بدء الجلسة العامة للبرلمان.. وعبدالعال يكلف برفع البصمة بعد 20 دقيقة    نصر تبحث مع "الصناعات النسيجية" تطوير المنطقة الحرة بالمنيا    المركزي يعلن ارتفاع الدين الداخلي إلى 3.61 تريليون جنيه بنهاية يونيو الماضي    1.4 تريليون جنيه قروض الجهاز المصرفي بنهاية يوليو    استقرار أسعار العملات الأجنبية والدولار الأمريكي ب 17.69 جنيها    خالد فهمي يستعرض خطط البيئة وتحدياتها    سعر الدولار اليوم الثلاثاء 24-10-2017 فى البنوك    أسعار الأسماك اليوم الثلاثاء 24-10-2017 في الأسواق والمحلات    غدا.. بعثة تجارية مصري تبدأ أعمالها بغانا    السيسي ل(لوفيجارو): علاقتنا مع فرنسا ازدادت قوة    الحزب الشيوعي الصيني يختتم أعماله بانتخاب لجنته المركزية لمدة 5 سنوات    قراصنة يختطفون 6 من طاقم سفينة شحن ألمانية قبالة سواحل نيجيريا    بريطانيا ترسل قواتها لحماية المقرات العراقية مع بدء سقوط «داعش»    وزير العدل الإسباني: لا يمكن حل الأزمة بكتالونيا من خلال الانتخابات فقط    سيؤول وفرنسا تتفقان على تشديد العقوبات ضد بيونج يانج    البدرى ماذا قال لمرتضى منصور عندما عرض عليه تدريب الزمالك    الأهلي يتواصل مع الوداد لترتيب استقباله قبل ذهاب نهائي إفريقيا    طاقم حكام مباريات الأهلي والوداد يصل القاهرة الخميس    النصر السعودي ينافس الزمالك لضم مهاجم صن داونز    نبيه: كوبر يريد تجربة بعض اللاعبين الجدد أمام الإمارات وغانا    الأهلي يُطيح بالفرنسي «فيلود» من تدريب النجم الساحلي    وزير الرياضة "في ورطة" بعد خطاب الفيفا ل"الجبلاية"    مواعيد مباريات الثلاثاء - أرسنال في كأس الرابطة وبرشلونة يواجه ريال مورسيا    حبس حلاق لقتله سائق خلال فض مشاجرة بالمنوفية    توقف حركة المرور أعلى الدائري.. والسبب    أوتوبيسات ذكية لأول مرة بالقاهرة نهاية الشهر القادم    حبس عاطل بتهمة سرقة 7 شقق سكنية في مدينة نصر    ضبط 5 آلاف تذكرة هيروين بحوزة عاطل في المنيا    المتحدث العسكري: ضبط 4 سيارات محملة ب3 ملايين قرص مخدر    بالفيديو.. الأرصاد: طقس معتدل والقاهرة تسجل 29 درجة    مهرجان فقير ومرتبك    الحارة الشعبية في أفلام نصف العام    ماجد المصري: أنتهي من تصوير"الطوفان" الأسبوع المقبل    افتتاح أسبوع الثقافة التونسي ومعرض الكتاب الثالث في الأقصر (صور)    نهال عنبر تنتهي من «الوتر» خلال نوفمبر المقبل    إنسان آلي يساعد مرضى التوحد في العمل    مستشار المفتي يوضح حكم أداء السنن القبلية بعد صلاة الفريضة    ما هو ثواب صلاة الضحى؟    كيفية قضاء الصلوات الفائتة؟    أمور هامة يجب القيام بها ل"الحصول" على صحة جيدة    القمة المصرية الفرنسية    قبل بيعها في السوق السوداء.. أمن قنا يضبط 95 طنا من الدقيق البلدي المدعم    إجراءات امريكية ضد الجيش البورمي بسبب أزمة الروهينجا    صنعاء: الأوضاع في اليمن لن تستقر طالما استمرت إيرأن في دعم المليشيا بالسلاح    دراسة تشير إلى إمكانية وجود علاقة بين ضربات القلب ومشاكل الغدة الدرقية    علماء: تفعيل خلايا المناعة يؤدي إلى تغييرات سلوكية    أحمد سعد يصلي قيام الليل في أول ظهور بعد زواجه من سمية الخشاب    عضو ب"الصيادلة": إلغاء البوكسات دون مشاركة النقابة يثير الشك حول أهدافه    محمد الشرنوبي يحيي حفلا فنيا مع عمر خيرت بالأوبرا 13 نوفمبر المقبل    "المحافظين": الأحزاب تواجه الإرهاب بالتشريعات القانونية    رئيس"التنظيم والإدارة":وجدنا عائلات كاملة معينين كموظفين بمؤسسة واحدة    وزير الأوقاف عن حبس الشيخ "ميزو": القانون قال كلمته    الخبراء بعد التأجيل المفاجئ.. للمدارس اليابانية:    توفيت إلي رحمة الله تعالي    نظرة إستراتيجية    التشريعية توافق على تعديل قانون محاكم الأسرة    خالد الجندي: الموت مخلوق وسيُذبح يوم القيامة    تحديث نظام التأمين وأبراج مراقبة السد العالى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





جابريل جارسيا ماركيز سيرة حياة
نشر في نقطة ضوء يوم 04 - 01 - 2010

صدرت أول سيرة ذاتية كاملة وموثقة للحائز على جائزة نوبل 1982، "جابرييل جارسيا ماركيز" أشهر روائي عالمي في الخمسين سنة الأخيرة، كتبها "جيرالد مارتين"، في حوالي 650 صفحة عن دار نشر "كنوبف".
