وصف ابن خلدون القاهرة قائلًا عنها "مدينة المدن، وحاضرة الدنيا، وتاج البرية"، حيث تعد القاهرة واحدة من أهم مدن العالم، حيث قلما تجد مدينة قامت عليها حضارات وممالك وآثار، ولن تنحدث هنا عن مدينة القاهرة بل عن أحد أعظم شوارع المدينة والذي قامت فيه مولد القاهرة هي "قاهرة المعز"، الذي يعد متحفًا مفتوحًا يضم آثارًا من العصور المختلفة فاطمية ومملوكية وعثمانية وعلوية، بجانب حياة ولغة الحاضر. ينسب شارع المعز إلى الخليفة الفاطمي "المعز لدين الله الفاطمي" مؤسس الدولة الفاطمية، وقد قام قائده جوهر الصقلي بوضع أساس القاهرة في "شعبان سنة 358ه / يوليو 969م"، ويؤيد هذا ما ذكره المقريزي في خططه، وهكذا رأينا القائد جوهر في أيام معدودات بعد فوزه الحربي، يشيد قاعدة جديدة بأسوارها وأبوابها ودار ملكها وجامعها الأزهر، بل وحفر خندقًا من الجهة الشمالية ليمنع اقتحام القرامطة للقاهرة وكانوا يهددون مصر، كان شارع المعز عند بداية المدينة شارعًا ملكيًا ولايؤذن لأحد من الشعب بدخولها. بلغت مساحة "قاهرة المعز" 340 فدانًا، خصص منها 70 فدانًا لبناء القصر الشرقي الكبير، كما خصص 30 فدانًا للبساتين، ومثلها للميادين، وتم تقسيم المساحة الباقية إلى 20 حارة، أسكن في كل حارة فرقة عسكرية، وسميت كل حارة باسم هذه الفرقة. جاءت حدود القاهرة من ميدان السيدة زينب "قناطر السباع" في الجنوب، وتمتد جهة الشمال حتى العباسية "الريدانية"، ومن الغرب حيث كان نهر النيل، وتمتد شرقًا حتى الجبل الأحمر، أي أن الحد الفاصل بين مصر والقاهرة كان الخط الممتد من القلعة إلى جامع أحمد بن طولون، وقد ظل هذا التحديد معمولًا به حتى النصف الثاني من القرن ال19 الميلادي. ولما أرسل جوهر الصقلي إلى المعز لدين الله بتمام بناء القصر، عزم المعز أن ينقل مركز الخلافة الفاطمية إلى مصر فخرج بأهله وأمواله وحاشيته وجيوشه من مقر ملكه بمدينة المنصورية، واستقر بعض الوقت في إحدى المدن بجوار القيروان، وسار إلى مصر عن طريق برقة ووصل إلى الاسكندرية في شعبان. وبعد أن أقام بها أياما سار إلى القاهرة ودخلها في "رمضان سنة 362ه / يونيو 972م" ونزل بالقصر الفاطمي الكبير الذي أعد لنزوله. حدثت توسعات بدر الجمالي للقاهرة في "480- 485ه / 1087م - 1092م"، فبعد مضي حوالي 120 سنة من تأسيس القاهرة رأى أمير الجيوش بدر الجمالي وزير الخليفة الفاطمي المستنصر، أن سكان القاهرة بنوا بيوتًا لهم خارج أسوار المدينة التي كان معظمها قد تهدم، فقام ببناء سور القاهرة بشكله الحالي لضم هذه المساكن، كما تم ضم جامع الحاكم بأمر الله داخل هذه الأسوار. كان للقاهرة ثمانية أبواب لكل جنب من أجنابها الأربعة بابان، ففي الجنوب: باب زويلة وباب الفرج، وفي الجهة البحرية: باب النصر وباب الفتوح، وفي الجهة الشرقية: باب القراطين "المحروق"، وباب البرقية، أما في الجهة الغربية وهي المطلة على الخليج فكان فيها: باب سعادة وباب القنطرة. ومن أهم العادات العريقة في شارع المعز في شهر رمضان كان الخليفة يبدأ موكبه من باب الذهب أمام قصره ب"بين القصرين" ويسير في الشارع حتى يخرج من باب الفتوح ثم يدخل من باب النصر ويعود لباب الذهب، وكان الخليفة يسير في الموكب مرتديًا الملابس الفخمة وحوله وزرائه على خيولهم حاملين أسلحتهم المطعمة بالفضة، والجند أمامهم يتقدمهم الموسيقى، وأثناء سيره يتم توزيع الصدقات على الفقراء والمساكين. وعندما يعود الخليفة للقصر يستقبله المقرئون بتلاوة القرآن الكريم في في مدخل القصر، ويقوم بإرسال كل أمير في دولته بطبق من الفضة مملوء بالحلوى ويتوسطه صرة من الدنانير الذهبية، ويقوم بتوزيع الكسوة والصدقات والمسك على الموظفين والفقراء،ثم يتوجه لزيارة قبور آبائه، وعند الانتهاء من ذلك كله يكتب إلى الولاة بحلول شهر رمضان.