وزير الصحة يحيل المتغيبين عن العمل للتحقيق بمستشفى مارينا    بالصور- ننشر أوائل الشهادة الإعدادية الأزهرية بجنوب سيناء    وزيرة التعاون: مصر تدعم دائمًا الدور المنوط بمجلس الوحدة الاقتصادية العربية    ارتفاع عدد ضحايا مجزرة النصيرات إلى 150 شهيدًا    مصر تواصل جهودها فى تقديم المساعدات الإنسانية لقطاع غزة (فيديو)    منتخب مصر يطير إلى غينيا بيساو عصر اليوم    وليد الركراكي يُعلق على غضب حكيم زياش ويوسف النصيري أمام زامبيا    «سيتفوق على الجميع».. رسالة خاصة من زيدان إلى مبابي    54 ألف طالبًا ب 140 لجنة.. الإسكندرية تنهي استعداداتها لماراثون الثانوية العامة    استمرار حبس المتهم بإلقاء مادة ك أو ية على طليقته في منشأة القناطر    السجن المشدد 5 سنوات لمتهم في إعادة محاكمته بقضية "أحداث كفر حكيم"    "أكليني وهاتي لي هدوم".. آخر ما قالته "آية" ضحية سفاح التجمع    شيرين رضا تعلن بشكل مفاجئ: "قررت الاعتزال"    شاهد فيديو جديد لصفع عمرو دياب أحد المعجبين.. ماذا فعل الشاب؟    ثقافة اسوان يناقش تأثير السيوشال ميديا "فى عرض مسرحى للطفل    الليلة.. صالون "نفرتيتي" يسير على خطى العائلة المقدسة بالأمير طاز    إجراء عاجل من وزير الصحة تجاه المتغيبين عن العمل بمستشفى مارينا المركزي    سما الأولى على الشهادة الإعدادية بالجيزة: نفسى أكون دكتورة مخ وأعصاب    السكة الحديد تعلن جداول قطارات خط «القاهرة - طنطا - المنصورة – دمياط»    عاجل| 6 طلبات فورية من صندوق النقد للحكومة... لا يمكن الخروج عنهم    وزيرة التخطيط تبحث سبل التعاون مع وزير التنمية الاقتصادية الروسي    أبرز 7 غيابات عن منتخب إنجلترا فى يورو 2024    رجال الأعمال تناقش تعزيز مساهمة القطاع الخاص لتحقيق مستهدفات القطاع الزراعي    ناقد فني: نجيب الريحاني كان باكيًا في الحياة ومر بأزمات عصيبة    لماذا الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم؟.. مركز الأزهر العالمي يُجيب    تنظيم 6 ورش عمل على هامش مؤتمر الأوقاف الأول عن السنة النبوية (صور)    الكشف على 1237 مريضا في قافلة طبية ضمن «حياة كريمة» بالمنيا    فريد زهران: ثورة 25 يناير كشفت حجم الفراغ السياسي المروع ولم تكن هناك قيادة واضحة للثورة    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة خلال مايو 2024    محافظ المنيا: توريد 373 ألف طن قمح حتى الآن    80 شهيدا وعشرات الجرحى فى غارات إسرائيلية على مخيم النصيرات ومناطق بغزة    الأهلي يحسم صفقتين ويستقر على رحيل موديست    خبير: برنامج تنمية الصعيد في مصر سيكون مثالا يحتذى به في كل دول القارة الإفريقية    الدفاع الروسية: قوات كييف تتكبد خسائر بأكثر من 1600 عسكري وعشرات الطائرات المسيرة    تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء.. تحرير 142 مخالفة عدم الالتزام بقرار غلق المحال    تضم هذه التخصصات.. موعد مسابقة المعلمين الجديدة 2024    "اهدى علينا".. رسالة من تركي آل الشيخ إلى رضا عبد العال    وزير الأوقاف: الأدب مع سيدنا رسول الله يقتضي الأدب مع سنته    الإفتاء توضح حكم تجميع جلود الأضاحي ثم بيعها في مزاد علني بمعرفة جمعية خيرية    راديو