بعد حبسه.. القصة الكاملة في محاكمة أحمد الطنطاوي في قضية تزوير توكيلات    رئيس الوزراء: مصر تستورد أكثر من 100 ألف طن لبن بودرة سنويا    محافظ أسوان يفتتح مشروع تطوير قاعة الفريق كمال عامر بمركز عروس النيل    مجزرة رفح.. رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي: إسرائيل تنتهك القانون الدولي    نجم بايرن ميونخ يرفض الانتقال لبرشلونة    بيراميدز يهزم الجونة ويعزز صدارته للدوري الممتاز    فاران يلمح إلى وجهته المقبلة بعد رحيله عن مانشستر يونايتد    تأجيل محاكمة المتهمين بسرقة فتاة بالإكراه لجلسة 23 يونيو    متاحة الآن.. رابط أرقام جلوس الثانوية العامة 2024 عبر موقع وزارة التعليم    16 مليونا و651 ألف طالب يشاركون بمسابقة تحدى القراءة العربى فى دورتها 8    حزب الله: استهدفنا تجمعا لجنود الاحتلال بأحد المبانى شمال شرق مستوطنة    منظمة الأغذية والزراعة: مصر العاشر عالميا في إنتاج زيت الزيتون    هيئة الرقابة المالية: اعتماد صندوق تأمين العاملين بشركة مصر للأسواق الحرة    في عامه ال 19.. المدير التنفيذي لبنك الطعام: صك الأضحية باب فرحة الملايين    المدعية العامة العسكرية الإسرائيلية: الغارة الجوية الأخيرة على رفح خطيرة للغاية    تفاصيل اجتماع وزير الداخلية ونظيره الفلسطيني    42 حزبا سياسيا: مناقشة الحوار الوطنى العدوان الإسرائيلي على رفح يؤكد اصطفاف الجميع خلف القيادة السياسية    جامعة كفر الشيخ تفوز بالمركز الأول ب النسخة 12 لمهرجان إبداع ب الدوري الثقافي المعلوماتي    تقارير: ثلاثي تحت حماية موتا في يوفنتوس    فيتو تكشف في عددها الجديد، صحة المصريين.. خط أحمر    محافظ كفرالشيخ يتفقد أعمال تطوير وتوسعة شارع صلاح سالم بعاصمة المحافظة    توقعات بمواعيد مختلفة لعيد الأضحى 2024 في العالم الإسلامي    حبس مدير أعمال الراحل حلمي بكر 3 سنوات وكفالة 50 ألف جنيه.. فيديو    رئيس "أميدا": نعتزم تدشين مركز استراتيجي في مصر لحفظ بيانات الدول الأعضاء    المراكز التكنولوجية بالشرقية تستقبل 11 ألف طلب تصالح في مخالفات البناء    كسر بالكتف والقدم.. وفاء عامر تكشف تفاصيل تعرضها لحادث خطير    يسرا: الفنانة الراحلة فاتن حمامة امرأة استثنائية بمعنى الكلمة    قص الأظافر ووضع المعطرات.. دار الإفتاء تحذر الحجاج من ارتكاب هذه الأفعال    حياة كريمة.. تقديم خدمات طبية مجانية لأهالى بيلا فى كفر الشيخ    حياة كريمة.. قافلة طبية شاملة لأهالى قرية "الشهيد الخيري" بالقنطرة غرب    لأصحاب الرجيم.. طريقة تحضير بيتزا توست بالفلفل الرومي    بدء الفعاليات التمهيدية للترويج لافتتاح النسخة الرابعة لحملة «مانحي أمل» في مصر    "متنورش العالي".. صبري فواز يكشف عن نصيحة لطفي لبيب له    إسكان البرلمان توصي بتشكيل لجنة لمعاينة مشروع الصرف الصحي في الجيزة    قرارات جديدة بكلية الحقوق جامعة عين شمس 2024    سموحة يغلق ملف الدوري «مؤقتاً» ويستعد لمواجهة لافيينا فى كأس مصر غدًا    بالصور: ياسر سليمان يطرب جمهوره بأغاني محمد رشدي على مسرح الجمهورية    رفع الرايات الحمراء على شواطئ غرب الإسكندرية بسبب ارتفاع الأمواج    «الشيوخ» يناقش سياسة الحكومة بشأن حفظ مال الوقف وتنميته    يغسل الذنوب.. تعرف على فوائد أداء مناسك الحج    وزير الرياضة يُشيد بنتائج التايكوندو في الألعاب الأوروبية ورفع الأثقال ببطولة العالم    وزير الإعلام البحرينى: العلاقات بين مصر والبحرين تتميز بخصوصية فريدة    إعصار مدمر يضرب الهند