3 خطوات حكومية لضبط المدارس الإخوانية    الأمين العام لبيت الزكاة يهنئ الرئيس والمصريين بالعام الهجري الجديد    تعرف على أسعار الخضراوات والفاكهة بالأسواق .. فيديو    البترول: بدء إنتاج 500 مليون قدم مكعب غاز يومياً نهاية 2018    هالة السعيد: نستهدف ربط خطط الإصلاح الإدارى بالمشاكل الحقيقية    قطاع الأعمال: مؤشر ربحية الشركات التابعة يسجل 3.674 مليار جنيه    الصين ترحب بجهود ميانمار لرفع المعاناة عن ولاية راخين    سوريا تسقط طائرة إسرائيلية قرب مطار دمشق    قوات البحرية التونسية تنقذ 78 مهاجرا تونسيا قبالة سواحل الشابة    تيلرسون يهاجم روسيا.. وموسكو تتعجب    الصحف التونسية:نتيجة مباراة الذهاب بين الأهلي والترجي «فخ» ويجب الحذر من المارد الأحمر    نيبوشا يقود الزمالك في اختبار صعب أمام المصري على ملعب برج العرب    بعد البداية الضعيفة.. 5 عوامل تحفز ريال مدريد على التتويج بالدوري الإسباني    التعليم تنتهي من طباعة (99%) من كتب العام الدراسي الجديد    غار العشيق من الزوج.. فانتقمت الزوجة بقتل زوجها    افتتاح مسجد «تحيا مصر» بحي الأسمرات اليوم    الزراعة تنتهى من تدريب17 متدرب من 13 دولة افريقية علي تقنيات زراعة الأرز    ارتفاع حصيلة قتلى الزلزال الذي ضرب المكسيك الثلاثاء الماضي إلى 286 شخصا    كوبر يطلب عقد جلسة مع شريف إكرامي    تيلرسون: موسكو تضعف قدرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية    اليوم.. مصر تستلم "فرقاطة الفاتح" من فرنسا    مصادر ملاحية: عودة حركة الطيران بين القاهرة واسطنبول    بالفيديو.. انخفاض تدريجي في درجات الحرارة والقاهرة تسجل 34    القبض على صيدلي متهم بالاتجار في الأقراص المخدرة بسوهاج    ضبط 11 قطعة سلاح و51 تاجر مخدرات خلال حملة مداهمة بالجيزة    إصابة 8 أطفال باشتباه تسمم عقب تناولهم "أرز باللبن" في سوهاج    الآلاف من مريدى السيوطى يحتفلون بالليلة الختامية لمولده    اليوم .. قصر ثقافة القناطر الخيرية يستضيف فعاليات مهرجان سماع الدولي    الهناجر تحتفل بذكرى رحيل هند رستم    يحدث اليوم : "دروس من الهجرة النبوية".. عنوان خطبة الجمعة اليوم و اليوم.. وزير الأوقاف يلتقي قيادات "الدعوة" بالقاهرة    سر الفيروس الغامض الذي اجتاح البحر الأحمر    اكتشاف 19 مقبرة من العصر الحجري الحديث بشمال شرق الصين    بالفيديو.. امرأة تقتحم محل ملابس ملك كيم كارداشيان بسلاح ناري    ضبط 12 كيلو بانجو داخل مستشفى الإسماعيلية العام    العراق: "الحشد الشعبي" يعلن انطلاق الجزء الثاني من عملية تحرير مناطق غرب الحويجة    بسبب المشاجرات مع سائقي الميكروباص.. "المالية" تصدر 100 مليون جنيه "فكة"    جامعة المنصورة تنظم ندوة بمناسبة اليوم العالمى للزهايمر بنادى الحوار    في ذكرى ميلاده.. محطات هامة في حياة.. الأستاذ    إحالة طبيبين للتحقيق ونقل آخر بمستشفى سمسطا المركزي ببني سويف    الخارجية: الخلافات مستمرة بين مصر وأثيوبيا والسودان على بنود سد النهضة    بالأرقام.. ماذا قدم حسام حسن أمام الزمالك في مواجهاته السابقة؟    عبد الحفيظ: تعودنا على أجواء راس .. سنعود ببطاقة التأهل من تونس    ننشر نص كلمة البابا تواضروس الثانى في احتفالية مجلس كنائس مصر بذكري تأسيسه    الششتاوي: لم نتطرق للائحة الاسترشادية وإنما لإجراءات التصويت عليها    بالفيديو.. برلمانية تروي كيف تغلبت على مرض السرطان    أوتوماك وأباظة وغزى.. حكاية عمرها 17 سنة !    