وقد استمر "جيرالد مارتين" لمدة عقدين من الزمان في البحث والكتابة للسيرة الذاتية لماركيز، وقضى ساعات طويلة في مناقشات مع جابرييل جارسيا ماركيز نفسه، وقابل أيضاً أكثر من ثلاثمائة من الأشخاص الآخرين ممن عرفوا ماركيز، من بينهم زوجة ماركيز نفسه وأبنائه وأحفاده ووكلاء الأعمال والمترجمين، والكُتاب كارلوس فوينتس وماريو بارجاس يوسا وألفيرا ميوتس وغيرهم. وقابل أيضاً من الشخصيات السياسية فيديل كاسترو وفيليب جونزاليس، وكذلك أصدقاءه المقربين، وقابل أيضاً من يعتبرون أنفسهم خصوماً له. وكانت النتيجة هي انبعاث كل من الكاتب والإنسان.
إن قصة جارسيا ماركيز هي قصة مميزة. وُلِد في سنة 1927، ورباه جداه وحفنة من خالاته وعماته في مدينة عتيقة هادئة في كولومبيا، حيث شب الولد الذكي وأصبح شاباً متحفظاً. عمل في البداية صحفياً على نطاق إقليمي، وبعد ذلك كمراسل خارجي، ثم لتتوارى سنوات الغموض وتنجلي الصورة عند عمر الأربعين حينما أصدر رواية بعنوان مائة عام من العزلة. وفي خلال شهور، حاز الكتاب على درجة مدهشة من الإعجاب، ووُصف الكاتب في معرض الثناء عليه على أنه جاء بنموذج يحتذى به للأدب الجديد: الواقعية السحرية. وبعد ثمان سنوات، في سنة 1975، أصدر "خريف البطريرك"، وفي سنة 1981 "قصة موت معلن". وأستُقبِلت كلها بحفاوة وانتشاء من كل من النقاد والقراء بالقدر نفسه. ومع قراءة كتبه من الملايين في شتى أرجاء العالم أصبح رجلاً ثرياً وصاحب نفوذ. إلا أنه مع كل هذه الشهرة لم يفقد ارتباطه بالجذور: وعلى الرغم من أنه عاش خارج كولومبيا منذ سنة 1955 في برشلونة ومكسيكو سيتي وباريس إلا أن جائزة نوبل التي فاز بها احتفل بها الكولومبيون في كل مسيرات الحياة ممن اعتقدوا ومازالوا يعتقدون أن "جابو" يخصهم بصفة أساسية. وأعقبها روايات "الحب في زمن الكوليرا" و"الجنرال في متاهته" وذكريات عاهراتي الحزينات" وخلاف الروايات (قصة ملاح السفينة المحطمة، وأخبار الاختطاف، وعشت لأحكي). لكن شهرة ماركيز وعاطفيته استمرتا في الاندماج وفي التوهج بالمثل، لا يكل من إثارة الفعاليات السياسية والاجتماعية الباعثة على الجدل.
وعلى الرغم من تسجيله لخصوصيات الحياة، إلا أن "مارتين" يتمعن في القضايا الأكبر: التوتر فيما بين الاحتفال بجارسيا ماركيز وبحثه عن الجودة الأدبية، وبين سياسته وكتابته؛ خداع السلطة والعزلة والحب. إنه يستكشف التناقض فيما بين زخم خلفية الكاتب الكاريبي والفاشستية في "بوجودا" العليا، ويبين لنا كيف ظهرت هذه الفروق في كتابته في كل شكل اتخذه من أشكال حياته. إنه يستكشف الخبرة والتصورات الظاهرة أو الكامنة في روايات جارسيا ماركيز، ويفحص مبررات الكاتب ورد فعل العامة لتحوله بعيداً في الثمانينيات عن الواقعية السحرية التي قدمته إلى الشهرة الدولية باتجاه بساطة أعظم تلك التي سوف تشكل علامة في بداية عمله في "الحب في زمن الكوليرا".
لقد كتب "جيرالد مارتن" سيرة ذاتية رائعة: منيرة في ثرائها وآسرة مثل أي كتابة صحفية قوية لجابريل جارسيا ماركيز، وفاتنة مثل أي من رواياته الرائعة المحبوبة.
