بعودة سفير المملكة العربية السعودية أحمد القطان أمس واستئناف عمله اليوم بالسفارة السعودية يكون خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز قد أسدل الستار على أزمة عابرة بين المملكة الشقيقة ومصر. تلك الأزمة التى ألهبت أجواء التوتر بين البلدين خلال الأسبوعين الماضيين، وقد جاء خطاب خادم الحرمين الشريفين عقب استقباله الوفد البرلمانى المصرى برئاسة الدكتور سعد الكتاتنى ليؤكد أن التاريخ المشترك للعلاقات السعودية المصرية القائم على وحدة الدين والنصرة فى الحق ليس صفحة عابرة يمكن لأى كائن من كان أن يعبث بها بل "أولوية" لا تقبل الجدل أو المساومة عليها أو السماح لأى فعل أن يلغيها أو يهمشها. ولم يكن الملك مبالغا حينما قال "إن ما حدث فى الآونة الأخيرة من تداعيات فى العلاقة بين البلدين أمر مؤلم لكل مواطن سعودى أو مصرى شريف". لقد صدق رئيس البرلمان المصرى فى كلمته فى حضرة الملك عبدالله والتى قال فيها "إن الوفد المصرى الذى يعكس جميع طوائف الشعب ومكوناته قدموا إلى أشقائهم فى المملكة ليعبروا عن عمق العلاقة بين الشعبين، وعن تقديرهم للمملكة قيادة وحكومة وشعباً، وأن مصر لايمكن أن تنسى مواقف المملكة منذ عهد الملك فيصل رحمه الله فى حرب 73 ودعمه فى سير المعركة مع العدو الصهيونى، وأيضا مواقف الملك عبدالله مع مصر بعد ثورة 25 يناير".
أقول لمن لا يعلمون إن الشعب المصرى تربطه بشعب الآراضى الحجازية المقدسة أواصر متينة وعميقة عبر التاريخ لايمكن أن تتأثر بحادث عابر يجرى هنا أو هناك، كما لا يمكن أن تتأثر بالقبض على مواطن مصرى فى السعودية أو سعودى فى مصر، البلدان فيهما قضاء وقانون، وكل بلد لها سيادتها على أرضها وسمائها، ولا يصح التدخل هنا أو هناك إلا فى إطار الآليات الدبلوماسية المعروفة بين البلدين. كما أننا لانرضى التدخل من أحد فى شئوننا، كذلك لانقبل لأنفسنا أن نتدخل فى شئون الآخرين. أقول لمن لايعلمون أن المصالح الاستراتيجية لمصر مع المملكة أكبر بكثير مما يتخيلون، وترتبط بالمصير الواحد، بل أن أمننا القومى هناك فى المملكة وربما أبعد من ذلك.
لاشك أن القبض على هذا المواطن أو ذاك هنا أو هناك أمر تنتفض له الدولة بجميع أجهزتها المعنية، ولايمكن تجاهل مصيره وإثبات براءته إن كان بريئا ومساندته إن كان مذنباً، لكن يجب أن يتم ذلك من خلال القنوات القانونية واللجان القنصلية المصرية السعودية أو المصرية مع أى دولة أخرى، لأنه هذه القضية التى فجرت الأزمة والخاصة بالمحامى أحمد الجيزاوى لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة بطبيعة الحال، مادام هناك مصريون فى المملكة وهناك حركة سفر مستمرة للمواطنين والمخالفات واردة من الجانبين. نحن فى حاجة ماسة لتنشيط اللجان القنصلية وتفعيلها بما يمكنها من وأد الفتنة فى مهدها، وتذليل المشكلات مهما تكن حتى لا تتكرر منثل هذه الأخطاء البسيطة فالنار من مستصغر الشرر. لقد كشفت واقعة القبض على الجيزاوى عن حاجة المصريين المغتربين للتعجيل بإنشاء الهيئة المصرية لرعاية المصريين فى الخارج بصورة فورية حتى يجدوا السماندة القانونية والإنسانية التى تعجز عن توفيرها السفارات أو القنصليات بسبب إمكاناتها المالية المحدودة.
الشاهد أن هذه الحادثة رغم مرارتها ورفضنا لها والخاصة بالإعتداء على سفارة المملكة – عقب القبض على المحامى المصرى فى جدة – اسفرت عن منافع كثيرة أولها فى رأيى المتواضع تجديد دماء العلاقات المصرية السعودية، كما أنها كشفت عن عمق المحبة بين الشعبين، وهى علاقات مرنة تتفاعل مع الحدث مهما كبر أو صغر.. وفى النهاية - كما يقولون - رب ضارة نافعة. المزيد من مقالات محمود النوبى