أصدقاء.
لم تعد رؤية الأهرامات متاحة من سطح البيت ذي الطابقين, علت البنايات المجاورة حتي أخفت هضبة الأهرامات تماما.
أنظر من حواف الهضبة إلي المدينة في أسفل, أمضي في شارع الهرم, يدركني التعب, أعود بخطوات بطيئة, أو أقف في محطة الأتوبيس.
ربما أشرت إلي سيارة سرفيس
لم يكن الجلوس أمام الأهرام من عاداتي.
الملل دفعني إلي مغادرة البيت, واختراق الشوارع الضيقة, القليلة, في نزلة السمان. طالعتني الصحراء, يتوسطها تجاور الأهرامات الثلاثة وأبوالهول, وتلال الرمال تنبسط إلي الآفاق المواجهة, وإلي السور الحجري الممتد خلفنا.
السياح الأجانب يتبعون الأدلاء في تسلق الحجارة من مواضع يعرفونها, في بالي: التوابيت, المومياوات, تماثيل الأوشابتي, نصوص الأهرام, الأواني الكانوبية, وغيرها مما تحفل به الكتب.
في امتداد الأفق, تستلقي الرمال المائلة إلي البني, والحصي, والصخور الأقرب إلي الحمرة.
لا أذكر متي فطنت إلي أن أحجار الهرم الأكبر تتناقص, لم ألحظ ماجري إلا بعد أن تناقصت الأحجار بما شد انتباهي.
لكثرة مانظرت إليه, تصورت أني أعرف صورة التفصيلات الصغيرة فيه, النتوءات والفجوات والفراغ بين الحجارة المتلاصقة, توالي المشاهدة ثبت الصورة في ذهني.
اعتدت في جلستي تحت الهرم, أمام الهرم أن أتأمل طوابق الحجارة المتناقصة من السفح إلي القمة, يعروني الملل, فأتشاغل بالعد: واحد.. اثنان.. ثلاثة... لم يعد العد في الطبقة الثانية كما هو.
عنيت في الأيام التالية بملاحظة قطع الحجارة المتناثرة أسفل الهرم: هل هي حديثة السقوط من البناء الحجري, أم أنها في موضعها قبل أن أفطن إلي غياب قطع من الحجارة؟ خمنت من الرمال المتراكمة حولها, أن كل شيء من زمن علي حاله.
في يوم لا أذكره تبينت اختفاء ثلاث قطع من حجارة الهرم, ضخمة بحيث يصعب نزعها من مواضعها.
حدست أن الأحجار سقطت بتأثير الصعود إلي قمة الهرم, يصيبني الدوار كما تعرف بالوقوف في الأماكن العالية, لا أحاول المجاراة في صعود الجسم الحجري, ربما أعاني التعب, أو أن الأمر لايعدو خداع نظر.
عدت بعد أيام, جلست في الموضع الذي ألفته, حاولت تبين التبدل الذي طرأ علي المشهد.
تكرر الأمر في يوم تال, زاد عدد قطع الحجارة المختفية بما يثير القلق, الطبقة التحتية في حجارة الهرم, تعلوها طبقة أخري أقل حجما, تعلو الطبقة الثانية طبقة ثالثة, وهكذا, إلي حيث قمة الهرم التي تطايرت حجارتها.
لم أستطع أن أفسر ما رأيت: أعرف أن عدد الكتل الحجرية التي بني منها هرم خوفو بلغ مليونين ونصف المليون كتلة حجرية, ترتفع نحو مائة وستة وأربعين مترا. الكتل الحجرية في الأهرامات الثلاثة تبلغ ثلاثين مليون كتلة حجرية, لم أتعمد النظر إلي هرم خوفو, ما رأيته بالمصادفة هو الذي اجتذبني, دفعني إلي إلحاح الزيارات اليومية, وعدم التحول إلي ما قد يصرفني عن المتابعة, أبتعد حتي عن زحام الناس ونداءاتهم ولغطهم, وإن تلفت إلي المدينة في أسفل.
أصمت عن الإجابة, وأسلم نفسي للشرود حين يفاجئني سؤال لا أتبينه جيدا.
غاب انعكاس ما رأيت في أعين الناس, هل هو ما يسمي خداع البصر؟ أو أني أعاني خبلا؟
هل سقطت الحجارة بتأثير التصدع؟
أعرف أن الكتل الحجرية تماسكت دون لاصق من أي نوع, عوامل الزمن تكفل سقوط كتل, قطع, منها, سقط الكثير بالفعل, ليس هذا هو جسم الهرم كما كان في القديم, ما أثار دهشتي أن الحجارة التي لاحظت اختفاءها لم تسقط علي الأرض, كأن يدا هائلة مضت بها إلي المجهول, كأن المجهول اختطفها.
أصحو قبل أن تظهر الشمس تماما إلي قطعة الحجر التي اخترتها موضعا, أتأمل منه بنية الهرم.
أنظر إلي الهرم كأني أراه للمرة الأولي, كأنه يختلف عن الجسم الحجري الهائل الذي يطالعني خارج البيت معظم أوقات النهار.
المسافة بعيدة بين الأهرام والموضع الذي يتاح لي الجلوس فيه, تتعدد التحذيرات والأوامر, فلا أستطيع الاقتراب, لكنني أري جيدا حتي قطع الحجارة التي تناثرت فوق الأرض, هي غير الحجارة التي ألاحظ اختفاءها, اعتدت رؤيتها من قبل أن تطول جلساتي أسفل الهرم.