ملكياديس الساحر: مائة عام من العزلة 1965-1966
وبعد مرور السنوات ربما يقول جارسيا ماركيز أنه بعد أن عاد إلى البيت جلس على الآلة الكاتبة في اليوم التالي، كما يفعل تماماً كل يوم، فيما عدا أنه "في هذا اليوم لم استيقظ لمدة ثمانية عشر شهراً آخر". وفي الحقيقة لم تستغرق الكتابة أكثر من سنة، يوليو 1965 إلى يوليو أو أغسطس 1966، بما فيها عدة توقفات، إلا أنه يقول دائماً لقد كانوا ثمانية عشر شهراً؛ ربما بسبب أنها استغرقت منه بالفعل ثمانية عشر سنة. لقد أبلغ "بينيو ميندوزا" أن أكبر مشكلة لديه: "أن أبدأ، فأنا أتذكر بالتفصيل الدقيق اليوم الذي صادفتني فيه صعاب جمة، أكملت الجملة الأولى، وسألت نفسي مرعوباً، ما الذي سيأتي بعد ذلك بحق الجحيم. وفي الحقيقة أنه حتى اكتشاف الغليون أو السفينة الشراعية الضخمة في منتصف الأحراش، فإنني لم أفكر بالفعل في أن الكتاب يمكن أن يظهر إلى الوجود. لكن منذ هذه النقطة أصبح الأمر كله جنوناً مطبقاً، لكنه ممتع بالفعل".
أي إنه فقط بعد مضى حوالي عشرة صفحات، وبعد أن كتب الأحداث التي جاء فيها أولاً جوزيه أركاديو بوينديا عبر الأحراش الإسبانية في الغابة الاستوائية، تأكد حينها من أن السحر لا سبيل إلى إيقافه في هذه المرة، وأنه بالفعل في مقدوره الآن أن يسترخي. لقد كان هذا بالتأكيد في الأسبوع الأول بالفعل، حينما كان مازال في وقت الإجازة بعيداً عن مكتبه. لقد بدأت كل الأحمال في السنوات الخمس السابقة تتراجع. وتوقع أن يكتب ثمانمائة صفحة على الآلة الكاتبة، والتي ربما يخفضها في النهاية إلى حوالي أربعمائة صفحة؛ ولم يكن تخميناً خاطئاً مع ما صار إليه حجم الرواية بالفعل. وفي هذه الصفحات الأربعمائة، يحكي القصة عن أربعة أجيال لعائلة "بوينديا"، يصل الجيل الأول منهم إلى مكان يسمى "ماكوندو" في وقت ما من القرن التاسع عشر، ويبدأ في معايشة مائة عام من تاريخ كولومبيا مع خليط من الاضطراب والحيرة والعناد والاستغراق والكوميديا السوداء. وتنتقل العائلة من موقف براءة الطفولة، من خلال كل المراحل للرجل والمرأة، إلى التدهور والانحطاط في النهاية، والباقي منهم يكتسحهم "الإعصار المقدس" في الصفحة الأخيرة من الرواية. ولم يتوقف النقاد أبداً عن تأمل مغزى هذه الخاتمة منذ أن صدر الكتاب لأول مرة. إن الشخصيات الست الأساسية التي بدأت الرواية وسيطرت على نصفها الأول هم "جوزيه أركاديو بوينديا"، مؤسس قرية "ماكوندو"، سريع الانفعال؛ وزوجته "أورسولا" العمود الفقري ليس فقط لعائلتها بل أيضاً للرواية بأكملها؛ وابنيهما "جوزيه أركاديو" وأورليانو" ويعتبر الأخير "الكولونيل أورليانو بوينديا" بشكل عام الشخصية المحورية في الكتاب؛ وابنتهما "أمارانتا" التي تعذبت كطفلة وعانت الأمرين كامرأة؛ والغجري "ملكياديس" الذي يحضر الأنباء من العالم الخارجي من وقت إلى آخر وفي النهاية يمكث في "ماكوندو". إن تاريخ كولومبيا يكتسب دراميته من خلال حدثين أساسين: "حرب المائة يوم" و"مذبحة عمال الموز" في "سينيجا" في سنة 1928. وقد كانا هما بالطبع المرجعين التاريخيين الأساسيين الذين شكلا السياق في طفولة "جارسيا ماركيز".
إن الكتاب الذي أراد دائماً أن يكتبه هو قصة بطولة عائلة تقيم في "أراكاتكا" لكن يعطيها اسم "ماكوندو". وكان الكتاب الذي يكتبه في هذا الحين بالفعل هو ملحمة بطولة لعائلة مستقرة في "أراكاتكا" أعطاها اسم "ماكوندو". لكن العائلة لم تعد بعد عائلة الكولونيل نيكولاس ماركيز، فهي مازالت مستغرقة في الحنين والاشتياق إلى تثبيت وإقرار شرعية الملحمة كما في "عاصفة من ورق" [رواية قصيرة لماركيز]، على الرغم من أنه الآن يتعامل مع السخرية النبيلة؛ لكن عائلة جابريل إليجيو جارسيا تعاملت بمحاكاة ساخرة ولاذعة ولعبت دوراً هزلياً تأرجح ما بين الحب والحنين والقسوة. إن الكتاب لم يكتبه الشاب الذي يبلغ عشرين عاماً من عمره والذي بدأ في كتابة "البيت" لكن بطريقة فضولية شغوفة لهذا الصبي اليافع الذي ذكرته خبرته في العشرين عاماً باسترجاع مثل هذا الحنين، حيث كان هذا الصبي يمشي يداً بيد مع الكولونيل ماركيز، ولكن مع عائلة رجل في الأربعين من عمره تقريباً وهو الذي صار إليه جارسيا ماركيز نفسه الآن، كاتب قرأ كل الأدب العالمي وعاش في خضم معظم العصور الفاصلة في حياة الإنسان.