وبنجلاديش.. مشاهد صادمة (فيديو)    «الداخلية»: تنظيم حملة للتبرع بالدم بقطاع الأمن المركزي    أكثر من ألفي شخص دفنوا أحياء جراء الانهيار الأرضي في بابوا غينيا الجديدة    وزير الإسكان يتابع مشروعات تجديد أحياء القاهرة الإسلامية والفاطمية بالقاهرة    رئيس لجنة الشئون الخارجية بالكونجرس الأمريكي: ملتزمون بدعم تايوان على جميع المستويات    بينهم مصر.. زعماء 4 دول عربية يزورون الصين هذا الأسبوع    ضبط لصوص سرقوا دولارات من تجار بالسوق السوداء    وزير الصحة يدعو دول إقليم شرق المتوسط إلى دراسة أكثر تعمقا بشأن مفاوضات معاهدة الأوبئة    موعد وقفة عرفات 2024 وأهمية صيام يوم عرفة    لليوم الثاني.. تجهيز 200 شاحنة تمهيدا لإدخالها إلى قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم    تحرير 1365 مخالفة للممتنعين عن تركيب الملصق الإلكتروني    جامعة القاهرة تحصد 22 جائزة فى المجالات الأدبية والعلمية بمهرجان إبداع    سيد معوض ينصح الأهلي برفع جودة المحترفين قبل كأس العالم 2025    هل حج الزوج من مال زوجته جائز؟.. دار الإفتاء تجيب (فيديو)    كولر: لم أستطع الفوز على صنداونز.. لا أحب لقب "جدي".. والجماهير تطالبني بال13    متى عيد الأضحى 2024 العد التنازلي| أفضل الأعمال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل المسلمون فى مصر مضطهدون؟!
نشر في روزاليوسف الأسبوعية يوم 20 - 03 - 2010


- مضطهدين..
- مضطهدين إيه يا شيخ جاد.. ده احنا اللى مضطهدين..
- ده احنا كل ما نبنى جامع.. يبنوا قدامه كنيسة..
- وثلاثة أرباع فلوس البلد معاهم.. هما سايبين شغلانة.. مبيشتغلوهاش..
- على رأيك: مديرين بنوك ورؤساء مجالس إدارة شركات استثمارية كبيرة.. كلهم مسيحيين..
- طيب إنت عمرك شفت شحات مسيحى؟!
جاءت الكلمات السابقة ضمن سيناريو فيلم «حسن ومرقص» للمبدع السيناريست يوسف معاطى وبطولة الفنان القدير عادل إمام، وهى الكلمات التى عبر من خلالها الفيلم عن الظاهرة التى بدأت فى المقولة تتردد كثيرا مؤخرا حول اضطهاد المسلمين فى مصر!
أعتقد أن بداية تسريب مفهوم «اضطهاد» المسلمين فى مقابل «استقواء» المسيحيين.. قد ظهر عقب التوتر الطائفى الشهير المعروف إعلاميا بقضية وفاء قسطنطين «زوجة الكاهن».. من خلال البعض من رموز التيار الإسلامى بداية من مقالات المستشار طارق البشرى، ومرورا بتصريحات د. محمد سليم العوا، وصولا إلى كتابات فهمى هويدى، بالإضافة إلى بعض الكتابات المحسوبة بشكل أو بآخر على تيار الإسلام السياسى، مثل مقالات كل من: عبدالوهاب عدس ومحمد عباس.
وأود هنا أن أسجل ملاحظة أولية، وهى أن كتابات المستشار طارق البشرى فى المقالات المذكورة وتصريحات د. محمد سليم العوا تحديدا حينذاك لم تذكر تعبير «اضطهاد المسلمين» بقدر ما تم استخدام التعبيرات التى تؤكد على استقواء الكنيسة، وهو ما تناوله البعض على أنه «استقواء» الأقباط، ثم تطور الأمر إلى ترديد مفهوم «اضطهاد المسلمين»، وسوف تحمل السطور المقبلة بعض العبارات والأفكار الموثقة على ما سبق.. وذات الدلالة فى هذا الموضوع، والبداية مع المستشار طارق البشرى فى المقالات التى كتبها بجريدة «الأسبوع» فى: 10 يناير 2005 «العدد 408» و7 فبراير 2005 «العدد 411»، وعلى سبيل المثال:
- «دولة مستبدة وذات سلطات طليقة فيما تمارسه على مواطنيها من هيمنة وجبروت.. وعنت.. فأعطت جزءا من استبدادها لهيئة خاصة هى الإدارة الكنسية القبطية الأرثوذكسية لتمارسه على من يتبعونها استبدادا بهم وطغيانا».
