سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
ذات يوم.. 29 نوفمبر 1947.. محمد حسين هيكل باشا يشهد اجتماعات الأمم المتحدة لإصدار قرار تقسيم فلسطين ويكشف تهديدات أمريكا للدول الرافضة ومنعها لبعضهم من حضور التصويت
كانت الباخرة البريطانية «كوين مارى» تواصل سيرها من نيويورك بعد ظهر 27 نوفمبر 1947، وعلى متنها عدد من رؤساء وفود الدول الذين شاركوا فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، من بينهم رئيس وفد «السوفييت» مستر فيشنسكى، ورئيس وفد لبنان شارل مالك، والدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس مجلس الشيوخ المصرى الذى كان رئيسا لوفد مصر فى هذه الاجتماعات التى استمرت دورتها ثلاثة شهور، وأصدرت فى نهايتها قرارها بتقسيم فلسطين فى 29 نوفمبر، مثل هذا اليوم، 1947، حسبما يذكر «هيكل باشا» فى الجزء الثالث من مذكراته «مذكرات فى السياسة المصرية». يسجل «هيكل باشا» شهادته عما جرى وعايشه فى كواليس الأممالمتحدة لإصدار قرار التقسيم، مشيرا إلى ظروف اختياره رئيسا للوفد المصرى، حيث كان مجلس الأمن الدولى سيناقش مذكرة تقدمت بها الحكومة المصرية حول خلافها مع إنجلترا بعد أن قطع النقراشى باشا رئيس الوزراء المفاوضات معها، وطلب من هيكل باشا أن يصطحبه إلى مجلس الأمن لكنه اعتذر ثم أبلغه بأنه اختاره ليترأس وفد مصر فى اجتماع الجمعية العامة وأخبر الملك فاروق بذلك، ويضيف: «طلبت من وزارة الخارجية أن تمدنى بما لديها من وثائق تفيد دراستها فى معالجة المسائل الواردة بجدول الأعمال وبخاصة مسألة فلسطين، ولم تسعفنى بأية وثيقة إلا ليلة سفرى، ولم تعطنى تقرير اللجنة التى أشارت إلى تقسيم فلسطين». يكشف «هيكل باشا» طبيعة ما رآه وشارك فيه من تحركات للوفود العربية فى نيويورك لمواجهة قرار التقسيم، ومواقف بريطانياوأمريكا والاتحاد السوفيتى الذين يؤيدونه، يكشف عما جرى فى اجتماعات فندق «ولدوف استوريا» بصالون الأمير فيصل بين سعود رئيس وفد المملكة السعودية (ملك السعودية فيما بعد)، ودعوة الأمريكيين من أصول عربية إلى وليمة عشاء كبرى فى فندق بنسلفانيا حضرها ألوف، وجلس ممثلو الدول العربية فى صدر المكان وبينهم وكيل الخارجية الأمريكية، وبعد تناول العشاء بدأ الخطباء يتكلمون مؤكدين خطر قرار التقسيم. يذكر «هيكل باشا» أن الوفود العربية اقتنعت بأن الموضوع سيفصل فيه بما يعتقدون أنه الحق والعدل، وأن حالة من السرور سادت عندهم حين علموا فى ليلة انعقاد الجمعية العامة أن الجنرال «رومولو» رئيس وفد الفلبين سيخطب لمصلحة العرب، وأن ممثلى بعض الدول الصغيرة غير الخاضعة للنفوذ الأمريكى المباشر ستصوت ضد القرار، وأن بعض الدول الخاضعة للنفوذ الأمريكى المباشر والتى كانت متجهة إلى تأييد التقسيم ستغيب عن جلسة التصويت، ويؤكد هيكل باشا، أن كل ذلك أدى إلى زيادة الأمل فى سقوط قرار التقسيم، مما بعث بعض الطمأنينة لدى الوفود العربية. يذكر «هيكل باشا»، أنه فى صباح يوم 27 نوفمبر 1947 حضر الجلسة، واستمع إلى رئيس وفد الفلبين يؤيد سياسة العرب، وعرف أن جلسة التصويت تأجلت إلى الغد، ثم ركب الباخرة عائدا إلى القاهرة، وفيها تلقى أنباء بأنها تأجلت إلى اليوم التالى (29 نوفمبر 1947)، وهو اليوم الذى صدر فيه قرار التقسيم، ويكشف «هيكل باشا» عن أن رئيس وفد لبنان شارل مالك الذى كان معه فى السفينة كان يتلقى أسرار ما جرى وفيه، أنه على أثر إلقاء الجنرال رومولو خطابه اتصل البيت الأبيض من واشنطن برئيس جمهورية الفلبين، وقام بتذكيره بأن الولاياتالمتحدة اعترفت باستقلال الفلبين منذ سنوات قليلة، وأنها لم تكن تنتظر أن يكون جوابها على هذا الاعتراف أن تعارض سياسة أمريكا فى مسألة تعيرها أهمية كبرى، وأن الرئيس ترومان يعتبر مثل هذا الموقف غير متفق عليه، وطلب من رئيس الفلبين أن يصدر إلى وفد بلاده فى الأممالمتحدة تعليمات بالتصويت مع قرار التقسيم. يضيف هيكل باشا، أنهم علموا أيضا أن بعض الذين وعدوا من ممثلى الدول الصغيرة بالتصويت ضد القرار لم يحضروا الجلسة، وتضاربت الشائعات فى سبب ذلك، فذهبت بعض الأقوال إلى أن البوليس الأمريكى منعهم بحجة أو بأخرى من الذهاب إلى مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورغم كل هذه الإجراءات لم ينل قرار التقسيم ثلثى أصوات الحاضرين، ولم يبلغ الرافضون للتقسيم ثلث الحاضرين كذلك، لأن عددا من الدول امتنعت عن إعطاء أصواتها، ولما كان الذين صوتوا فى مصلحة التقسيم يزيدون على ضعف الذين صوتوا ضده فقد اعتبر هذا تصويتا فى مصلحة قرار التقسيم، كما أقرته الأممالمتحدة، وأعلن ذلك فى الجمعية العامة، وأذيع فى أرجاء العالم جميعا. يؤكد هيكل باشا: «عادت وفود الدول العربية إلى بلادها وقد أيقنت أن الحق والعدل ألفاظ لا مدلول لها فى قاموس السياسة، وأن الدول صاحبة القوى المادية عسكريا واقتصاديا هى صاحبة الكلمة النافذة، وأن التفكير فى عالم أفضل، أو فى سلام عالمى دائم لا يعدو أن يكون ضربا من أمانى الخيال».