سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
مصر ومؤتمر السلام بشرم الشيخ: من الدبلوماسية الهادئة إلى توظيف الزخم سياسيا واقتصاديا وسياحيا.. وجود القاهرة على أى طاولة تفاوض لم يعد خيارا بل ضرورة.. وتصريحات ترامب عن الجريمة فى بلاده اعتراف أن مصر بيئة آمنة
فى لحظة تاريخية نجحت مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى تحويل واحدة من أكثر لحظات الشرق الأوسط توترًا إلى منصة تعزز مكانتها كقوة محورية وفاعلة فى صناعة الاستقرار. جاء انعقاد مؤتمر السلام فى شرم الشيخ، الذى شهد توقيع اتفاقية وقف الحرب فى غزة بمبادرة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، تتويجًا لنهج مصرى طويل الأمد فى إدارة الأزمات الإقليمية بمنطق الصبر الاستراتيجى، وتحويل التحديات إلى فرص. هذا الحدث، بكل ما حمله من رمزية ومشاركة دولية واسعة، منح القاهرة زخمًا جديدًا يمكن استثماره على المستويات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والسياحية. فى البداية علينا إدراك أن اختيار مصر لاستضافة المؤتمر لم يكن صدفة، بل انعكاسًا لثقة المجتمع الدولى فى قدرتها على إدارة الملفات المعقدة فى المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فالقاهرة، التى رفضت منذ اليوم الأول للحرب على غزة أى محاولة لتهجير السكان أو المساس بالأمن القومى العربى، التزمت بخط سياسى متوازن يجمع بين الحزم الإنسانى والواقعية السياسية. هذه الاستراتيجية جعلت من مصر نقطة توازن بين أطراف الصراع، ومركز ثقة للدول الكبرى فى الشرق الأوسط، حيث لم تنخرط فى الصراعات، ولم تسمح بانزلاق الموقف إلى مواجهات مفتوحة، وحذرت مرارًا من تحول الحرب على غزة، إلى حرب إقليمية، بل عملت على هندسة الحلول الدبلوماسية عبر أدوات تفاوضية واقعية. ومن هنا جاءت دعوة الرئيس ترامب لعقد مؤتمر السلام فى شرم الشيخ تكريمًا لهذا النهج واعترافًا دوليًا بالدور المصرى الفاعل، ولمعرفة الإدارة الأمريكية بقوة الأدوات التى تملكها القاهرة فى محيطها الإقليمي. لقد تحولت مصر من "وسيط تقليدي" إلى فاعل إقليمى مؤثر لا يمكن تجاوزه فى أى صيغة تتعلق بالسلام أو الأمن فى المنطقة، أن استضافتها لحدث بهذا الحجم أعاد ترسيخ مكانتها بوصفها "البيت العربى الجامع" الذى تُعقد فيه التسويات وتُصاغ فيه المبادرات. من أبرز ما ميّز المؤتمر كذلك، لم يكن فقط الطابع السياسى، بل الإشارات الاقتصادية القوية التى رافقته، من اعتراف دولى من الدول الكبرى وعلى رأسهم الولاياتالمتحدةالأمريكية، بأن أرض مصر آمنة وبعيدة عن الصراعات الإقليمية، كما آتى فى تصريح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بأن معدلات الجريمة فى مصر منخفضة جدًا مقارنة بالولاياتالمتحدة، وهو ما يتيح لمصر فرصة غير مسبوقة للترويج لبيئتها الاستثمارية أمام العالم. هذه الجملة البسيطة مثّلت شهادة دولية بالاستقرار والأمان فى مصر، وهى الرسالة التى يبحث عنها المستثمر قبل اتخاذ قراره، فرأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان قبل الربح، والأمن السياسى والاجتماعى فى مصر اليوم يشكل ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. كما أن هذه الشهادة الصادرة من زعيم أكبر قوة اقتصادية فى العالم تمثل دعاية مجانية لمناخ الاستثمار المصرى، وتعزز الثقة فى قدرته على النمو المستدام. عندما تجتمع رموز العالم فى