خمسة عروض يوميا.. و«التجربة» المصرية تختتم الفعاليات    إبراهيم عثمان يعلن ترشحه لرئاسة الإسماعيلى    علماء الدين يدعون إلى استلهام دروسها    لإقامة أكبر مشروع استثمارى تنموى بالشرق الأوسط    توحيد درجات القبول بكليات القمة بجامعة الأزهر فى القاهرة والأقاليم    إنا لله وإنا إليه راجعون    بدون مقدمات    3 وزارات تتحرك للحد من حوادث الطرق    150 تقريرًا تحليلياً عن داعش أصدرتها دار الإفتاء المصرية    سجود السهو سنة    جدل أزهرى حول مشروع قانون تطليق المرأة نفسها بسبب الزواج الثانى    واحة الإبداع..ماهيش غابة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تراجع احتياطيات النقد الأجنبي
الخطر المفزع الذي يدق أبواب الاقتصاد المصري
نشر في الأهرام اليومي يوم 19 - 11 - 2011

في الوقت الذي ارتفعت فيه احتياطيات النقد الاجنبي للصين إلي‏3‏ تريليونات دولار‏3000‏ مليار دولار فإن احتياطيات مصر انخفضت إلي‏22‏ مليار دولار مع نهاية أكتوبر الماضي‏,‏ بانخفاض قيمته مليارا دولار عن الشهر السابق‏. وذلك وفقا للإعلان الصادر عن البنك المركزي وفي ظل واردات سنوية قيمتها50.8 مليار دولار في السنة المالية الأخيرة2011/2010 المنتهية في30 يونيو الماضي, فإن الاحتياجات الاستيرادية تتطلب أكثر من4.2 مليار دولار شهريا, وتبلغ في المتوسط نحو12.5 مليار دولار كل ثلاثة أشهر, ومعني ذلك أن الاحتياطيات النقدية الآمنة القادرة علي إعطاء انطباع ايجابي عالمي عن الاوضاع الاقتصادية المصرية يجب ألا تقل بأي حال من الأحوال عن52 مليار دولار, وهو ما أكدت عليه جريدة التايمز البريطانية الرصينة في الأسبوع قبل الماضي الذي اشارت فيه إلي أن جملة احتياطيات النقد الاجنبي البالغة141 مليار دولار في عام2003 كانت تغطي بالفعل احتياجات مصر الاستيرادية لمدة عام, وأن جملة الاحتياطيات مع قيام الثورة والبالغة36 مليار دولار كانت تغطي فقط لاغير7 و8 أشهر من احتياجات الاستيراد, وأكدت الجريدة بناء علي ذلك أن الزيادة في القيمة الاجمالية للاحتياطيات لاتعكس تحسنا في وضع الاحتياطيات الدولية قياسا للاحتياجات الاستيرادية السنوية, وأنه لحظة قيام الثورة في25 يناير كانت الفجوة في احتياطيات النقد الأجنبي الفعلية تبلغ16 مليار دولار.
ووفقا لتحليل جريدة التايمز الهادئ فإن الوضع الراهن لاحتياطيات النقد الأجنبي يعني فجوة قياسا بالاوضاع الآمنة تبلغ نحو30 مليار دولار نتيجة لانخفاض احتياطيات النقد الأجنبي بالبنك المركزي إلي22 مليار دولار فقط لاغير, بانخفاض قدره14 مليار دولار علي امتداد الأشهر التسعة الماضية فبراير- أكتوبر وبعيدا عن تقديرات التايمز التي تلتزم بقواعد التحليل الاقتصادي الكاملة في الاوضاع الطبيعية غير الاستثنائية فإن نفس القواعد ايضا تسمح بالتحليل في نطاق الفترة الاستثنائية المرتبطة بظروف انتقالية سياسية واقتصادية جارفة, كما هو الحال منذ ثورة25 يناير أن يتم الحديث عن قيم آمنة نسبيا للاحتياطيات الدولية قادرة علي تغطية الاحتياجات الاستيرادية للدولة لفترة زمنية تصل إلي ستة أشهر علي الأقل, وهو ما يقابل احتياطيات قيمتها25 مليار دولار علي الأقل, وما كان يتوافر بالفعل من احتياطيات مع نهاية أكتوبر الماضي كان يبلغ22 مليار دولار,وهو ما يعني أن الاحتياطيات أقل من حدود الامان بقيمة قدرها3 مليارات دولار, ومع توقع نفس معدل الانخفاض للاحتياطيات في شهر نوفمبر الحالي, فإن الفجوة الحقيقية ترتفع إلي5 مليارات دولار في ظل توفر20 مليار دولار فقط لاغير مع بداية ديسمبر المقبل تغطي الاحتياجات الاستيرادية لعدد4.8 شهر وهو معدل بالغ التدني والخطورة يطلق كل اجراس الخطر عالية ومدوية.
