لم يكن قرار التجديد لامرأة تتولى رئاسة أكاديمية الفنون خطوة عابرة أو إجراءً إداريًا روتينيًا، بل إشارة واضحة إلى أن المؤسسة التي تحمل ذاكرة الفن المصري ومستقبله تحتاج إلى قيادة تمتلك انضباط الأكاديمي ورحابة الإنساني معًا. من هنا تبرز دلالة استمرار الدكتورة غادة جبارة في موقعها، وهي التي استطاعت خلال سنوات قليلة أن تنقل الأكاديمية من حال الجمود إلى فضاء نابض بالحياة، متصل بروح العصر دون أن يتخلى عن جذوره. غادة جبارة القادمة من عالم السينما، ومن خبرة المونتاج تحديدًا، تحمل حساسية استثنائية في قراءة التفاصيل الدقيقة داخل الصورة الأكبر. انعكست هذه البصيرة على إدارتها للأكاديمية، فلم تتعامل معها كجهة تعليمية فحسب، بل كساحة تُصاغ فيها ملامح الوعي الفني في مصر. لذلك بدأت من الداخل: تحديث مناهج، رقمنة الإدارة، فتح مساحات جديدة للبحث العلمي، وإعادة النظر في فلسفة القبول والتدريب. لكنّ جوهر مشروعها كان بسيطًا وعميقًا: أن يشعر الطالب بأن الأكاديمية ليست محطة عابرة، بل بيت ينتمي إليه. عندما تُجدد الدولة لرئيسة أكاديمية الفنون فهي، في الواقع، تجدد لمشروع يقوم على ثلاث ركائز: تطوير مؤسسي حقيقي، توسع في الدور الثقافي، وتحرير للمواهب من قبضة البيروقراطية. شهدت الأكاديمية في عهدها انتقالًا نوعيًا نحو الرقمنة: منصات إلكترونية للدراسة، نظم قبول حديثة، تعاون بحثي مع بنك المعرفة، وإحياء دور النشر العلمي. لم يكن هذا تحديثًا إداريًا فقط، بل تحولًا من عقلية الورق إلى عقلية المعرفة، ومن ثقل الروتين إلى خفة المستقبل. في خطوة تُعد من الأكثر جرأة منذ عقود، قادت جبارة مشروع التوسع الجغرافي للأكاديمية عبر افتتاح فرع الإسكندرية. مشروع يخاطب فكرة مركزية: أن يصل التعليم الفني إلى مدن مصر كافة، وأن يُتاح لأبناء الوجه البحري أن يجدوا صالتهم ومرسمهم ومسرحهم دون أن يقطعوا المسافات الطويلة. لم يكن الافتتاح توسعًا إداريًا بل إعادة توزيع للخيال على الخريطة. ثم جاءت الروح. فالإدارة وحدها لا تكفي لإنهاض مؤسسة فنية. لذلك أعادت جبارة الحياة إلى الحرم الأكاديمي: فعاليات، ملتقيات، عروض مسرحية وموسيقية، وإذاعة للأكاديمية تمنح الطلاب مساحة للتجريب والحوار. هذا الحراك انعكس على حضور واسع لطلاب الأكاديمية في مهرجانات عربية ودولية، وعلى تعاونات ثقافية أعادت الأكاديمية إلى موقعها كلاعب مؤثر في المشهد الفني العربي. ولأن الفن يُدار أيضا بمنح الفرص، أعادت د. غادة جبارة الاعتبار لملف رعاية الموهوبين. أزالت عنه مركزية التعطيل، ووضعت مكانها ثقة تُشجع المغامرة وتحتضن الطاقات الجديدة. هنا يصبح السؤال طبيعيًا: لماذا تبدو أكاديمية الفنون اليوم مختلفة؟ الإجابة، ببساطة ووضوح، أن رئيستها تتعامل مع الفن بوصفه مسؤولية موازية للبحث العلمي، وترى أن مصر تدخل عصرًا جديدًا من المؤسسات الإبداعية، وأن الأكاديمية يجب أن تكون جزءًا من التحول لا ظلًا له. لذا جاءت مشاريعها متوازنة بين تطوير البنية، وتفعيل الدور الثقافي، وإشراك الطلبة كشركاء في الحياة الفنية لا مجرد متلقين. إن تجديد الثقة في غادة جبارة ليس خبرًا إداريًا بقدر ما هو إعلان بأن المشروع يستحق الاستمرار، وأن السنوات المقبلة ستكون سنوات ترسيخ وإنضاج. وربما تكمن القيمة الكبرى لتجربتها في أنها قدّمت نموذجًا لقيادة فنية لا تنغلق في المكاتب، بل تتحرك في الشارع الإبداعي، تقرأ تحولات اللحظة، وتضمن للأكاديمية مكانها الطبيعي بين مؤسسات العالم.