- «انحسرت فيها سيادة الدولة عن بعض رعاياها وبعض أقاليمها».
- «والعجيب أن الدولة تتعامل مع الكنيسة بعلاقة ندية.. لا علاقة حاكم بمواطنين، وأن الدولة بتسليمها مواطنين للإدارة الكنسية إنما تتورط فى تأكيد أن ثمة ندية فى العلاقة». وإذا كان المستشار طارق البشرى قد عبر عن أفكاره ومواقفه من منطلق دراسة موقف الكنيسة وتحليله بغض النظر عن الاتفاق والاختلاف مع ما يطرحه، فإن عبدالوهاب عدس ومحمد عباس قد استخدما قاعدة «دس السم فى العسل»، لإحداث شرخ فى العلاقات بين المسيحيين والمسلمين فى مصر من خلال «خدعة» وهمية بتسطيح المواقف والتوترات لدرجة «البلاهة». كتب عبدالوهاب عدس يوم الخميس 18 فبراير 2010 فى العدد الأسبوعى بجريدة «الجمهورية» تحت عنوان «مظاهرات المسيحيين فى التحرير.. خطر»:
- «.. قاموا ببناء أكبر عدد من الكنائس.. خلال العشرين سنة الماضية.. بما يفوق كل تاريخهم.. وإذا قارنا بين عدد الكنائس فى مصر.. وعدد المسيحيين.. فإننا لابد أن نتوقف ونتأمل.. لماذا يطالبون ببناء المزيد؟ وهل يريدون كنيسة لكل مسيحى»؟!
- «لا أجد أى مبرر أمام الإخوة الأقباط فى ادعاء الاضطهاد.. لأنهم مميزون فى كل شىء حتى فى أقسام الشرطة.. فى كل خلاف.. فإن الانحياز دائما للأقباط حتى لو كان ذلك على حساب حق المسلم».
- «ولابد أن نعترف أن بعض القيادات الكنسية.. قامت بدور مؤثر فى تغذية وتنمية الشعور لدى المسيحيين بأنهم من المضطهدين.. وربما كان هدفهم الحقيقى هو تقوية الكنيسة.. وبذلك تصبح الكنيسة الملجأ والحصن بدلا من الدولة».
- «فإن فى أيديهم مكاسب أكثر من أى وقت مضى.. وإذا لم ينتبهوا.. فإن الخسارة سوف تكون للجميع مسلمين ومسيحيين».
أما الأكثر «فجاجة» فهو ما يكتبه محمد عباس.. البطل الرئيسى الذى تسبب فى تجميد حزب العمل منذ سنة 2000 وإلى الآن من خلال الأزمة التى تسبب فيها بسبب ما كتبه عن رواية «وليمة لأعشاب البحر»، حيث تسبب فى اتهام الحزب بأنه ضد العقلانية ومع التكفير بعد أن كتب مقالا بجريدة «الشعب» فى يوم 28 أبريل سنة 2000 بعنوان: «من يبايعنى على الموت»، وكان المقال بمثابة منشور تحريضى على القتل بعد أن أخرج الجميع من الملة والدين بسبب رواية «وليمة لأعشاب البحر»، وزاد على ذلك بكتابة سلسلة من المقالات يكفر فيها مجموعة من الكتاب والشعراء من خلال «مانشيتات» ضخمة نشرتها جريدة «الشعب»، مثل: «إلى شعب مصر اغضب فى الله»، ودعا الرئيس المصرى وشيخ الأزهر والمفتى إلى إقامة الحد على من وصفهم: «الفاجر ابن الفاجر، والفاسق ابن الفاسق، والكافر ابن الكفار.. مؤلفا وناشرا ووزارة»، وهو ما أثار طلاب جامعة الأزهر، فاندلعت المظاهرات حينذاك.