جيش الاحتلال: تنفيذ غارات شمال رفح الفلسطينية مع التركيز على محور فيلادلفيا    كاتب صحفي: حجم التبادل التجاري بين مصر وأذربيجان بلغ 26 مليار دولار    الفوج الثاني من حجاج «المهندسين» يغادر إلى الأراضي المقدسة    توجيهات من الصحة بشأن المدن الساحلية تزامنًا مع عيد الأضحى والعطلات الصيفية    العمل: تشريع لحماية العمالة المنزلية.. ودورات تدريبية للتعريف بمبادئ «الحريات النقابية»    رئيس جامعة المنوفية: فتح باب التقديم في المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية    النائب علي مهران: ثورة 30 يونيو بمثابة فجر جديد    معسكرات داخلية وخارجية.. اللجنة الأولمبية تتابع خطط الاتحادات استعدادا ل باريس    خبيرة فلك تبشر برج السرطان بانفراجه كبيرة    أستاذ علوم سياسية: مصر بذلت جهودًا كبيرة في الملف الفلسطيني    «الدواء»: المرور على 9 آلاف صيدلية وضبط 21 مؤسسة غير مرخصة ب 7 محافظات    كريم محمود عبد العزيز يشارك الجمهور فرحته باطلاق اسم والده علي أحد محاور الساحل الشمالي    جولة مفاجئة.. إحالة 7 أطباء في أسيوط للتحقيق- صور    تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري يتصدر المباحثات المصرية الأذربيجية بالقاهرة    ب300 مجزر.. «الزراعة» ترفع درجة الاستعداد القصوى استعدادًا لعيد الأضحى    أزهري: العشر الأوائل من ذي الحجة خير أيام الدنيا ويستحب صيامها    مواعيد مباريات يورو 2024.. مواجهات نارية منتظرة في بطولة أمم أوروبا    إبراهيم حسن يكشف كواليس حديثه مع إمام عاشور بعد لقطته "المثيرة للجدل"    الإفتاء: الحج غير واجب لغير المستطيع ولا يوجب عليه الاستدانة من أجله    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صاحب فرقة فوزي الجزايرلي علق إعلانا علي باب المسرح قال فيه : سارعوا إلي سماع أعجوبة الزمان الصبي محمد عبدالوهاب
نشر في القاهرة يوم 29 - 05 - 2012

حين نتحدث عن رحلة عمر عبدالوهاب، نحار من أين نبدأ، لأن رحلة عمره، لها أكثر من بداية، هل تكون البداية من ميلاده الحقيقي؟ أم من ميلاده الفني؟ أم نبدأ من رحلته مع التلحين والغناء؟، أم نبدأ من كفاحه الفني من أجل النهوض بالأغنية والموسيقي العربية، وتطعيمهما بالموسيقي الغربية، تطعيماً يعمق فيهما النغم، ويبرز عذوبة النغمات؟ من الطبيعي جداً، أن نبدأ من لحظة الميلاد، ولكن قبل الخوض في رحلة عمر هذه الأسطورة، منذ ميلادها، سواء الحقيقي أم الفني، نري أنه من الأفضل أن نترك عبدالوهاب نفسه، يحدثنا عن رحلته، وهي كلمات، بعث بها عبر آلاف الأميال، من فندق "الكونتننتال" الذي كان ينزل فيه، في باريس، في مارس، 1991، إلي الدكتورة سهير عبدالفتاح، عندما أرادت أن تصدر كتاباً عنه، توضح فيه سمات تلك العبقرية الفذة، فأرسل إليها بكلمات دافئة النغم، حنونة، تنبع من أوتارقلبه، الإنسان والأسطورة، قال فيها عن رحلة عمره: "لو أردت أن أضع رحلة عمري في كتاب، لكان هذا الكتاب مجموعة ألحاني، وألحاني هي التعبير عن حياتي، بحلوها ومرها، بسعادتها وشقائها، بأفراحها وأتراحها، والحياة عيد حافل، نلتقي فيه جميعاً، نفرح ونتعذب، لكن كل إنسان له حياته التي لا تتكرر، والفنان بالذات، يعيش حياته مرتين: الأولي، كما يعيشها كل إنسان، والثانية، عندما يحولها إلي كلمة، أو صورة، أو نغم، لهذا، أقول لمن يسألني عن قصة حياتي: استمع إلي ألحاني، تعرفني! أنا نفسي أريد أن أستعيد ذكرياتي، وأتمثل صورة حياتي، وأري وجوه أصدقائي، عندما أريد أن أعود طفلاً، وألقي بنفسي في أحضان أمي، وأستمع إلي صوت أبي، وهو يؤذن في جامع سيدي عبدالوهاب الشعراني..