ما الذي حدث لجابريل جارسيا ماركيز؟ لماذا كان هو الآن قادراً بعد فترة زمنية طويلة أن يكتب هذا الكتاب؟ لقد تأكد في ومضة خاطفة من الإلهام، أنه بدلاً من كتاب عن طفولته، ينبغي أن يكتب كتاباً عن ذكرياته في طفولته. وبدلاً من أن يكون كتاباً عن الواقع، ينبغي أن يكون كتاباً عن تمثيل الواقع. وبدلاً من كتاب عن "أراكاتكا" وأهلها، ينبغي أن يكون كتاباً سردياً من خلال وجهة نظر العالم عن هؤلاء الناس. وبدلاً من المحاولة من جديد لبعث "أراكاتكا"، ينبغي أن يقول وداعاً "أراكاتكا" بالحكي ليس فقط من خلال وجهة نظر العالم عن ناسها، ولكن من خلال وضع كل شيء في رواية حدثت له، كل شيء عرفه عن العالم، كل شيء كان عليه، وكل شيء تجسد له كأمريكي لاتيني في النصف الأخير من القرن العشرين، وبمعنى آخر، بدلاً من عزل البيت و"أراكاتكا" عن العالم ينبغي أن يأخذ العالم بأكمله إلى "اراكاتكا". وفوق كل هذا، من الناحية العاطفية، بدلاً من محاولة أن يبعث بشبح "نيكولاس ماركيز"، ينبغي هو نفسه أن يصبح بطريقة ما "نيكولاس ماركيز".
إن ما شعر به هو الراحة تسري في أوصاله على مستويات متعددة ومن مائة اتجاه مختلف، فكل الجهود والآلام المضنية وكل الانهيارات والإحباطات في حياته قد تخفف من عبئها؛ فقط انطوت جوانحه على التحرر وتقدير الذات وتأكيدها من خلال هذا الإبداع الذي عرف هو قد عرف أنه يمكن أن يكون عملاً فريداً وربما خالداً، وذلك حينما بدأ يكتب، ثم كلما تقدم فيه بإثارة متسارعة، بدأ يتجرأ إلى طموح الأسطورة في حد ذاتها. ومن ثَمَّ بالطبع جاء الإحساس بسحرها وإعجازها وبهجتها، حتى بالنسبة له، كما كتب؛ ثم فيما بعد بالنسبة لقرائه. لقد كانت بالفعل خبرة السحر في إبداع الأدب ترتفع إلى أعلى درجات التكثيف. علاوة على أن الكتابة كانت أيضاً كتابة علاجية بصورة قاطعة، بدلاً من أن تكون هاجساً مستحوزاً عصابياً مجهداً يحاول إعادة خلق أحداث حياته تماماً كما يتذكرها، فهو الآن يعيد ترتيب كل ما سمعه أو عايشه بصورة شخصية بالطريقة التي أحبها، لذلك فإن هذا الكتاب أخذ الشكل الذي أحتاج إليه مؤلفه. وكذلك كان الكتاب بالفعل سحرياً إعجازياً باعثاً للخفة والنشاط: كان شافياً بالنسبة له من الكثير من الأمراض.
والآن الرجل الذي كان يكتب في العادة فقرة واحدة في اليوم، يكتب عدة صفحات كل يوم. إن الرجل الذي يقلب كتبه من الداخل إلى الخارج ومن أعلى إلى أسفل ليبحث أولاً على التسلسل وبعد ذلك عن البناء، هو الآن يكتب الفصول واحداً تلو الآخر مثل الإله نفسه، يعين الشكل ودوران الأرض. الرجل الذي عانى دائماً كل انحناءة والتفاف، من كل قرار تقني وسيكولوجي في كل كتاب من كتبه، يتلاعب الآن بحياته: يصهر حياة جده مع أبيه مع نفسه، ترانكولينا مع لويزا سانتياجا مع ميرسيدس، وينسج لويز إينريك ومارجوت داخل وخارج العديد من الشخصيات، محولاً جدته لأبيه إلى بيلار تيرنيرا، مهرباً تاشيا من خلال شخصية أمارانتا أورسولا، ويصهر تاريخ عائلته بأكملها مع تاريخ أمريكا اللاتينية، موحداً مكونات أدب أمريكا اللاتينية بورخيس، أستورياس، كاربنتير، رولفو مع