الطريف فى الأمر أن محمد عباس لايزال بين الحين والآخر، يثير العديد من الأزمات الوطنية على غرار ما كتبه مؤخرا بمجلة «المختار الإسلامى» «15 فبراير 2010- العدد 331» تحت عنوان: «نعم.. نحن نظلم النصارى! وهو يحمل أفكارا.. تمثل نموذجا للتحريض الطائفى والوطنى بدون معالجة موضوعية لقضية العلاقات بين أبناء هذا الوطن.. مسيحيين ومسلمين، ومن عباراته الفجة:
- ظلمنا للنصارى إذن ليس لغزا.. لقد ظلمناهم حين لم نردهم عن ظلمهم! ظلمناهم حين تركناهم يصدقون أن التسامح ضعف وأن الكرم خضوع وأن الأريحية خنوع وأن المسلمين يقيدهم الدين.
- إن الحكومة التى انحازت للنصارى فى كل شىء وظلمت المسلمين فى كل شىء لا تتورع أن تكمل انحيازها للنصارى بإصدار قانون دور العبادة الموحد، لكنهم يخشون رد فعل المسلمين. - كما أن ثلاثة من أقباط مصر على لائحة أغنى أغنياء العالم.. فى حين خلت القائمة من أى مصرى مسلم.
- ترى كم هى نسبة الأقباط فى الأمية وفى سكنى المقابر وفى البطالة، وفى المعتقلات وفى المقتولين من التعذيب؟ وكم نسبتهم فى الجامعات، كم نسبتهم فى أصحاب البلايين وكم نسبتهم فى أصحاب الملايين؟ كم نسبة سكان القبور وسكان القصور من المسلمين والنصارى؟!
- هل من حق المسلمين أن يطالبوا حكوماتهم بمساواة المساجد بالكنائس، وجعلها قلاعا لا يعرف أحد ماذا يجرى فيها، وبتمكين كل مسجد من إنشاء فرقته المسرحية وإصدار صحيفته؟!
- أى تمثيل نسبى وأى حقوق؟.. والمسلمون يتمنون المساواة بالأقباط على جميع المستويات.
- وليذكر لى البابا أو أى واحد من الأقباط أقلية مدللة كما يدلل الأقباط فى مصر.. بل هاتوا لى أقلية مسلمة تتمتع بمعشار ما يتمتع به الأقباط فى مصر.
- أسأله «أى البابا شنودة الثالث» ألا يخشى أن ينفد صبر المسلمين الذى يبدو فعلا بلا حدود؟!
- ظلمنا النصارى حين راحت أجهزة الدولة تحابيهم على حساب المسلمين، وحين تكفلت بحماية رواد الحانات وتهديد رواد المساجد، وحين تركت بعض النصارى يرتكبون الجرائم.. ولا تجرؤ على مواجهتهم، وحين يجاملهم الجهاز الأمنى ويترك لهم الحبل على غاربه، وحين راح الطاغوت يدمر روح الأمة.
ولقد رأت الدولة أن الإسلام هو الخطر الأكبر الكفيل بمقاومة ظلمها وطغيانها وإزاحتها من على عرش الطغيان.
إنها مجرد أمثلة على سبيل المثال وليس الحصر من عبارات محمد عباس طبيب الأشعة الذى احترف تأجيج مناخ «التطييف» داخل المجتمع.
من الواضح أن البعض قد استغل ما سبق بشكل مراوغ للرد على كل من يتكلم عن هموم المواطنين المسيحيين المصريين ومشاكلهم سواء فى سياق المجتمع والدولة، أو فى سياق مغاير باستخدام التصعيد الإعلامى بالحديث عن «الاضطهاد المنظم لأقباط مصر».. من خلال منطق «تعويم» المشاكل بتعبيرات عامة لا محل لها من الإعراب، مما تسبب فى عدم وجود حلول حقيقية ومنطقية وقانونية على غرار أن «المصريين كلهم مضطهدون»، أو من خلال تشدد البعض فى الحديث عن «اضطهاد المسلمين» عند كل مرة يتم فيها التوجه نحو حسم ملف التوترات الطائفية من خلال حلول عادلة تحت مظلة التطبيق العملى للدستور والقانون.