عندما أريد أن أتسكع من جديد في شوارع الأزبكية وعماد الدين..عندما يشدني الحنين إلي "كرمة بن هانئ"، لأجلس مع أمير الشعراء، عندما أتذكر رحلاتي وأسفاري إلي جارة الوادي ودمشق وبغداد وباريس وبرلين ولندن، أستمع إلي الألحان التي أوحت لي بها هذه الوجوه، وهذه الأماكن، وهذه البلاد، وأنا في هذا، أختلف عن أي إنسان حر آخر، فلكل منا حياته وذكرياته، والفرق الوحيد، أن الفنان يحول حياته إلي فن جميل، ويعطيه للناس، إنه يعيد الأمانة إلي أهلها، فقد منحه الناس الكثير، علموه وشجعوه وألهموه وأحبوه، لكي يرد لهم الجميل، في أجمل صورة. وهذا ما حاولت دائماً أن أفعله، وأن أكون أميناً مع نفسي، لكي أكون أميناً مع الناس، أن أتعلم كل يوم شيئاً جديداً، وأقدم في كل لحن تجربة جديدة، حتي لا أكون عالة علي الذين سبقوني، ولأعطي المثل للذين سيجيئون بعدي، هذه هي رحلة عمري، مائدة، أدعو إليها الجميع". بهذه الكلمات الصادقة، عميقة المعني، بليغة اللفظ والصياغة، فتح لنا محمد عبدالوهاب باب الدخول إلي جنته الفنية، وسمح لنا بالتجوال فيها، كي نستمتع بأزاهير أنغامه، ونستنشق عبير فنه، ويجد فيها الفنان ضالته. من حارة برجوان إلي كرمة ابن هانئ يقول البعض: إنه ولد سنة 1898، والبعض يقول سنة، 1902، وهو نفسه كان يقول سنة، 1910، وهذه التواريخ كلها صحيحة، ففي الأسطورة، كل شيء يجوز، كان يحمل لقب بلبل الشرق، ومطرب الملوك والأمراء، ولقب دكتور، من أكاديمية الفنون، ورتبة لواء في الجيش، وكل هذا جائز. والأسطورة الحقيقية، ليست هي عبدالوهاب الإنسان، بل عبدالوهاب الفنان، فلم يحدث أن امتلك فنان تراث الموسيقي العربية، كما امتلكه عبدالوهاب، ولم يحدث أن تمرد فنان علي هذا التراث، كما تمرد عليه عبدالوهاب، نستمع إلي ألحانه القديمة، فنري موهبة مكتملة، وإحاطة شاملة بكل أشكال الغناء العربي التقليدي. لقد كانت أدوار عبدالوهاب، امتداداً خلاقاً لأدوار سيد درويش، وقصائده الأولي، مزيجاً من فن الشيخ سلامة حجازي، والشيخ أبي العلا محمد، وطقاطيقه ومواويله، محاولات ناجحة في التقريب بين التقليدي والشعبي، والقديم والجديد. ورغم سيطرة عبدالوهاب المبكرة علي الأشكال، فإننا نجد في أدواره وطقاطيقه وقصائده، بذوراً جديدة، سنراها تنمو في الألحان التي تحرر فيها من الأشكال التقليدية، وخلق أشكالاً جديدة، كما فعل في أغانيه السينمائية، وقصائده الطويلة، وعبدالوهاب الذي استطاع أن يطعّم الأغنية العربية بالتوزيع الآلي، وتعدد الأصوات، استطاع أن يعرب هذه التقنيات الغربية، ويقدم المحاولات العربية الأولي في كتابه"موسيقي للآلات فقط"، وعبدالوهاب المطرب الذي وهبه الله أجمل صوت، رجل عرفه الفناء العربي في القرن العشرين، هو نفسه عبدالوهاب الذي قدم للأصوات الأخري أجمل ما غنته من ألحان. أما المكان الذي ولد ونشأ فيه، فلا