الكتاب المقدس، رابلييه، سفر تسجيل الفتح الأسباني، والروايات الأوروبية عن الفروسية، ديفو، وولف، فوكنر، هيمنجواي. فلا عجب إذا ما شعر مثل خيميائي؛ ولا نندهش إذا صهر نوسترادموس وبورخيس معه هو نفسه جارسيا ماركيز في شخصية الكاتب العظيم "ملكيادس"، العبقري الآخر الذي أغلق على نفسه بعيداً حجرة صغيرة من أجل أن يُغلِف الكون كله في المساحة المسحورة لتحول تاريخي أبدي واحد لما يُعرف بالأدب. إن ما فعله حينها باختصار، لم يكن فقط أن يمزج كل شيء، لكن فوق كل شيء (وهذا السبب في نجاحه وفقاً للكثيرين باعتباره المعادل الأمريكي اللاتيني لدون كيشوت) ليواجه ويمزج بين المبدأين، الشخصيات المتناقضة لهذه القارة المعروفة قليلاً لكنها رائعة ومعززة للحياة: فوق القصة المظلمة للغزو والعنف والمأساة والفشل، فقد طرح الجانب الآخر من القارة، الروح الكرنفالية، الموسيقى والفن لشعب أمريكا اللاتينية، هذه القدرة على الحياة الشريفة حتى في أحلك الأركان وليجدوا السعادة في الأشياء العادية، السعادة التي هي بالنسبة للكثيرين من أمريكا اللاتينية ليست مجرد تعزية عن القهر والفشل، لكنها تحذير مسبق من هذا العالم المرير الذي هو بالنسبة لهم دائماً لصيق وقريب جداً، وهو العالم الذي يحتفلون به ليس فقط من خلال ثوراتهم ولكن أيضاً من خلال انتصاراتهم الاحتفالية بالحياة اليومية. وفيما بعد بالطبع سوف ينكر جارسيا ماركيز كل هذه النوايا التحولية: "لم أكن أبداً واعياً بأي منها"، فهو سوف يخبر "إلينا بونياتويسكا" في سنة 1973 "أنا رجل يحكي القصص والحكايات العجيبة".
ومع نهاية الأسبوع الأول في سبتمبر خطا خطوات جبارة. فسرعان ما اكتشف أنه احتاج إلى التفرغ الكلي ووقف كل أنشطته الأخرى. إن محاولة الكتابة والعمل في وكالة إعلانات قد أصابه بصداع مؤلم. فقرر أن يتخلى عن كل من الوظيفتين مدفوعتي الأجر في حياته الاجتماعية العادية. لقد كانت هذه مجازفة غير عادية من رجل مسئول عن أسرة.
بدأ الكتاب في "أراكاتكا" في "ماكوندو"، لكن ماكوندو الآن تشبيه مجازي لأمريكا اللاتينية كلها. وهو قد عرف أمريكا اللاتينية جيداً جداً؛ لكنه قد زار أيضاً العالم القديم، وشهد شخصياً الاختلاف بين الديمقراطيات الليبرالية القديمة للعالم الرأسمالي والبلدان الاشتراكية الحديثة بما فيها اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. وهو قد عاش لبعض الوقت في المدينة الأيقونة للعدو التاريخي للجمهوريات السوفيتية، البلد الذي كان يحدد مستقبل الكوكب، وكان يهيمن بالفعل لمدة تزيد عن نصف قرن على مصير أمريكا اللاتينية ويحكم قبضته عليه: الولايات المتحدة. إن هذا الرجل قد عرف الكثير عن العالم. كل هذا قد عرفه قبل حتى أن يبدأ في تذكر ما قد تعلمه عن الأدب.
كذلك فإن ماكوندو، الصورة الحية للمدينة الصغيرة في أي مكان في كولومبيا أو أمريكا اللاتينية (أو بالفعل كما يمكن أن يؤكد القراء من أفريقيا وآسيا فيما بعد، في أي مكان من العالم الثالث) سوف تصبح رمزاً لأي مجتمع صغير تحت رحمة قوى تاريخية ليست فقط تقع خارج نطاق تحكمها ولكن حتى خارج نطاق إدراكها.