تراجع الاحتياطيات علي الرغم من ارتفاع حصيلة النقد الأجنبي
مع تسليط الضوء الأحمر الفاقع علي أوضاع احتياطات النقد الاجنبي بحكم انها لا تستخدم في الظروف العادية لتمويل استيراد الاحتياجات الرئيسية للبلاد ولكنها تستخدم وقت الحاجة والضرورة, وعند اشتداد الأزمة وتراجع المخزون الاستراتيجي من السلع الاستراتيجية الحيوية اللازمة للحياة والوجود, لذلك فإن جرس الانذار لابد أن يجلجل في كل جنبات المحروسة باعتباره أمرا جللا يستوجب نوبة صحيان لايقاظ جميع النيام من سباتهم العميق بحكم أن الوضع الراهن يختلف اختلافا جذريا عن الأوضاع منذ أربعة أشهر وأكثر عندما ارادت الفلول إعلان إفلاس مصر, وكان احتياطي النقد الأجنبي يومها يغطي الاحتياجات الاستيرادية لنحو سبعة أشهر, والأهم من ذلك أن التقديرات يومها كانت تشير إلي أن الاوضاع الاقتصادية العامة لابد وأن تسترد جزءا مهما من عافيتها, وتؤكد بالمنطق البديهي البسيط أن التصويت والتصحيح العاجل السريع لابد أن يطرق الابواب في كل المؤسسات والاجهزة, ويتيح بالتبعية ايقاف نزيف تراجع احتياطيات النقد الأجنبي والتمكن من اضافة احتياطيات جديدة بشكل مستقر ومتواصل, لكن العكس تماما هو الذي حدث, وارتفع ايقاع النزيف, وتصاعدت حلقاته مع حكومة تصر علي معاداة ألف باء المنطق الاقتصادي, وتتهرب من مواجهة مسئوليتها الالزامية والحتمية.
وعندما أكدنا منذ أكثر من أربعة اشهر أن الاقتصاد المصري مازال عفيا يملك مقومات الصمود, وتجاوز الظروف الاستثنائية, بل الانطلاق إلي الانتعاش, ما كان ذلك يعبر عن أماني ومشاعر ثورية منفعلة بل كان يعبر عن حقائق الواقع الفعلية الايجابية, وهو ما أكدته بالفعل النتائج النهائية للسنة المالية المنتهية في30 يونيو الماضي التي تتضمن نحو ستة أشهر من الثورة, أي نصف العام المالي المنقضي بالتمام والكمال, وكان في مقدمتها زيادة الإيرادات الضريبية للخزانة العامة للدولة بأكثر من12.1% كمؤشر علي توافر إيرادات بالجنيه المصري, اما في نطاق مؤشرات توافر الإيرادات بالنقد الاجنبي, فقد كان الأمر شديد الايجابية حتي للمبتدئين في علم الاقتصاد, وعلم المالية العامة للدولة. حيث ارتفعت قيمة الصادرات المصرية وفقا لاحصائيات البنك المركزي إلي27 مليار دولار مقابل23.9 مليار دولار في السنة المالية السابقة2010/2009, وعلي نفس المنوال ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلي12.6 مليار دولار مقابل9.8 مليار دولار, بارتفاع قدره28 مليار دولار واللافت للانتباه أن إيرادات السياحة بلغت10.6 مليار دولار مقابل11.6 مليار دولار, مما يعني أن خسائر قطاع السياحة في الإيرادات لم تتجاوز مليار دولار في الأشهر الستة الأولي من عمر الثورة, ولا يقل عن ذلك أهمية بمعايير الاقتصادي والنقد الأجنبي أن العجز في الميزان التجاري انخفض إلي23.8 مليار دولار, مقابل عجز قيمته25.1 مليار دولار, في السنة المالية السابقة2009/.2010