خلاف عليه، في منزل قديم، في حارة برجوان، في حي ياب الشعرية، في القاهرة القديمة، حيث تتعالي أصوات المؤذنين، من شرفات المآذن الدائرية، وتتصل وتتعانق، أحياناً، مع أصوات أجراس الكنيسة القائمة في ركن من أركان الحي، وتتألف، منها ومن أصوات الباعة الجائلين، وأصوات الأطفال والنساء، وأصوات العمال والسقالين، ضوضاء حية موحية، يمتزج فيها الماضي بالحاضر، وتتصل فيها الأرض بالسماء. هذه هي المدينة التي لقنت عبدالوهاب، وهو طفل صغير، أول درس في "البولوفونية"، لقد كان كل شيء في حياة الطفل الموهوب، يهيئه للاشتغال بالموسيقي، فالصوت، هو المادة الأولي التي تفتحت عليها حواسه، فالمشاهد والمناظر في حارة برجوان، محدودة، لكن الأصوات، غير متناهية، الأصوات التي يعرف مصادرها، والتي تأتي من خارج البيت، ومن خارج الحارة، ومن خارج الحي. أبوه الشيخ عبدالوهاب أبو عيسي، مؤذن ومقرئ في جامع الشعراني، وعبدالوهاب الطفل، لا يري والده إلا مؤذناً قارئاً، ذاكراً مبتهلاً، في البيت وفي الجامع، وأخوه الأكبر حسن، يحفظ الفرآن الكريم في الكتّاب الملحق بالجامع، ويعيد أمام والده في البيت، قراءة ما حفظه في الكُتّاب، يغلق أهل الحي من التجار والصنايعية حوانيتهم في الأمسيات، ويسارعون إلي الجوامع وساحات البيوت، لينتظموا في جوقات الإنشاد والذكر الصوفي، والفونوغرافات التي بدأت تظهر، وتصل عن طريقها إلي الحي، أصوات سلامة حجازي، وعبدالحي حلمي، والصفطي، ومن خلال هذه الأصوات، تترامي إلي سمع الطفل، وتداعب خياله، صور من الأحياء المجاورة، من الحسين، حيث تتردد أصوات كبار المشايخ والمقرئين والمنشدين، ومن الأزبكية، حيث توجد أهم الملاهي والمسارح والمقاهي، وتتلألأ أضواء المدينة الساهرة، ولا يكاد الطفل يبلغ عامه الخامس، حتي يبدأ أولي خطواته، ويشارك بصوته في عالم الأصوات، وذات يوم، غسلت أمه جسده الصغير بيديها، وألبسته الجلباب الأبيض الجديد، والطاقية، وأسلمته لوالده، الذي سار به إلي الكُتّاب، وهكذا، أصبح من حقه الآن أن يصحب والده إلي الجامع، وأن يستمع إليه وهو يؤذن، مسبحاً مبتهلاً، بصوته البالغ العذوبة والشجن، خاصة حين ينتقل بين نغنات البياتي والحجاز، التي تركت في أعماق الطفل آثاراً وذكريات لا تمحي، ثم جاء دوره هو، ليؤذن للصلاة، لقد بلغ السابعة من عمره، وحفظ ثلث القرآن الكريم، وأخذ يطوف بمساجد باب الشعرية، ومساجد الأحياء القريبة، ليستمع إلي كبار المشايخ ،أمثال: أحمد ندا، وعلي محمود، ويقلد أصواتهم وطرقهم في القراءة. وفي فجر يوم من أيام رمضان، فوجئ المصلون بالمسجد، بصوت جميل شجي يؤذن للصلاة، وكان صوت صبي مازالت فيه آثار الطفولة، وكانت هذه أول مرة يستمع فيها الناس إلي صوت محمد عبدالوهاب، وأصبح الصبي نجماً في الكُتّاب الملحق بجامع الشيخ الشعراني، لا لأنه كان متفوقاً في حفظ القرآن الكريم، أو في دروس الخط والتجويد، بل لأنه كان يرتل القرآن الكريم بصوت جميل ومؤثر، ولهذا، أحبه عرّيف الكُتّاب، والصبية الذين كانوا يتحلقون حوله، وهو يطربهم، فترتفع أصواتهم النحيلة: الله يا شيخ محمد، الله يفتح عليك. هذه النشوة التي كانت تظهر في عيون الصغار، ومن خلال أصواتهم، أقنعت الصبي بأهمية وبجمال صوته، وصرفته عن