إن القصة بالصورة التي انبثقت عليها الآن، كانت الأسطورة البطولية للعائلة التي هاجرت من "جواجيرا" إلى مكان شبيه جداً من "أراكاتكا" في وقت ما من القرن التاسع عشر. إن الأب جوزيه أركاديو دوينديا، يقتل أفضل صديق له بدون شرف أو رجولة، ويضطر إلى الرحيل لأن شبح صديقه ينتابه ويحاصره. لقد وجد جوزيه أركاديو قرية جديدة اسمها "ماكوندو" حيث بنى هو وزوجته الصامتة "أورسولا" منزلاً وأصبحا القادة غير الرسميين للمجتمع الجديد. وأنجبا ثلاثة أطفال، أركاديو وأورليانو وأمارانتا وبمرور الوقت أضافا عدداً من الآخرين. واحدة من خدم المنزل، "بيلار تيرنيرا" كانت لها علاقة مع العديد من الرجال من العائلة على مر السنين، لتشارك في إثارة الرعب في العائلة، والذي سيسفر في النهاية عن علاقة لسفاح القربى ينتج عنها طفل له ذيل خنزير، لتقترب العائلة من خط نهايتها. وكان الغجر يقومون بزيارات كثيرة، ومن ضمنهم رفيق يسمى "ميلكياديس"، بقي في النهاية في ماكوندو، وانتقل إلى منزل العائلة. لكن كان هناك أيضاً وصول سلبي: الحكومة المركزية في "بوجوتا" (غير مسماة في الرواية) التي أرسلت ممثلين سياسيين وعسكريين للسيطرة على المجتمع الصغير البسيط؛ وقادت هذه الخطيئة الأصلية إلى سلسلة من الحروب الأهلية التي بمجرد أن كبر أورليانو، أصبح متحمساً وبالتأكيد مشاركاً متعصباً في صف الحزب الليبرالي، حتى أصبح في النهاية مشهوراً في شتى أرجاء البلاد على أنه المحارب الأسطوري الكولونيل أورليانو بوينديا. وفيما بعد، فإنه حتى الدخلاء الأكثر نحساً وفساداً سوف يظهرون: الأمريكيون الشماليون الذين يصلون مع شركتهم للفاكهة ليحولوا اقتصاد المدينة وثقافتها حتى يثور الأهالي ويعلنون الإضراب، وهي النقطة التي يستحث عندها الغرباء الحكومة المركزية للتحرك، ويسقط ثلاثة آلاف قتيل من العمال المضربين وأعضاء عائلاتهم في مذبحة تقع إلى جانب محطة السكة الحديدية في ماكوندو. وبعد هذه الحادثة المظلمة تدهورت ماكوندو، وهو هذا التدهور الذي أشار إليه تدهور أورسولا نفسها قلب الرواية وروحها وتموت في النهاية، وسرعان ما يجد جيل الشباب الأقل قوة الذين يعيشون كضحايا للتاريخ أكثر منهم صناعاً للأسطورة، يجدون أنفسهم يعودون إلى نوع ما من الظلمة البدئية والآثام. وفي النهاية، فإن آخر فرد في العائلة، كما قالت النبوءة يولد له طفل بذيل خنزير بعد علاقة وحشية مع خالته الشابة، فيُكنس هو وكل ماكوندو بالكيفية التي جاءت بها النبوءة أيضاً (من خلال ملكياديس)، بعد إعصار عاصف كما في الرؤية النبوئية.
وتكون الرواية أيضاً معاصرة بمعنى أن جارسيا ماركيز سوف يكتب كتاباً يكثف كل الكتب، فالكون الكلي يحتويه كون مصغر: إنه يبدأ الرواية وينهيها بأسلوب الكتاب المقدس، وتتضمن الأساطير العالمية في الأنثروبولوجيا والخصائص الأسطورية التي تميز الثقافة الغربية والتعطش السلبي الغريب للخبرات المحددة لأمريكا اللاتينية في الطموحات المحلقة والفشل المهين مؤكداً على النظريات القارية متعددة الأنواع لأفضل مفكري أمريكا اللاتينية المشهورين. لكن يظل كل شيء تقريباً في الكتاب هو نتيجة لخبرة الحياة التي عاشها جارسيا ماركيز. فأي فرد يعرف الخطوط الأساسية لحياته يمكنه أن يجد أكثر من ستة بنود في كل صفحة تناظر مباشرة السيرة الذاتية لجارسيا ماركيز فالكاتب نفسه زعم أن كل حادثة مفردة وكل تفصيلة على حدة تناظر خبرة عاشها (فأنا مجرد ناقل وسيط).
وأكثر ما يُدهش من بين كل الأشياء هو الشكل الذي حرص بشكل ما على أن يتضمن كل هذه العناصر المتنوعة، والمزج المميز بين الدرجة العالية من الفن وطرق الاتصالات الشفاهية. وعلى الرغم من أنه صحيح أن الرواية قد تشابهت مع قدر كبير من الخبرات الشعبية الخاصة الكولومبية، إلا أنه ليس من السهل أن تتفق مع هؤلاء الذين يرون أن الكتاب هو مستودع للحكمة الفلكلورية. إن ما حققه جارسيا ماركيز، وهو إنجاز غير عادي، هو إظهار عالم الحكمة الفلكلورية لأنه وفوق كل شيء، ما مَيَّز سكان هذه الرواية، هو أن ترى كم هي ضئيلة تلك الحكمة التي يمتلكونها بالفعل، وكم هم ضعفاء غير مؤهلين لمواجهة العالم الذي شاء قدرهم وسوء مصيرهم أن يقطنوا فيه. فعالمهم هو العالم الذي لم تعد الحكمة الفلكلورية تتعلق به أو تصلح له. إن الشكل لا يمكن أن يكون متقدماً عن شكل الأعمال المعاصرة النموذجية التي هي مع ذلك النقطة المرجعية لهذه الرواية فقد كُتِبت كما لو إنها "كلاسيكية لا زمنية" أي غير محددة الزمن، إلا أن الرواية مطلعة على كل الاكتشافات التي تم التوصل إليها في الستين سنة الأولى من القرن العشرين. إنها تشبه كما لو أن "جيمس جويس" قد بدأ يكتب رواية مستخدماً نبرة الحكي وتقنيات السرد الخاصة بالخالة "فرانشيسكا" عند جارسيا ماركيز.