من الواضح أيضا.. أن ما كتبته على صفحات مجلة «روزاليوسف» فى 14 نوفمبر 2009 يتأكد تدريجيا حيث كتبت أن المتطرفين دينيا سواء على المستوى المسيحى أو المستوى الإسلامى.. دائما ما يتحدون فى مساحة مشتركة ضد صحيح الدينين ومبادئهما، ويترتب على ذلك تحولهم ليصبحوا ضد المجتمع وضد الوطن، بل ضد الدين نفسه، ولقد اختلف معى العديد من الأصدقاء مؤكدين أن المتطرفين دينيا هم على طرفى النقيض من بعضهما البعض، ولكن تثبت الأيام صحة ما ذهبت إليه.. وما سبق حول الحديث عن (اضطهاد) المسلمين فى مقابل من يقول ب(اضطهاد) المسيحيين هو نموذج للتوازن السياسى الموجه والمصطنع لتأجيج المناخ الطائفى فى المجتمع المصرى.
من الملاحظ فى الكتابات السابقة، أنها كلها تعبيرات تشير بشكل أو بآخر إلى ضخامة ما وصلت إليه الكنيسة فى مقابل (تقزيم الدولة)، وأظن أن هذه العبارات تثير العديد من التداعيات على غرار الاختزال المخل للأقباط وكأنهم قطيع يسير طبقا للإرادة الكنسية بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها من جانب، وكأنه قد حدث تآكل للدولة فى أمنها الداخلى للدرجة التى أوكلت فيها الكنيسة للقيام ببعض مهامها ومسئولياتها من جانب آخر، وهو طرح لا يحتاج للتعليق والتحليل بقدر ما يحتاج للتوقف أمامه لما يمكن أن يثيره هذا الطرح من لغط فكرى يجعل من رجل الشارع العادى (قنبلة موقوتة) قابلة للتفجير فى أى وقت ضد المواطن المسيحى المصرى.. لما فيه من دلالة استفزاز.
ومن هذا المنطلق، أود أن أسجل بعض الملاحظات السريعة، وهى:
أولا: لا يشغلنى هنا التعليق على مسألة بناء الكنائس بما يفوق تاريخ المسيحيين المصريين الذى هو تاريخ مصر، بقدر ما أتعجب من تلك اللغة الطائفية البغيضة التى تتعامل مع مسيحيى مصر.. وكأنهم درجة ثانية. وما تحمله الكلمات وكأن بناء الكنائس هو بناء منشآت حربية، وليست دور عبادة من أجل الصلاة، وهو ما جعل (قضية بناء الكنائس) من أكثر القضايا استغلالا فى الحديث عن اضطهاد المسلمين.. وبمعنى آخر، نجد أن الحديث عن مشكلات بناء الكنائس.. يتم الرد عليه من خلال ما يحدث من تأميم للمساجد بضمها لوزارة الأوقاف، وغلقها وعدم فتحها سوى أثناء توقيت الصلاة فقط، وهو طرح تجاهل لجوء الدولة لهذا الأسلوب بإغلاق المساجد بعد أن استخدمها المتشددون والمتطرفون لنشر أفكارهم الهدامة للمجتمع وللوطن، وأحيانا يلجأ بعضهم للحديث عن (اتساع) الكنائس فى مقابل (ضيق) المساجد.
وأعتقد أن الأسوأ من النموذج السابق هو ما يتردد فى كتابات البعض أنه يجب أن يكون بناء الكنائس أو المساجد طبقا لتعداد المسيحيين والمسلمين فى مصر وهو ما يعنى استخدام لعبة «الأرقام» التى تعنى الأقلية العددية أو الأغلبية العددية.. وهو قول حق يراد به باطل.. لأنه يتعامل بمنطق تقسيم المجتمع، وهو ضد المواطنة فى جميع أحواله.. لما يمكن أن يترتب عليه من تجاهل حقوق بعض المواطنين بحجة أنهم فئة قليلة فى شكل من أشكال انتزاع حق تلك الفئة عند المجتمع وعند الدولة،.
ثانيا: إن النغمة المنتشرة الآن بأن ثلث الثروة أو أكثر أو أقل مع رجال الأعمال من المسيحيين المصريين هو حديث طائفى بغيض.. لأنه يترجم مجهود العمل والاستثمار إلى مكاسب طائفية ضيقة فى صيغة لتضخيم الدور الاقتصادى للأقباط فى مقابل التهوين من مشكلات التوترات الطائفية وتداعياتها خاصة أن استخدام مفهوم الثروة الشخصية لمواطنين محددين من أجل تأكيد العدالة وحقوق المواطنة للمواطنين المسيحيين المصريين هو نوع من الخلط المخل بين المكاسب الاقتصادية التى تعتمد على اقتصاد السوق، وبين الحقوق الوطنية التى تفرضها قوانين الدولة .