نظراتي مشدودة إلي الحجارة الضخمة, المرصوصة في هيئة مثلث, أتأمل توالي الدرجات, ما نقص منها, وما أتوقع غيابه, لا أملك أدوات القياس, لكنني أملك الذاكرة والحدس والتصور, ما كان هنا لم يعد في مكانه.
من يصعد إلي الأعلي, هل يلاحظ الدرجات الناقصة؟ هل يلاحظ اختفاء قطع الحجارة؟ تعاني الأيدي والأقدام في التسلق.
فكرت في أن أسأل عسكري البوليس, شاهدته في أوقات متقاربة, ربما لاحظ مثلي اختفاء قطع حجارة الهرم, نظرته الرافضة كتمت السؤال في نفسي, فظللت صامتا.
عبدالمعطي ميرغني يعرف الكثير عن آثار المنطقة بين هضبة الهرم ونزلة السمان, والقري القريبة, والخلاء الممتد من كل الجهات.
قال:
من يستطيع نقل حجر بمفرده, أو بمساعدة آخرين؟ ألن يراه أحد؟
وحدجني بنظرة مستغربة:
سرقة الآثار حقيقة, لكن ليس حجارة الأهرام!
قال الضابط في قسم الهرم:
نحن نتلقي بلاغات كثيرة عن سرقة نقود أو أشياء نفيسة, لكننا لم نتلق بلاغا واحدا عن سرقة حجارة.
إنها ليست مجرد حجارة, حجر الهرم أثر, قيمته عالية.
مضي علي الهرم آلاف السنين, ربما سقطت الأحجار بفعل الرياح.
قد يحدث هذا في حجر أو بضعة أحجار, إذا سقطت فعلي الرمال أسفل الهرم.. لكنها تختفي تماما. عشرات الأحجار اختفت!
ورفع عينين متسائلتين:
ألا تحلم؟
أحيانا... لماذا؟
ما يعانيه المرء ينعكس في أحلامه.
وثبت نظرته المتسائلة:
ربما الحلم انعكاس لمؤامرة تشعر بأنك تواجهها.
وأدار أصابع يده حوله أذنه:
وربما المؤامرة في رأسك!
شغلني العمل أربعة أيام, وربما خمسة, أغادر نزلة السمان إلي القاهرة من الصباح حتي آخر النهار. أول ما حرصت عليه حين عدت إلي جلستي أمام الهرم أن أتفحص الموضع الذي لاحظت تناقص أحجاره, نسيت الصورة التي كان عليها, لكن المشهد لم يكن هكذا تصورت علي الهيئة التي كانت آخر رؤيتي له. هل الصورة علي حالها, أو أن الحجارة تعاني نقصا, أشعر به, وإن كان العد صعبا.
تناوشتني الحيرة: هل أنزل المدينة من ناحية مينا هاوس, أو أتجه إلي ميدان الرماية, أو أجاوز أبوالهول, أخترق الصوت والضوء, والبنايات السياحية المترامية في أسفل.
لا أذكر أين ولا متي التقطت كلام الرجل عن إزالة نزلة السمان. قال: إذا واجهت الأهرامات خطرا فهو من نزلة السمان.
نفي أبي قول الرجل إن نزلة السمان أخذت اسمها من طائر السمان. كان يأتي إلي القرية, يجد فيها مكانا رطبا يعيش فيه, قال أبي إن أبناء النزلة يتبركون بقبر ولي الله سيدي حمد السمان.
أعرف أن مريدي سيدي السمان كانوا يقيمون الأذكار في الساحة التي يتوسطها مقامه, تأتي الجماعات في مواعيدها, كل ليلة خميس في كل أسبوع, من القرية والقري والمدن القريبة البعيدة للتبرك بصاحب المقام, يحملون البيارق والرايات والدفوف والطبول, ينتظمون أمام المقام, تعلو أصواتهم بالأذكار والأحزاب والتسابيح والمدائح النبوية والصوفية. أندس في زحام الذاكرين, أهتز, وأتطوح, وأردد الإنشاد والابتهالات, يرفع الشيخ صوته إلي آخر مداه, إن أبطأوا, أو توقفوا, كي يظلوا في أذكارهم وإنشادهم وتلاوة الأوراد والأدعية.
لم يعد مقام الولي في موضعه, غابت الدائرة الحجرية, يتصاعد في وسطها عمود, نتلاصق في رؤيتنا لاحتفالات المولد, تعلو صيحات الناس بطلب الشفاعة والمدد والكرامات والتجليات. تعاركت عائلات نزلة السمان, كل ينسب لنفسه القطبية وخلافة ولي الله, أزال العساكر لدرء الخطر مقام الولي, من يؤمن بولايته عليه أن يسعي إلي ضريحه في مقابر الإمام الشافعي, المقام يتكرر في مدن أخري, كثيرة.
يتكلم الناس عن الكرامات التي جفت ينابيعها بإزالة المقام, لم يعد بوسعهم أن يحصلوا علي بركات ولي الله, حلت في موضع المقام حديقة ذات أسوار, تنعكس التأثيرات بما يصعب تصوره, أبدي ملاحظاتي, وأعيد السؤال, تصدني الردود المستخفة والمستغربة والرافضة, لا أخبرهم بالسبب, أكتمه في نفسي.
قال أبي عند تهيئه للنوم:
كان لسيدي السمان معجزاته, وكنا نلجأ إليه.
ثم وهو يطفيء النور:
هذه الأيام نلجأ إلي بيع الآثار المقلدة, كي نعيش.
لو أن سيدي السمان ظل في موضعه, ربما فسرت مكاشفاته مايثير حيرتي, وأعجز عن تفسيره.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.