هناك إذن رجل يكتب عن قرية وأمة وعالم باستخدام الاكتشافات الخاصة بالأساطير الغربية العظيمة (اليونانية، الرومانية، الكتاب المقدس، ألف ليلة وليلة العربية المستوردة) والكلاسيكيات الغربية العظيمة (رابلييه، سيرفانتس، جويس) والعلامات الرائدة العظيمة من قارته (بورخيس، أستورياس، كاربنتير، رولفو)، لينتج عملاً مرآه الذي من خلاله تتعرف قارته على نفسها ومن ثَمَّ تجد التقاليد. فلو كان هو "بورخيس" مصمم المناظر (مثل أحد الأخوين لوميير الأخير)، فإن جارسيا ماركيز هو الذي زودنا بأول بورتريه جمعي عظيم وصادق. ومن أجل هذا، فإن الأمريكيين اللاتينيين لا يتعرفون فقط على أنفسهم لكنهم الآن سوف يتم التعرف عليهم عالمياً في كل مكان. هذا هو معنى الكتاب الذي كان يكتبه ابن لويزا سانتياجو ماركيز إيجوران دي جارسيا في غرفته الصغيرة المعبأة بالدخان على مكتبه العتيق الصغير في وسط مدينة عارمة الفوضى في العالم الثالث. إن استثارته البالغة صارت مبررة أكثر، وسرت خفته النشطة وتنبهه العصبي المكثف ليسكنا كتابه ويكمنا بين صفحاته.
إن طرقات الحظ على باب جارسيا ماركيز لم تتوقف أبداً، في الحقيقة بمعنى أنها لن تنتهي. فبعد أن غادر "لويس هارس" المكسيك في نهاية يونية، سافر إلى عواصم مختلفة في أمريكا اللاتينية ووصل في النهاية إلى "بوينس أيريس" حيث كان كتابه عن المقابلات على وشك أن يظهر عن دار النشر المهمة "سودامريكانا". واتصل "هارس" في "سودامريكانا" بفرانسيسكو "باكو" الذي يعترف فيما بعد، "إنني لم أسمع من قبل عن جارسيا ماركيز حتى ذكره هارس لي. وهناك كان إلى جانب بورخيس ورولفو... وغيرهم من العظماء. لذلك فإن أول شيء طرأ على ذهني من يكون؟". لقد كتب إلى جارسيا ماركيز يستعلم عن كتبه، وبعد بضعة شهور كان توقيع الصفقة.
وفي أوائل سبتمبر أخذ جارسيا ماركيز وقتاً توقف فيه عن الكتابة بعد ظهيرة أحد الأيام ليجري محادثة مع "كارلوس فوينتس" [الكاتب المكسيكي] حول روايته الجديدة (تغيير الجلد) في "معهد قصر الفنون". وفي النهاية ذكر "فوينتس" العديد من أصدقائه، ومن بينهم الكولومبي "الذي أرتبط به كثيراً من خلال شعائرنا ليوم الأحد، وكذلك من خلال الإعجاب بالحكمة القديمة لهذا الشاعر من أراكاتكا". ربما يكون "فوينتس" قد أكد رمزياً في هذه المناسبة على أن اكتساب الشهرة والثروة كان جزءاً منطقياً وشرعياً من تطلعات الكاتب: "إنني لا أعتقد أنه التزام على الكاتب أن ينتفخ إلى مراتب الاحتياج". وفيما بعد دعا "الفارو ميوتس" وزوجته "كارمن" فوينتس وريتا ماكيدو وجومي جارسيا أسكوت وماريا لويزا إليو وفرناندو ديل باسو وفريناندو بينيتيز وإلينا كارو، وكذلك بالمثل جارسيا ماركيز وميرسيدس من بين آخرين، دعاهم على "بيلة" [طبق إسباني من الأرز واللحم] في شقة "ميوتيسيس" في "ريو أموي". وكان جارسيا ماركيز قد بدأ يربط الحكايات العجيبة من روايته الجديدة بالطريقة التي يتحدث بها في الشارع وفي السيارة، واستمر في ذلك في شقة "ميوتيسيس". لقد سمع كل فرد أكثر مما يكفي بالفعل، وفقط "ماريا لويزا إليو" استمرت في الاهتمام. وفي هذه الشقة الصغيرة المزدحمة جعلته "ماريا لويزا" يستمر طوال الليل يحكي لها القصص، وأبرزها القصة التي تحكي عن القس الذي يأخذ الشيكولاتة ليسبح في الهواء. ومن هنا وهناك ولإصغائها بمثل هذا الاستغراق في الاهتمام وعد بأن يهدي روايته الجديدة لها. لقد كانت له مهارات شهر زاد الجميلة.