مدينة واحدة وسط أجواء آمنة ومنظمة، فإن الرسالة الأهم التى تصل إلى العالم هى أن مصر بلد الأمن والاستقرار، شرم الشيخ، التى ارتدت ثوبها الأنيق لاستضافة هذا الحدث، بدت أمام الكاميرات ك"مدينة السلام" بالمعنى الحرفي. تغطية وسائل الإعلام العالمية للمؤتمر، ونقل صور القادة وهم يتصافحون على أرض مصر، أعادت للأذهان صورة الوجه الحضارى والإنسانى للبلاد، وأعطت دفعة قوية للقطاع السياحى، وفى عالم يعتمد على الانطباعات، كانت تصريحات ترامب عن انخفاض معدلات الجريمة بمثابة شهادة أمنية عالمية، ستنعكس بالضرورة على قرارات شركات السياحة، وشركات الطيران، والمستثمرين فى قطاع الفندقة. السياحة ليست مجرد نشاط ترفيهى، بل مؤشر ثقة فى الدولة ومجتمعها. ومن المتوقع أن تسجل المقاصد المصرية – خاصة شرم الشيخ والغردقة والأقصر وأسوان – ارتفاعًا فى الطلب خلال الشهور المقبلة، مدعومة بالزخم الدولى الذى أحاط بالمؤتمر. استضافة مصر لتوقيع اتفاقية وقف الحرب بعد عامين من الصراع الدموى فى غزة أعطت القاهرة شرعية إضافية كحارس للسلام، ومنحتها غطاءً دبلوماسيًا يحول دون أى محاولات لجرّها إلى مواجهات إقليمية أو صراعات جانبية.
لقد ارتدت مصر بالفعل "رداء السلام"، وأصبح من الصعب على أى طرف – إقليمى أو دولى – الادعاء بأنها تمثل تهديدًا أو تسعى وراء نفوذ على حساب الآخرين، على العكس، فإن صورتها الراهنة تؤكد أنها قوة توازن واستقرار، وأن وجودها فى أى طاولة تفاوض لم يعد خيارًا بل ضرورة. هذا الوضع يمنح مصر هامش حركة أوسع فى سياستها الخارجية، ويمكنها من تعزيز دورها فى الملفات الإقليمية الأخرى مثل ليبيا، السودان، والبحر الأحمر، بما يتناسب مع مكانتها كقوة عاقلة ذات رؤية استراتيجية متكاملة. من بين المكاسب التى لا تقل أهمية عن السياسية والاقتصادية، هو الزخم الإعلامى الهائل الذى رافق المؤتمر، صور القادة والسياسيين فى شرم الشيخ تصدّرت عناوين الصحف العالمية، والتقارير التلفزيونية أبرزت التنظيم والقدرة اللوجستية المصرية. هذا الظهور القوى لمصر فى واجهة المشهد العالمى يعزز قوتها الناعمة، ويعيد إليها مكانتها كمركز للسلام والحوار. كما يسهم فى تحسين الصورة الذهنية الدولية التى طالما تتأثر أحيانًا بالتصورات النمطية أو الدعاية السلبية، كما شكّل المؤتمر فرصة لإظهار الوجه الحقيقى لمصر الحديثة: دولة قادرة، منظمة، تنبض بالحياة والانفتاح، وتستثمر قوتها الحضارية فى خدمة قضايا الإنسانية. وتبقى الرسالة الأهم من مؤتمر شرم الشيخ، هو أن مصر دولة لا يمكن تهميشها أو تجاوزها. فكلما حاولت بعض الأطراف الإقليمية أو القوى الدولية إعادة تشكيل موازين المنطقة بمعزل عن القاهرة، أعادت الأحداث نفسها التأكيد على أن مصر هى مفتاح الشرق الأوسط وبوابة الحلول المستدامة. ومع هذا الزخم السياسى والإعلامى والاقتصادى، تبدو الفرصة مهيأة أمام الدولة المصرية لتوسيع قاعدة الفرص الاستثمارية، وجذب الشركاء الدوليين، وتعزيز التعاون الاقتصادى مع القوى الكبرى، إلى جانب إعادة رسم خريطة السياحة بما يتماشى مع مكانتها كوجهة آمنة وعالمية. ما تحقق فى شرم الشيخ يتجاوز الحدث نفسه، بل يعد بمثابة إعادة تموضع لمصر فى الوعى الدولى، فمن دولة تُراهن على الدبلوماسية الحكيمة، إلى دولة تصوغ واقعًا جديدًا فى الشرق الأوسط، لقد استطاعت القاهرة أن تجمع المتناقضات على أرضها، وأن تحوّل الحرب إلى فرصة، والهدوء إلى انطلاقة جديدة.