لطالما سألت نفسي عن معني كلمة الكافر, ولكني عندما عدت إلي قواميس اللغة وجدت من معانيها الكثيرة كفر= غطي , وكفر الشيء ستره وأخفاه ويقال كفر الزارع البذر بالتراب فهو كافر, وكفر التراب ما تحته غطاه! وإذا كان الكفر عكس الإيمان: فما الذي يغطية الكافر في هذه الحالة..؟! كنت أسير في نفق للمشاة في يوم شديد البرودة في مدينة لندن عندما استرعي أنتباهي مجموعة كبيرة من الكتب موزعة علي السور أقرب إلي سور الأزبكية, وعلاقتي بالكتب هي علاقة العاشق الولهان بامرأة جميلة, فعدت بعد أن خطوت خطوات قليلة لأجد أمرا بالغ الغرابة هو أن هذه الكتب جميعا في موضوع واحد هو الإلحاد.. فها هنا مؤلفات فردريك نيتشه: هكذا تكلم زرادشت وعدو المسيح وأفول الأصنام..إلخ. وكتب فويرباخ جوهر المسيحية ورسل لماذا لست مسيحيا.. وغيرها دون أن تجد كتابا واحدا عن الإيمان أو حتي محايدا..!!. فسألت البائع: أهي مصادفة أن تدور الكتب كلها في موضوع واحد هو الإلحاد أم أن المسألة مقصودة..؟! فأجاب بهز الكتف وهو يقول:- أنا لا أدري! أنا مجرد بائع, أسأل المرأة هناك! وأشار إلي عجوز تجلس عن قرب علي كرسي صغير في قطعة شمس نادرة تحتمي بها من هذا الصقيع! وذهبت إلي المرأة لألقي عليها السؤال نفسه فأجابت بسرعة: طبعا مقصود.. فنحن لدينا جمعية لنشر الإلحاد.. من أين جئت؟ من مصر.. لا! ليس عندنا وكيل في مصر, لكن لدينا في تركيا, وفي استطاعتك أن تكون وكيلنا في مصر إذا شئت! فعدت أسألها هل لي أن أعرف أهداف جمعيتكم الموقرة قبل أن أنضم إليها؟! هل في استطاعتكم انتزاع الدين من نفوس الناس؟! لا ليس هذا من أهدافنا, ولن يكون, بل إننا لم نفكر فيه قط! إن كل ما نريده هو أن نمنع تدريس الدين للأطفال الصغار لأن ذلك عدوان صارخ علي حريتهم في التفكير, فينبغي أن يتركوا لقراءة ما يريدون إلي أن يصبحوا في السن التي يستطيعون فيها انتقاء الدين الذي يريدونه من غير ضغط ولا إكراه!! وتركتها والفكر شارد: ماذا يعني ذلك؟ حتي الذين يريدون نشر الإلحاد يعلمون تماما أن الدين مغروز في النفوس وأنه لا يمكن انتزاعه من الناس, وحرية العقيدة لا تعني سوي اختيار الدين الذي أفضله وأرضاه دون أن يعني أن أكون بلا دين!! أيعني هذا أن الدين فطري في النفس البشرية؟! يبدو ذلك! لقد جاء في القرآن الكريم آية أتخذ منها الصوفية برهانا علي وجود الله وهي وإذ أخذ ربكمنبني آدممنظهورهم ذريتهم وأشهدهم علي أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلي شهدنا!...(172- الأعراف). وأسموه الميثاق الأعظم مرة, وبرهان ألست مرة أخري! ولقد ذهب الفيلسوف الفرنسي ديكارت(1596-1650) إلي أن الله بعد أن خلق الإنسان وقع علي وجوده- وهذا هو الدافع الذي يجعل الإنسان دائم البحث عن الله! وقال فيلسوف آخر الحق أن الإنسان حيوان متدين وهذا هو التعريف الذي يناسبه أكثر من تعريف أرسطو للإنسان بأنه حيوان عاقل!. ويذهب ديكارت أيضا إلي أن الشك عند الإنسان دليل علي وجود الله, لأن الشك نقص, والناقص لا يعرف إلا بمقارنته بالكامل, وفكرة الكامل فكرة إيجابية, فكيف عرفتها أنا الموجود الناقص؟ ومن الذي وضع في داخل نفسي فكرة الكمال, لا يمكن أن أكون أنا الذي اخترعتها, لأن فاقد الشيء لا يعطيه, فلا بد أن يكون الموجود الكامل- أي الله- هو الذي غرسها, في أعماقي وكأنها علامة الصانع وتوقيعه علي ما صنع. ومعني ذلك أن التوقيع الإلهي موجود في أعماقي بطريقة فطرية. وأن الكافر هو من يحاول تغطية هذا الإيمان بطريقة ما, تماما كما يفعل الزارع عندما يغطي البذور بالتراب, لكن الإيمان في النهاية يغلب وظل الدين ملازما للإنسان خلال تطوره منذ مراحله الأولي إلي يومنا الراهن ولعل هذا هو الذي حدا ببعض الفلاسفة إلي القول بأن الإنسان حيوان متدين.. دائم التعبد.. وربما يفسر لنا ذلك قلق اليهود عندما واعد موسي ربه أربعين ليلة وتأخر علي قومه بدأت غريزة الشعور الديني تلح عليهم لما رأي الشعب أن موسي أبطأ في النزول من الجبل, اجتمع الشعب علي هارون وقالوا له: قم إصنع لنا آلهة تسير أمامنا, لأن هذا موسي الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا تعلم ماذا أصابه فقال لهم- هارون( شقيق موسي)- انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها.. وأخذها هارون وصنعها عجلا مسبوكا فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر.. ونادي هارون وقال غدا عيد الرب..