ثالثا: إن الافتراض الوهمى الذى ليس له أساس من الصحة حول اتهام الدولة أو الأجهزة الأمنية بأنها متحيزة هو اتهام يتم تضخيمه وترويجه لصالح المتشددين من الطرفين (المسيحى والإسلامى) لأنه لا يمكن أن تكون أجهزة الدولة طائفية أو متواطئة مع طرف مصرى ضد طرف مصرى ثان لمجرد اختلاف ديانته، ورغم كل الملاحظات عليها.. فهى الحصن ضد الطائفية التى لا يمكن أن ننكر فى الوقت نفسه أن التجاوزات التى تحدث هى توجهات فردية من البعض من الطرفين وليست توجها مؤسسيا من الدولة.. وتفاقم المشكلة يحدث عندما يتصادف أن يكون أحد تلك الأطراف فى موقع المسئولية واتخاذ القرار. وأعتقد أنه لا يمكن أن ندلل على (اضطهاد) المسلمين بقياس نسبة المعتقلين والمسجونين المسلمين بأقرانهم المسيحيين.. لأن السجن هو نهاية المطاف للخارجين على القانون والأشرار، ليس حصريا على المسلمين فقط..
رابعا: من الواضح أن التوجه نحو استخدام الثنائيات فى الطرح السابق يهدف بالدرجة الأولى إلى «تسطيح» التعامل مع التوترات الطائفية «وتعويم» المسئولية وتشتيتها، فنجد: استقواء الأقباط فى مقابل اضطهاد المسلمين، والثروة الاقتصادية فى مقابل حقوق المواطنة، وبناء الكنائس فى مقابل تأميم المساجد، والأقلية القبطية المدللة والأغلبية المسلمة المضطهدة.. وهى ثنائيات يتم توظيفها بشكل كبير لتأجيج مناخ التوتر الطائفى، كما أن المدقق فى هذه الثنائيات لا يجد أنها متقابلة ومتباينة بقدر ما هى متكاملة ومتلازمة لتصوير الأمر فى نهاية المشهد على أنه لا يوجد مشاكل أو هموم للمسيحيين المصريين فى إطار السياق الاجتماعى المميز لهم اقتصاديا، فضلا عن استخدام بعض التعبيرات، مثل: الأقباط أقلية مدللة، والدولة ترى أن الإسلام هو الخطر الأكبر.. لترسيخ حالة من العداء بين المواطن المسيحى المصرى والمواطن المصرى المسلم من جانب ورسم ملامح فجوة بين المواطن المصرى المسلم والدولة المصرية.. هو نوع من «البلاهة» الفكرية و«السذاجة» السياسية التى يجب الالتفات إليها.
؟؟
أتصور أن الطرح الذى يؤكد على (اضطهاد) المسلمين فى مقابل (اضطهاد) المسيحيين.. هو طرح لا يفرق بين المشاكل والهموم بأقصى درجاتها وبين الاضطهاد بدرجاته المتفاوتة، وهو الخلط الذى يقصد به مروجوه أن يكون هناك نوع من الضغط العاطفى والوجدانى على الشارع المصرى لكسب تأييده فى ظل حالة الفوضى والعشوائية والغوغائية الموجودة فيه من جهة، وعلى الدولة المصرية بالتشكيك فى قدرتها على حماية أبنائها والحفاظ على حقوقهم بدون أى انتهاك أو انتقاص أو بتضخيم دور المؤسسة الدينية فى مقابل «تقزيم» دور الدولة من جهة أخرى.
لقد تحالف المتطرفون فكريا والمتشددون دينيا من الطرفين ضد هذا الوطن الذى أصبح هدفا لهم لتحقيق مصالحهم الشخصية وأهدافهم التخريبية من خلال «تسريب» الأفكار التى تستهدف «زعزعة» كل مواطن يعتز بمصريته بدون استثناء وتشكيكه فى وطنه.
يتناسى الجميع.. إن مصر هى أكبر من المؤسسة الدينية «المسيحية والإسلامية» وهى القاعدة التى لا يمكن النقاش فيها ولا محل للجدل حولها من أى طرف.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.