وكافة هذه المؤشرات عن تحويلات المصريين بالخارج وعن حصيلة الصادرات وعن عائدات قطاع السياحة تؤكد أن حصيلة النقد الأجنبي إلي مصر قد ارتفعت ولم تنخفض وكان من الواجب أن تنعكس ايجابيا بالتالي علي اوضاع احتياطيات النقد الأجنبي بالبنك المركزي, وعلي البنوك العامة والاستثمارية والاجنبية خاصة أن العجز بالميزان التجاري انخفض, وما يعنيه من ارتفاع قدرة الصادرات علي تمويل الواردات, وتبدو المؤشرات الاقتصادية شديدة التفاؤل, حيث نضيف إيرادات قناة السويس البالغ قيمتها نحو51 مليارات دولار في السنة المالية الماضية, وهي إيرادات مازالت حتي هذه اللحظة في تزايد وارتفاع وفقا لتصريحات الفريق أحمد فاضل رئيس هيئة القناة, لبرنامج علشان بكرة المذاع علي الفضائية المصرية خلال شهر أكتوبر الماضي, وتأكيده أن الإيرادات المحققة خلال الاشهر التسعة الأولي من العام الحالي يناير- سبتمبر ارتفعت بمعدل11.4% بالمقارنة بنفس الفترة من العام الماضي, وأن قيمتها بلغت3894.8 مليون دولار, مقابل3496.4 مليون دولار, هو ما يؤكد ايضا استمرار تحسن إيرادات النقد الأجنبي وتدفقها بالزيادة وليس بالنقص, وما كان يجب أن يعنيه من المزيد من الاطمئنان والثقة وليس المزيد من الاضطراب والفوضي. ومع صدور هذه المؤشرات الاقتصادية من البنك المركزي فإنها تعني أن هذه التدفقات النقدية بالنقد الأجنبي قد دخلت بالفعل إلي خزائن البنوك, فيما يخص إيرادات المنشآت الخاصة والافراد وأن جانبا منها قد دخل خزائنه فيما يخص جانبا مهما من الإيرادات العامة باعتبارها إيرادات للخزانة العامة للدولة.
22 مليار دولار صافي تدفق الاستثمار المباشر لمصر
وحتي علي نطاق الاستثمار المباشر فإن الميزان النهائي لا يوضح وفقا لدراسة الخبير المصرفي أحمد آدم اعتمادا علي بيانات البنك المركزي أن قيمة الاستثمارات الاجمالية المتدفقة إلي مصر في السنة المالية الأخيرة2010-2011 بلغت9.6 مليار دولار, وأن قيمة الاستثمارات الإجمالية الخارجة التي تركت السوق المصرية بلغت7.4 مليار دولار, وهو ما يعني أن هناك2.2 مليار دولار تشكل صافي التدفق الاستثماري بالنقد الاجنبي, وهو مايعني بوضوح أن خروج الاستثمار الاجنبي والعربي واستثمارات المصريين بالخارج لم تشكل عبئا ثقيلا علي اوضاع النقد الأجنبي ومتحصلاته بحكم أن ميزان المتحصلات الصافية للتدفق الخاص بالاستثمارات المباشرة دخولا وخروجا هو في التحليل النهائي ميزان ايجابي لصالح مصر وحقق بالفعل فائضا من النقد الأجنبي قيمته2.2 مليار دولار, وهو ما يعني أن حديث توقف تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة للسوق المصرية هو حديث يخلو من الصحة والصدق, خاصة ان قيمة تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر في الاشهر الستة الثانية للسنة المالية وهي أشهر الثورة بلغت قيمته4.1 مليار دولار وكل مؤشرات تدفق الاستثمارات المباشرة لاتتوافق منطقيا مع توالي انخفاض حصيلة الاحتياطات النقدية الدولية بالبنك المركزي بل تتعارض معها جملة وتفصيلا.