واجباته الدراسية، فأخذ يهمل الكُتّاب، وينتحل الأعذار للهرب منه، والسير وراء المنشدين والمقرئين والمداحين، يتتبع أخبارهم، ويقتفي خطاهم في أنحاء باب الشعرية، وفي الأحياء المجاورة، وفي ذلك الوقت، كان الإنشاد الديني فناً حياً، له جماهيره الواسعة، ونجومه العديدون، ولكن الذي سلب الفنان الصغير لبه، هو الشيخ علي محمود، الذي كان يجمع بين المهارة الفنية والتقوي الصادقة والوقار العميق، وكان الشيخ علي محمود يبدأ إنشاده بصوت هاديء متمكن، ثم يتدرج في الانفعال بمعاني الكلمات، حتي يصل إلي درجات الوجد، في ارتجالات نغمية، وإيقاعات غاية في الإتقان والكمال، فإذا انتهي من الإنشاد الفردي، وتناوب الغناء مع بطانته، أبدع هو وبقية المنشدين في هذا الحوار، الذي ينتقلون فيه بين المقامات، ويتبادلون القرارات والجوابات، بأسلوب تتخلله لمحات بوليفونية، وهكذا، تأصل الحس الصوتي في قلب الصبي، وشكل وجدانه الموسيقي، فيما بعد، وفي تلك المرحلة أيضاً، ظهر مقرئ شاب، أثار إعجاب المصريين جميعاً، وفتن به عبدالوهاب، وفضله علي غيره من المقرئين، وهو الشيخ محمد رفعت، ولكن عبدالوهاب الذي تفتح صوته في هذا الجو الديني، لم يكن له مستقبل في الإنشاد، أو في قراءة القرآن الكريم، والسبب، أنه هجر الكُتّاب، وانصرف عن الحفظ والتجويد، واتجه إلي الغناء الدنيوي، وأخذ يقتفي آثار المطربين والمطربات، في مسارح القاهرة ولياليها الساهرة، كان يسمع ويحفظ أغاني سلامة حجازي، والسيد الصفطي، وعبدالحي حلمي، وأخذ يقلد أصواتهم، ويردد أغانيهم أمام الصبية الذين كانوا يستمعون إليه، وهو يرتل القرآن. وفي ليلة من الليالي، عاد الصبي إلي بيته، وفي وجهه أثر المغامرة، فقد شاهد الصبي مطربه المفضل صالح عبدالحي، يركب العربة الحنطور، فتعلق بمؤخرتها، وإذا بالسائق يلسعه بالسوط علي وجهه، فتركت اللسعة هذا الأثر الذي اكتشفه أبوه، ولم يكن أثر السوط هو العلامة الوحيدة التي أفشت سره، فقد لاحظت الأسرة أنه أصبح يترك البيت، ولا يعود إلا آخر الليل، ولاحظت أيضاً، أنه أصبح يغني، لا كما يغني الأطفال، بل كما يغني المطربون المحترفون، وأدرك الشيخ عبدالوهاب أبو عيسي، أنه لن يري ولده محمداً شيخاً أزهرياً أبداً، فقد استولت الموسيقي عليه، وسلبته رشده، وصرفته عن التفكير في أي شيء آخر، ولهذا ألحقه والده بمحل ترزي، ليتعلم صنعة شريفة، واضطر الصبي أن يقبل هذا القرار، لأنه أيضاً، لم يكن علي ثقة من أن هوايته ستدر عليه رزقاً مضموناً. الاحتراف إنه يحب الموسيقي، لكنه يشعر بالخوف من عالمها المجهول، وصحيح أن هذا العالم فيه نجوم تتقلب في الغني والشهرة، لكنه مليء أيضاً، بالفاشلين الذين خابت آمالهم، وقد تعهد الصبي أمام والده، حين رفض العودة إلي الكُتّاب، بأن يصبح مسئولاً عن نفسه، وأن يتحمل مسئولية الأسرة مع أبيه، ولهذا، أصبح مضطراً للعمل، وإلا تعرض للجوع. ولكن الموسيقي ظلت تطارد الصبي، حتي في محل الترزي الذي يعمل به، فقد كان شقيق صاحب المحل، يعمل منشداً في فرقة فوزي الجزايرلي، وهي فرقة مسرحية صغيرة، كانت تقدم عروضها، آنذاك، في حي الحسين، وعن هذا الطريق، تقدم الصبي إلي صاحب الفرقة، الذي أعجب بصوته، وسمح له بأن يغني بين فصول رواياته الفكاهية، مقابل