وكان نقاد أمريكا اللاتينية وصحفيوها مأخوذين بانبهار في هذه الفترة منذ صدور الرواية في سنة 1967. إن شقيق جارسيا ماركيز "إليجيو" كرس كتاباً بالكامل عن نشأة وتكوين وخلق الرواية استغرق منه ثلاثين عاماً بعد صدورها. فكل تفصيلة على حدة أخذت صبغة "كبالانية" [التعاليم الروحية اليهودية الغامضة] ناهيك عن الصبغة الوثنية في العبادة والمغزى الكامن لها. إلا أن الغرفة التي كان الكاتب يعمل بها لا يمكن أن تقل عن هذا سحراً، على الرغم من أن الكثير من الناس فيما بعد سوف يريدون أن يطلقوا عليها اسم "حجرة ملكياديس". إن "كهف المافيا"، كما وصفها جارسيا ماركيز بالاسم الذي أطلقه عليها، كانت عشرة في ثمانية أقدام بحمام صغير ملحق وباب ونافذة تطل على الفناء. وكانت هناك أريكة وسخان كهربائي وبعض الرفوف وطاولة صغيرة جداً بدائية للغاية، مع آلة كاتبة ماركة أوليفتي. إنه الآن جارسيا ماركيز يقدم على ارتداء أفرولات العمال الزرقاء من أجل أن يكتب هو الذي بدأ يصبح تقليدياً تماماً مؤخراً (حتى بارتداء ربطات العنق). لقد اتخذ بالفعل القرار الثوري أن ينتقل من العمل وقت الليل إلى العمل في وقت النهار. فالآن هو يكتب لوكالات الإعلان أثناء ساعات العمل بالنهار، أو في مكاتب استوديوهات الأفلام التي يعمل فيها نهاراً حتى يرجع الأولاد من المدرسة إلى البيت. ومن أجل تجنب المتطلبات العائلية التي تعوق قدراته الإبداعية وتقلص من أسلوبه الذي هو مُجبر الآن على تغييره والذي يمكن أن يحول المدخل الكلي لماركيز في العمل والانضباط الذاتي، تصبح "ميرسيدس" الزوجة في السابق والأم ومدبرة المنزل، الآن مسئولة الاستقبال والسكرتيرة ومديرة الأعمال بالمثل. لم تعرف إلا القليل من أن هذا ما سيدوم. فالرواية سوف تستفيد مباشرة ودراماتيكياً من هذه التغيرات.
إن جارسيا ماركيز يوصل أبناءه إلى المدرسة في الصباح، ويجلس على مكتبه في الثامنة والنصف صباحاً ويمارس عمله حتى الثانية والنصف بعد الظهر حينما يصل الأولاد إلى البيت. إنهم سيتذكرون أباهم على أنه الرجل الذي أمضى معظم وقته مسجوناً في غرفة صغيرة تائها في دخان السجائر الأزرق، الرجل الذي نادراً ما لاحظهم، يظهر فقط في أوقات تناول الطعام، ويجيب على أسئلتهم بطريقة غامضة وهو شارد الذهن. إنهم لم يتصوروا أنه يكتب هذا أيضاً في روايته التي تستغرقه بالكامل الاكتشاف المتأخر لجوزيه أركاديو بوينديا لأطفاله، بعد الهواجس المستحوذة التجريبية، في الفصل الأول.
إن جارسيا ماركيز يتذكر فيما بعد، "منذ اللحظة الأولى، قبل أن يصدر بفترة طويلة، كان الكتاب يبعث بقوة سحرية في كل فرد يتصل به بطريقة ما: الأصدقاء، أفراد السكرتارية، إلخ، حتى أناس مثل الجزار أو مالك الأرض الذين كانا في انتظاري لأنتهي حتى أدفع لهما". لقد أخبر إلينا بونياتوسكا: "نحن مدينين لصاحب الأرض بإيجار ثمانية أشهر. وحينما كنا مدينين فقط بثلاثة أشهر، استدعت ميرسيدس المالك وقالت انظر إننا لن ندفع لك هذه الشهور الثلاثة، ولا الشهور الستة القادمة. أولاً قد تسألني متى تظن أنك ستنتهي منها؟ وأقول لها في غضون خمسة أشهر قادمة. ولذلك فإنها سعياً للتأكد أضافت شهراً إضافياً، وحينها قال المالك لها إذا أعطيتني كلمة مؤكدة، سوف أنتظر حتى سبتمبر. وفي سبتمبر ذهبنا ودفعنا له...".
أحد الكثيرين الذين كانوا ينتظرون جارسيا ماركيز أن ينتهي، هي "بيرا" (إسبرانزا) أريازا، الطابعة على الآلة الكاتبة التي عملت أيضاً لحساب "بارباشانو"، وكانت تقوم بطباعة روايات "فوينتيس". وكل بضعة أيام يأخذ جارسيا ماركيز من "بيرا" جزءاً كبيراً من الرواية كتبتها على الآلة الكاتبة لكن عليها تصحيحات مكثفة بخط اليد، وقد تنتج نسخة مصححة بالكامل. ونظراً إلى أنه كثير الأخطاء الإملائية وخطه ردئ، فقد كان يعتمد على "بيرا" لتصحيح عمله حرفياً؛ لكنه تقريباً كاد يفقدها ويفقد بداية الرواية منذ اليوم الأول بالفعل حينما كانت تجري للحاق بالحافلة وطارت الأوراق منها فوق الشوارع الموحلة في مكسيكو سيتي الخريفية. وفقط بعد فترة طويلة، اعترفت بأنها كانت تدعو أصدقاءها قرب نهاية كل أسبوع ليقرأ