وتتعمق التساؤلات الحائرة من خلال دراسة الخبير المصرفي وما تضمنته من مراجعة لايداعات البنوك المصرية لدي البنوك في الخارج وما لحق بهذه الإيداعات من ارتفاعات ملحوظة, حيث كانت هذه البنوك تملك ايداعات في الخارج مع نهاية السنة المالية2009-2010 تصل قيمتها إلي57.4 مليار جنيه مصري, في حين أن قيمة هذه الايداعات ارتفعت إلي98.4 مليار جنيه مع نهاية السنة المالية الأخيرة2010-2011 بما يصل إلي نحو ضعف قيمتها علي الرغم من الثورة التي يلصق بها زورا وبهتانا الكثير من الاباطيل الكاذبة حتي تتحول إلي فزاعة تخيف كل المصريين وغير المصريين, وتعكس هذه الارقام توافر المزيد من الايداعات بالنقد الاجنبي لدي البنوك, كما توضح أنه في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة الدولة ممثلة في البنك المركزي علي تكوين المزيد من الاحتياطات بالنقد الأجنبي أو علي الأقل الحفاظ علي المعدلات القائمة بل تعرضها للانخفاض المتوالي المثير للقلق والمخاوف الحقيقية, فإن الايداعات بالنقد الأجنبي تتصاعد وترتفع بالبنوك وتحويلها للخارج يتضاعف, مما يعيد إلي الاذهان صورة النظام البائد وسطوة وثراء التشكيل العصابي الإجرامي الذي كان يتحكم في أقدار الاقتصاد ومقاديره ليصنع دولة فقيرة وقلة شديدة الغني والثروة.
وقد تضمنت تصريحات المسئولين عن البنك المركزي في الأشهر الأول التالية لقيام ثورة25 يناير الحديث عن تدخل البنك بضخ عملات أجنبية في السوق بهدف زيادة المعروض من النقد الأجنبي بما يضمن استقرار أسعار صرف الجنيه المصري ويمتص محاولات المضارية في سوق الصرف واستغلال المضاربين للرغبة المتزايدة في الانتقال من الجنيه المصري للعملات الاجنبية.. وفي مقدمتها الدولار تحسبا للاوضاع المستجدة, وما يحيطها من متغيرات, وقد استقرت الاوضاع في سوق الصرف علي امتداد الأشهر التسعة الماضية واستقر سعر صرف الجنيه امام الدولار الأمريكي أقل من سقف الستة جنيهات بقروش قليلة وكأن ذلك أحد الأهداف الرئيسية لسياسة سعر الصرف التي يشرف علي تنفيذها البنك المركزي, وهي تعني في الواقع العملي أن يستمر البنك في ضخ المزيد من العملات الأجنبية للسوق بشكل منتظم يضمن الحفاظ علي هذا الاستقرار مما يدفع للتساؤل عن قيمة الأموال التي ضخها البنك علي امتداد الأشهر العشرة الماضية فبراير- أكتوبر لضمان استقرار سعر صرف الجنيه والمطالبة بتحديد نسبتها من الانخفاض الاجمالي لاحتياطيات النقد الاجنبي البالغة14 مليار دولار.
فاتورة تكلفة تثبيت سعر الصرف والأرباح الضخمة للتحويلات
وفي ضوء الضغوط المتواصلة التي يعاني منها احتياطي النقد الاجنبي وتتسبب في تراجعه فإن طرح تساؤلات علنية للنقاش العام بين المسئولين والاكاديميين والمختصين حول سعر الصرف الأمثل في المرحلة الراهنة الذي يحقق العائد الأكبر للاقتصاد القومي ويضمن تخفيض فاتورة التكاليف والخسائر إلي الحد الأدني يعتبر مطلبا مشروعا وعاجلا بحكم أن سعر الصرف الحالي يمثل ميزة إضافية لجميع الراغبين في التحويل من الجنيه إلي العملات الأجنبية, كما أنه يمثل ميزة لتحويل الاموال للخارج بكل صوره واشكاله خاصة لاصحاب الاستثمارات المباشرة والاستثمارات غير المباشرة الراغبين في الخروج خاصة هؤلاء الذين استثمروا في أذون وسندات الخزانة المصرية وحصلوا علي أسعار الفائدة الأعلي, وفي نفس الوقت حصلوا علي ميزة ثبات أسعار الصرف عند التحويل للجنيه وعند إعادة التحويل للدولار للقيمة الاصلية لاستثماراتهم, وما أضيف إليها من ارباح وعوائد ولو كان سعر الصرف قد تراجع, وتم التخلي عن تثبيته ودعمه لتردد اصحاب الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في الخروج من السوق المصرية حتي لايتحملوا خسائر سعر الصرف.
