عندما يتكلم أحد الخبراء الأمريكيين المعروفين عن نظام المرتزقة، بإعتبار أنه مقاتل سابق فى صفوف المرتزقة ويعرض تجربته، فإن ما يتحدث عنه يختلف تمام عن أى عرض لهذا النظام من جانب باحث أو محلل. والشخص الذى يزيح الستار عن عالم المرتزقة هو، شون ماكفيت، مؤلف كتاب "المرتزقة الحديثة: الجيوش الخاصة وما تعنيه للمجتمع الدولى"، وهو يعمل حاليا عضوا فى مجلس "أتلانتيك" للبحوث السياسية فى واشنطن، ويقول عن نفسه "أننى لم أكن عضوا فى وكالة المخابرات المركزية، أو فى وحدة عسكرية سرية، لكننى كنت مرتزقا بعقد مع شركة "دوينكروب الدولية"، ويضيف أن هذا الدور الذى كانوا يقومون به يوضح الكيفية التى يتم بها تنفيذ السياسة الخارجية هذه الأيام. ويقول ماكفيت أن من الواضح أن الولاياتالمتحدة مرتبطة بعقود مع شركات مسلحة لديها قدرات عسكرية عالية المستوى، وأن واشنطن إتجهت بالإهتمام ناحية هذا القطاع الخاص نظرا لأنها لا تستطيع السيطرة التامة على جميع المتطوعين فى السلك العسكرى، نظرا لأن المتطوع يختلف عن الجندى النظامى فى عدم إلتزامه التام بالقوانين العسكرية. ويصف الأشخاص الذين كانوا يقاتلون فى مناطق الحرب فى العراق بعقود مع وزارة الدفاع، بأن عددهم يصل إلى نصف عدد الجنود الأمريكيين هناك، كما أن نسبتهم فى أفغانستان وصلت إلى 70 %، ويعنى ذلك أن الأمريكيين قد يخوضون الحروب مستقبلا عن طريق أصحاب هذه العقود. وقد يرحب البعض بوجود هذه السوق العسكرية، والتى تحولت إلى صناعة لاتزال تجذب زبائن جدد يسعون لتوفير الأمن فى عالم غير آمن، بإستخدام أشخاص يؤدون مهاما مماثلة لما يقوم به المجندون. إن مقاولى النشاط العسكرى الخاص قد عادوا إلى نشاطهم من جديد بعد توقفهم لفترة، نتيجة الحكم بالسجن 30 عاما على أربعة من المرتزقة التابعين لشركة "بلاك ووتر"، والذين أدينوا بقتل 17 شخصا من المدنيين الأبرياء فى بغداد. ويقول ماكفيت فى تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أن مشاة الأسطول (المارينز) سبق أن إرتكبوا أعمالا وحشية مثل التى أدين بسببها أعضاء "بلاك ووتر"، لكن ما حدث لهم كان مجرد تحقيق داخلى، ثم إسقاط التهم الموجهة إليهم، وهو ما يعنى أن هناك إختلافا فى المعاملة، حيث تحمى وزارة الدفاع الأمريكية جنودها حتى فى حالة إرتكابهم جرائم تستحق العقاب. إن القوات الخاصة التى تنشأ بنظام المقاولين ليست جديدة، ولكنها إنتشرت الأن على نطاق واسع، لأن تكلفتها أقل كثيرا مما ينفق على الجيوش النظامية. وكانت قد جرت مناقشة فى الكونجرس عام 2008 عن الميزانية، تبين منها أن ما كان ينفق على شركة "بلاك ووتر" فى مناطق الحرب فى العراق يقل بنسبة 10 % عما ينفق على وحدة واحدة من الجيش النظامى. ويرى الخبير جون ماكفيت أن الحل لمشاكل المرتزقة، هو أن تقوم الولاياتالمتحدة والأمم المتحدة بإنشاء نظام يتم من خلاله منح رخصة لهذا العمل التعاقدى، وفرض قواعد ملزمة لابد أن تحترمها جميع الشركات حتى يمكن منحها ترخيصا بذلك. والنصيحة التى يقدمها ماكفيت، تعنى أنه لا يرفض إستمرار العمل بنظام المرتزقة، ويكشف عن إستمرار الولاياتالمتحدة فى تطبيق هذا النظام فى أى عمليات عسكرية تقوم بها خارج بلادها، وهو ما يعد إقرارا خطيرا منه بالدور الذى تقوم به المرتزقة لصالح الولاياتالمتحدة فى الخارج، لأن المرتزقة يختلفون تماما عن القوات النظامية، فهم لا إنتماء لهم لأى وطن، لكنهم يقاتلون مقابل المال. وكما ثبت من جرائمهم فى العراق وفى دول أفريقية أيضا، فإنهم لا يتقيدون بالقواعد الإنسانية التى تفرضها الإتفاقيات الدولية على الجيوش النظامية للدول.