( سفر الخروج الإصحاح الثاني والثلاثون عدد1-7) تريد هذه القصة علي ما فيها من سذاجة- أن تقول أن الإنسان لا يستطيع أن يصبر بدون آلهة ولو لعدة أيام..؟! ألهذا السبب عبد الإنسان أي شيء وكل شيء لأن الدافع الموجود بداخله يجعله يبحث عن الله دون أن يدري ما الذي يبحث عنه فتراه يعبده في صورة جبل أو شجرة أو نهر أو حيوان الذي قال عنه علماء الأديان أنك لن تجد حيوانا في العالم بأسره- من الجعران المصري إلي الفيل الهندي لم يكن معبودا في يوم من الأيام..!. وعندما حاولوا حصر المعبودات الدينية التي عبدها الإنسان في تاريخه الطويل وفقا لثقافته المتعددة وأحواله المعيشية فقد حصروها في ست مجموعات:- 1-المجموعة السماوية( السماء وما فيها من نجوم وكواكب.. إلخ). 2-المجموعة الأرضية( الأرض وما عليها من أشجار وأنهار وجبال).. 3-الجنس( عبادة الجسد والغريزة الجنسية بصفة عامة).. 4- الحيوان( جميع أنواع الحيوانات ثم اعتبارها رموزا). 5-الإنسان( بعد أن عبد الحيوان عاد إلي عبادة نفسه). 6-المجموعة البشرية( أو الديانات البشرية- ديانة التوحيد عند إخناتون) الديانة الزرادشتية في فارس البوذية في الهند والهندوسية في الهند- والكونفوشية والطاوية في الصين.. إلخ. حتي ظهرت الديانات السماوية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام. وسوف نكتفي في هذا المقال بالحديث عن المجموعة الأولي. وربما عدنا في مقالات قادمة إلي بقية المجموعات. ويبدو أن الإنسان بدأ أولي مراحل تدينه بتوجيه ناظرية إلي السماء, ويقول العلماء أن القمر كان من بين المعبودات الدينية التي عبدها الإنسان في مرحلة الصيد والقنص, إذ كان ينير له الغابة ليلا. ويبدو أن سليناSelene التي أيقظت أندميونEndymion بقبلة كانت إلهة القمر الأولي في أساطير اليونان وهي فتاة شابة جميلة ترتاد السماوات بعربة من الفضة الخالصة يجرها حصانان, وهي تضع علي رأسها تاجا من الذهب, وهي تحب الهدوء وتؤثر الصمت ولهذا يسميها هوراس ملكة الصمت وكان يوم الاثنين هو اليوم المخصص لعبادتها( ولايزال اسم يوم الاثنين يوحي بذلكMonday وكان من قبلMoonday أي يوم القمر). ثم حلت الشمس محل القمر سيدة علي مملكة السماء عندما أنتقلت البشرية من مراحل الصيد والقنص إلي مرحلة الزراعة والاستقرار. وكان ذلك في الأعم الأغلب في مصر الفرعونية التي صورت علي جدران المعابد قرص الشمس وينزل منه مجموعة كبيرة من الأيدي, ثم عبد الإنسان كل نجوم السماء: المريخ وعطارد, والزهرة. ومازلنا نجد بقايا من هذه الأسماء في أيام الأسبوع في اللغة الإنجليزية فيوم الأحدSunday هو اليوم المخصص لعبادة الشمس, ويوم السبتSaturday هو اليوم المخصص لعبادة زحلSaturn والثلاثاءTuesday يوم ثيوز إله الحرب( وهو كوكب المريخ) وهو في الفرنسية-Mardi أي يوم الإله مارس أو المريخ. ويوم الأربعاء في الفرنسيةMercredi يوم عطارد. ويوم الخميسJeudi أي يوم المشتري أو الإله جوبتر( كبير الآلهة عند الرومان)- وهو الاسم الذي اشتق منه اسمJeheva عند العبرانيين ومنه جاء الإله يهوه عند اليهود ولاتزال كلمة ياهو صيحة الاستغاثة عند العرب. ويوم الجمعةVendredi أي يوم فينوس( إلهة الجمال عند الرومان) وهو يوم كوكب الزهرة... وهكذا كانت السماء في فترة من تاريخ الإنسان تحتوي علي مجموعة كبيرة من المعبودات التي عبدها وقدم لها القرابين. ومازلنا حتي اليوم نتطلع إلي السماء لتهب لنا العون والمساعدة كما لو كانت مستقر الإله مع أنه أقرب إليك من حبل الوريد! ويقول الأستاذ العقاد أن هذا الترتيب ينطق علي فحوي قصة إبراهيم في القرآن: فلما جن عليه الليل رأي كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين(76) فلما رأي القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين(77) فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون.( الأنعام76-78). فالإنسان يبحث عن الله في كل مكان: في صورة شجرة, أو نهر أو جبل أو نجم أو كوكب.. إلخ مدفوعا بهذا المهماز الغريب المدفون في ظهره والذي يجعله لا يمل من السعي ويجدوه الأمل أنه سيجده بغض النظر عما يلاقيه من نصب وآلام وحيرة فهو كادح إلي ربه كدحا فملاقيه.. فلماذا يغطي البعض هذا الإيمان القابع في أعماقه؟!