خمسة قروش في الليلة. وهكذا، بدأ محمد عبدالوهاب طريقه إلي الاحتراف، بعد أن علق صاحب الفرقة علي باب المسرح إعلاناً يقول فيه: سارعوا إلي سماع أعجوبة الزمان، الطفل المعجزة الذي يغنيكم ألحان الشيخ سلامة حجازي، وظهر الصبي بالفعل علي المسرح، بعد أن اتخذ لنفسه اسماً مستعاراً، يتجنب به غضب أسرته، وهو: محمد البغدادي، وبهذا الاسم، وقف أمام الجمهور، لأول مرة، يقلد الشيخ سلامة حجازي، لكنه قدم أيضاً الأغنية الأولي التي ألفها مدير الفرقة ولحنها، وهي: "أنا عندي منجة..وصوتي كمنجة"، وضجت القاعة المتواضعة بتصفيق الجمهور الشعبي، الذي استمع إليه، وطار هو من الفرح، عائداً إلي منزل أسرته، التي اكتشفت حقيقة عمله الجديد، فمنعته بالقوة من مواصلته، بعد أن أوكلت مهمة التنفيذ إلي شقيقه الأكبر، الشيخ حسن، الذي كان أكثر أعضاء الأسرة غضباً وقسوة، علي أخيه الفنان الصغير، وأخذ الشيخ حسن يتعقب شقيقه في كل مكان، يعرف أنه يذهب إليه، ويذهب إلي فرقة فوزي الجزايرلي، لينتزع شقيقه من فوق خشبة المسرح، فلا يستطيع مدير الفرقة أن يمنعه، كان يحاول إقناع الشيخ حسن بترك أخيه وشأنه، لكن
دون جدوي، فيكتفي بأن يقول: "والله حرام بتحرموا الفن من هذا الطفل الموهوب". كان الشيخ حسن يعتقد أن هؤلاء الفنانين ليسوا إلا مجموعة من النصابين، وأن شقيقه معرض للهلاك، في هذا الوسط الذي لا يهتم بالتقاليد ولا بالأخلاق، ولهذا، أصر علي أن يأخذ شقيقه معه، ويهرب به إلي البيت، ليحاول إقناعه لآخر مرة، فإذا اقتنع، كان بها، وإلا، فسوف يضربه علقة ساخنة، وحين عاد الصبي الصغير محمد عبدالوهاب إلي المنزل، وقف يرتجف خوفاً أمام والده، وهو يعنفه: "مش عيب يا محمد تفضحنا وتشتغل مغنواتي؟"، ولم يرد الصبي، فماذا يقول؟ لا يستطيع أن ينفي عن نفسه التهمة، فقد ضبطه أخوه الشيخ حسن، وهو يغني علي المسرح، ولا يستطيع أيضاً أن يصارح والده بما يريد، ولكنه، بينه وبين نفسه، كان يقول: نعم أريد أن أشتغل بالغناء، وسأغني وأصبح مطرباً كالشيخ سلامة حجازي أو الشيخ صالح عبدالحي. وضيقت عليه الأسرة الخناق، وفرض عليه والده رقابة شديدة، ومنعه من الخروج، ولكن هوس الغناء، وأيضاً مكاسبه المادية التي ذاق الصبي الفقير طعمها، دفعته إلي الهروب من البيت، ولم يكن الصبي الفنان، من قبل، يتصور أنه سيلجأ إلي هذا الحل الصعب، وأنه سيواجه محنة الاختيار، بين الفن والأسرة، ولم يكن يعتقد أن حبه للموسيقي والغناء، هو الذي سيتغلب عليه في النهاية، وسيدفع به إلي حياة الوحدة والتشرد، وفي الليلة الأولي التي باتها خارج المنزل، بعيداً عن أبيه وأمه وأخوته، بكي كما لم يبك من قبل، لكنه خرج من هذا البكاء سليماً، وقد ازداد إصراراً علي مواصلة الطريق، فانضم إلي فرقة سيرك جوالة، وسافر معها إلي مدينة دمنهور، ولكن ظروف العمل هذه المرة، كانت قاسية جداً؛ فقد كان مضطراً أن ينام في الاسطبل، مع بغلة السيرك، ولهذا، قرر أن يهرب من السيرك، وأن يعود إلي منزل أسرته، ليستسمح أباه، ويمتثل لإرادته، ولكن جنون الفن يعاوده من جديد، ويدفعه إلي أن يتخذ قراره النهائي الذي لا رجعة فيه، بمزاولة الفن، فمهما تكبد من مصاعب ومتاعب، فسوف يشتغل بالفن، وسوف ينجح، لأنه مهيأ للنجاح، بشرط أن