وفي كل دول العالم فإن البنوك المركزية وباعتبارها الرقيب وباعتبارها الأمين علي السياسة النقدية واوضاع النقد الأجنبي وسياسات الصرف فانها مطالبة دائما بالتحرك السريع والعاجل في مواجهة العواصف الطارئة, وكان من الواجب أن تتخذ حزمة من الإجراءات لمواجهة المستجدات المرتبطة بالثورة المصرية, وفي مقدمتها التوقعات الخاصة بخروج الاستثمارات من مصر بصورة جزئية باعتباره الاحتمال الوارد في المراحل الانتقالية لأي دولة وهو ما كان يتطلب منظومة متكاملة من القواعد التي تحد من التحويل ولو باساليب غير مباشرة كان في مقدمتها بالقطع استخدام سلاح سعر الصرف وهو ما كان يتطلب السماح بتخفيض آمن لسعر صرف الجنيه يدور حول10% من قيمته خاصة ان أسعار صرف العملات الدولية قد شهدت تقلبات حادة خلال الفترة الماضية ارتفع معها سعر صرف الدولار الأمريكي الذي هو عمله التقويم الدولي الرئيسية لسعر صرف الجنيه في مواجهة كل عملات العالم الاساسية وما كان الأمر ليصل لحد الخطر الحقيقي لو سمح خلال شهري من الذعر والفزع لمستثمري العالم الخارجي فبراير- مارس أن يكون الانخفاض ملحوظا ليصل إلي15% ارتفاعا في سعر صرف الدولار ولو حدث ذلك لانخفضت الكثير من خسائر مصر من النقد الاجنبي وتم الحفاظ علي جزء مهم من احتياطيات النقد الأجنبي المستنزفة بسبب السياسات النقدية الخاطئة.
وحتي تتضح كل جوانب الموضوع شديدة الخطورة فإن تحديد حقيقة مسئولية الحكومة ووزارة المالية تحديدا عن تراجع احتياطيات النقد الاجنبي لابد وأن تكون محلا لدرجة عالية من الشفافية في المرحلة الراهنة شديدة الخطورة ويرتبط بذلك حتمية الاجابة علي تساؤل محوري يدخل تحت بند حتمية معرفة استخدامات حصيلة بيع هذه الاحتياطيات بحكم أن عملية البيع علي سبيل المثال لاتاحة الفرصة لخروج الاستثمارات الاجنبية غير المباشرة في أذون الخزانة المصرية يعني حصيلة بالجنيه المصري تصب في النهاية في خانة الخزانة العامة للدولة كما أن بيع العملات الأجنبية لتحقيق وفرة في المعروض بالسوق لضمان توازن أسعار الصرف يعني ايضا حصيلة بالجنيه المصري تتدفق للخزانة العامة للدولة, إلا إذا كان المستخدم لذلك هو احتياجات النقد الأجنبي غير الرسمية التي كانت قيمتها تبلغ نحو10 مليار دولار مع يناير الماضي, ويؤدي كل ذلك في النهاية إلي تحقيق فوائض للبنك المركزي تصب في خانة مصلحة الخزانة العامة وترفع من قيمة التمويل المتاح للموازنة العامة للدولة ولابد من إزالة الالتباس حول هذه النقطة تحديدا حتي يمكن التعرف علي كل جوانب التراجع في احتياطيات النقد الاجنبي ومبرراتها وصولا للمطالبة بالوقف الفوري للقرارات التي لا تسند إلي مبررات حقيقية, وكذلك تلك التي تتسبب في كوارث يصعب مواجهتها وإصلاحها.
تعد البنوك المركزية بالمعايير والمقاييس العالمية حائط الصد الرئيسي في مواجهة القرارات والطلبات الحكومية غير الرشيدة وتنازل البنوك المركزية عن هذا الدور الحيوي يؤدي إلي دفع مجمل الاوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية إلي دوامات الفوضي والاضطراب, وهو ما يفسر الاحاديث العالية المستفيضة عن استقلال البنوك المركزية وعدم امكان عزل المحافظين بقرارات من السلطة التنفيذية ضمانا للاستقرار وعدم الانحراف, لكن التجارب العالمية الكثيرة المريرة اثبتت خضوع الكثير من البنوك المركزية بل غالبيتها الكاسحة لضغوط ومشيئة السلطات التنفيذية بالدول النامية والمتقدمة علي السواء, وكانت البنوك المركزية في دول النمو الآسيوية شريكا اساسيا ضالعا في كل التحايل والتزوير والنصب في معاملات الجهاز المصرفي, وكذلك علي مستوي فبركة المؤشرات القومية الرئيسية, وعندما واجه العالم الكارثة المالية عام2008 ثبت للجميع أن البنوك المركزية آخر من يعلم في أمريكا والدول الأوروبية بل ثبت يقينا أنها لم ترغب في العلم والمعرفة بالعمد, مع سبق الإصرار والترصد.
ويفترض بعد ثورة25 يناير أن يكون هناك لدي البنك المركزي الالتزام بالمعرفة والتزام بدور الرقيب, والتزام بالحرص الشديد علي مصالح الاقتصاد القومي بدرجة عالية من الكفاءة والحنكة,وهو ما يستوجب أن يقول( لا) لكل ما يضر ولا ينفع, وهو يملك أن يقولها واقعيا بحكم ما يملكه من صلاحيات تصل إلي امتلاكه حق الفيتو الذي يمنع تنفيذ قرارات السلطة التنفيذية الضارة بالاوضاع المالية والاقتصادية والنقدية, وهذا ما لم يحدث علي ارض الواقع بعد25 يناير كما كان يحدث بالضبط قبل25 يناير, ومن أبرز الأمثلة علي ذلك أن البنك المركزي لم يبادر باتخاذ قرار برفع أسعار الفائدة كما هو العرف والواجب وكان قراره الأخير السابق استمرار تثبيتها كما هي علي امتداد الأشهر الطويلة الماضية, ثم اتخذت وزارة المالية قرارا برفعها بمعدل2% وتحركت بناء عليه كل أسعار الفائدة بالسوق المصرفية.
وتفسير ذلك يرتبط بالإعلان عن رفع سعر الفائدة لشهادات الاستثمار المتميزة بالبنك الأهلي, وبنك مصر, وهي في حقيقتها شهادات يديرها البنكان نيابة عن البنك المركزي لصالح الخزانة العامة للدولة, وهي نوع من أنواع الاقتراض المباشر للدولة من القطاع العائلي, وهو اقتراض يماثل قيام البنوك بشراء سندات وأذون الخزانة, ومع ارتفاع الفائدة التي تطالب بها البنوك لشراء سندات الخزانة إلي13.6% من العطاء الأخير, وما يقال عن ندرة السيولة بالبعض منا اضطرت وزارة المالية للاقتراض المباشر من القطاع العائلي بتحفيزه بسعر الفائدة الأعلي البالغ12% والذي يعني في النهاية ان الخزانة العامة حصلت علي تخفيض قدره1.6% قياسا بسعر فائدة الاقتراض من البنوك, وبدت الصورة علي أرض الواقع وكأن وزارة المالية هي التي تقرر أسعار الفائدة وليس البنك المركزي.
وفي سياق هذا الالتباس الفعلي بين دور السلطة التنفيذية ومسئوليات البنك المركزي فإن التساؤل عن قدرة أو عدم قدرة البنك المركزي علي تكوين احتياطيات جديدة بالنقد الأجنبي لتعويض التآكل والنقص يرتبط بتوفير الأموال اللازمة بالجنيه المصري اللازمة لشراء النقد الاجنبي بحكم أن عدم توافرها يمنع عملية الشراء بل قد يكون الدافع الرئيسي للتوسع في عمليات للبيع لاحتياطيات النقد الأجنبي ويعكس عدم توافر مؤشرات عن حقيقة الاوضاع درجة عالية من الالتباس والغموض ودرجة عالية من فقدان الشفافية تدفع بسفينة الاقتصاد المصري للغرق العمدي دون أن يملك أي أحد روشتة الإنقاذ بحكم أن كل الاطراف لا تسمع ولا تري ولا تتكلم؟!
المزيد من مقالات أسامة غيث


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.