يواصل الدراسة، وأن يتعلم العزف علي العود، وأن يبتعد عن حياة اللهو التي ينغمس فيها الفنانون. بين المسارح والموالد أخذ ينتقل بين الفرق المسرحية الصغيرة، فإذا لم يجد له مكاناً فيها، غني في الموالد والأفراح، وكثيراً ما وجد نفسه إلي جانب أساطين الغناء، في ذلك الوقت، يغني معهم، ويتعلم منهم، ويحتفظ في ذاكرته القوية، بكل صغيرة وكبيرة في ألحانهم وحيلهم الفنية، وقد كانت هذه الأفراح مدرسة، تلقي فيها عن الشيخ الصفطي وعبدالحي حلمي وصالح عبدالحي، تراث الموسيقي العربية، في السيمفونية الغربية، التي سمعها، لأول مرة، في كشك الموسيقي بحديقة الأزبكية، وكانت بالنسبة له، عالماً جديداً من الأنغام والأشكال الفنية، مارشات وافتتاحيات وفالسات، سمعها وحفظها أيضاً، وأخذت تمتزج في ذاكرته بالموسيقي العربية، فتفتح أمامه كنوزاً جديدة، وفي يوم من الأيام، قادته قدماه إلي فرقة عبدالرحمن رشدي، وتحمس مديرها للمطرب الصغير، محمد عبدالوهاب، فألحقه بالفرقة، ليغني بين فصول الروايات، وكانت هذه أول خطوة مهمة يحققها عبدالوهاب، في أولي مراحل حياته. تروي «روز اليوسف» في مذكراتها، عن فترة عمل عبدالوهاب بفرقة عبدالرحمن رشدي، آنذاك، وكانت إحدي بطلات الفرقة، فتقول: "وفق عبدالرحمن رشدي في اكتشاف فني كبير، لست أدري من الذي قدم له صبياً ضئيل الجسم، خجولاً، يمتاز صوته الصغير بحلاوة، لا تخطئها أذن، اسمه محمد عبدالوهاب"، ومما روته روز اليوسف أيضاً، في مذكراتها، أنه كان أول لقاء لها بعبدالوهاب عندما كانت الفرقة تمثل رواية: "الموت المدني"، واضطلعت الممثلة الناشئة بدور بنت صغيرة، أمام ممثلة أخري تمثل دور أمها، وحدثت أن مرضت الممثلة التي تقوم بدور الأم، وقرر عبدالرحمن رشدي أن يمثل محمد عبدالوهاب دور البنت الصغيرة، وأن تكون روز اليوسف أمه، وفعلاً، ألبسوا محمد عبدالوهاب، في أول دور تمثيلي له، فستاناً رشيقاً، ووضعوا علي رأسه شعراً طويلاً، مستعاراً، وتنسدل علي كتفيه ضفيرتان طويلتان، مربوطتان بشرائط ملونة، وتقول روزاليوسف، أنها ومحمد عبدالوهاب، فشلا فشلاً ذريعاً. اللقاء الأول بأمير الشعراء في ذلك الوقت، عام 1918، كان عبدالوهاب في حوالي الخامسة عشرة من عمره، وكان الشاعر أحمد شوقي يتردد أحياناً علي مسرح عبدالرحمن رشدي، وفي ليلة من الليالي، جلس الشاعر الكبير يستمع إلي هذا الصوت الساحر، وهو يغني في ساعة متأخرة من الليل، ونظر إلي صاحب الصوت، ذلك الصبي النحيل الذي يبدو عليه الإرهاق من سهر الليالي، فأشفق عليه، وقرر أن يبذل كل ما في وسعه، ليمنعه من الغناء، إنه ثروة قومية، وهو صغير، لا يحتمل هذا الجهد الذي يبذله، فمن صالحه أن يتوقف عن الغناء، وهو في هذه السن، فترة من الزمن. وبالفعل، استطاع الشاعر أن يستصدر من حكمدار القاهرة الإنجليزي، أمراً يمنع محمد عبدالوهاب من الغناء، حتي يريح صوته، ويسترد صحته، واستوعب محمد عبدالوهاب الدرس، وذهب لتوه، فالتحق بنادي الموسيقي الشرقي، وكان أول معهد منظم نشأ في مصر، سنة 1915، علي يد جماعة فنية من كبار رجال المجتمع المصري، آنذاك، ومن هواة الموسيقي الشرقية، المتطلعين إلي رفعتها، أمثال: مصطفي بك رضا، وحسن بك أنور، اللذين تعهدا محمد عبدالوهاب، وأعدا له برنامجاً تعليمياً حافلاً، وأعفياه من رسوم الالتحاق بالمعهد، وكان لهذا القرار، الذي نفذه بالفعل حكمدار القاهرة، بناء علي طلب الشاعر أحمد شوقي، بمنع محمد عبدالوهاب من الغناء والتمثيل، لصغر سنه، ولأن صحته لا تساعده علي السهر، كان لهذا القرار، وقع الصاعقة علي رأس المطرب الصغير، لماذا يعاكسه الحظ دائماً؟ لقد وافقت أسرته بصعوبة علي اشتغاله بالفن، وما كاد يجني ثمار التحاقه بفرقة عبدالرحمن رشدي، لقاء راتب كبير، بلغ ثلاثة جنيهات في الشهر، حتي اعترض طريقه هذه المرة، شاعر كبير، وبكي الصبي، وهو يسأل مدير الفرقة، عبدالرحمن رشدي: لماذا يحرمني شوقي بك من مزاولة الفن الذي أعيش من أجله؟ وربت المحامي الشاب علي كتف الصبي الفنان، وقال له: شوف يا محمد، صحيح إنك موهوب، ولكنك مازلت صغيراً، ولم يستو عودك بعد، والموهبة وحدها لا تكفي، عليك بتعلم أصول الموسيقي والغناء، من مصادرها، وهكذا، ترك الصبي الموهوب خشبة المسرح، إلي مقعد الدرس، ليتعلم أصول الموسيقي العربية، ويتصل بشيوخها المحافظين، وشبابها المتطلعين للتجديد. أساتذة عبدالوهاب درس عبدالوهاب علي يد درويش الحريري، ومحمود رحمي، فن الموشحات الأندلسية، وهو فن لم يتعرف عليه عبدالوهاب، عن قرب، لقد حفظ وغني أدوار الشيخ سلامة حجازي، ومحمد عثمان، وعبده الحامولي، وطقاقيق صالح عبدالحي، ولكنه لم يغنِّ هذا الشكل الغنائي المتقن، أما الرجل الذي أثار اهتمامه، وفجر مشاعره الموسيقية، فهو: صفر علي، هذا الفنان الذي لم يكتف بالموهبة، فحسب، بل واظب علي التعرف علي أصول وقواعد الموسيقي الغربية، أيضاً، فقدم أول محاولة في أوبرا عربية من فصل واحد، سنة 1916، وكان صفر علي، أول من علم محمد عبدالوهاب، بعض الأساليب المقتبسة عن الموسيقي الأوروبية، والغناء الأوبرالي، كما درس عبدالوهاب علي يد موسيقي إيطالي، كان يحاضر في مادة "الصولفيج"، وقواعد وأصول الموسيقي الغربية، في نادي الموسيقي الشرقي، كما تعلم عزف العود علي يد ملحن شاب، كانت الأوساط الموسيقية قد بدأت تتكلم عنه وعن أسلوبه في التلحين، وهو محمد القصبجي، وفي هذه الأثناء، وبالتحديد سنة 1917، مات الشيخ سلامة حجازي، زعيم الغناء العربي، وصاحب الصوت الأسطوري، ورائد المسرح الغنائي، وكان لخبر موته، وقع الصاعقة علي المعجبين به، ومنهم عبد لوهاب. تقدم عبدالوهاب تقدماً ملحوظاً في بداية دراسته، في نادي الموسيقي الشرقي، حتي رشحته إدارة النادي، هو وزميل له، لبعثة لدراسة الموسيقي في باريس، كانت قد أعلنت عنها وزارة المعارف المصرية، سنة 1918، وكاد عبدالوهاب يطير فرحاً لهذا النبأ، ولكن الحظ لم يحالفه، للأسف، فرسب في امتحان القبول الذي عقدته الوزارة، وفاز زميله بالبعثة. في هذه الفترة، وفي سنة 1918، بدأ الناس يستمعون، في بعض الحفلات الخاصة، إلي صوت جميل لفتاة ريفية، تلبس ملابس صبي، بالطو وكوفية وعقال، تدعي أم كلثوم إبراهيم، تصاحبها بطانة من المشايخ، وهم يغنون، أو بالأحري، ينشدون القصائد الدينية، بدون أي آلة موسيقية، وقد أجمع كل من استمع إلي هذه المغنية الريفية، علي أنها تتمتع بصوت عذب قوي، وسيكون لها ومحمد عبدالوهاب مع الغناء العربي، شأن كبير.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.