الأحداث حول سوريا تتراءى وتتداعى لتكشف بجلاء أن الولاياتالمتحدةالأمريكية تعانى الآن من ضياع القطب الواحد، أرادت أمريكا ترويع سوريا لتخلق أزمة وتعوض اقتصادها المنهار بإنعاش صناعة السلاح، حيث إن الصاروخ الواحد من «توما هوك» يتكلّف فى صناعته مليون دولار، وهى كانت قد جهّزت 200 صاروخ على السفن الحاملة تنتظر الإشارة فى البحر المتوسط. فهم الأوروبيون أن أزمة ستنشأ على حدودهم وهم الأقرب إلى منطقة الشرق الأوسط، وهنا بدأت مصالح الشركاء تتضارب، أدركوا أن الضربة العسكرية المحتملة ستؤثّر سلبًا عليهم، لأن الشرق الأوسط هو الذى يزود العالم بالبترول، مما سيؤثّر سلبًا على الاقتصاد بشكل عام، وفى قمة العشرين (البريكس) لم تستطع أمريكا أن تقدّم أى دلائل لشركائها ولم تعترف روسيا بالذرائع الواهية التى تقدّمها أمريكا لضرب سوريا، وما يبدو على السطح الآن أن التحالفات تتفكّك. لم تستطع الولاياتالمتحدةالأمريكية أن تحصل على استجابة جماعية من شركائها سواء فى أوروبا العجوز أو دول الخليج، أو مصر، أو حتى شعبها، مثلما حدث عند ضرب العراق وأفغانستان، لأن 82% كانوا قد أيّدوا ضرب أفغانستان، وأيّد 59% ضرب العراق، بينما فى حالة سوريا لم يؤيّد الضربة سوى 36% فقط. فى العالم العربى المسألة جليّة، فمشاعر العداء والكره لأمريكا أصبحت متأصّلة لدى الشعوب العربية، ولن تتراجع هذه الكراهية بانصياع الأسد لفكرة وضع سلاحه الكيماوى تحت الرقابة الدولية برعاية روسية، لأن الجانب الآخر من المسألة يتّجه إلى النفور من التجارة الحرة ومبادئ الليبرالية فى الاقتصاد، وطبعًا زعيمة ذلك فى العالم هى أمريكا. فى مصر وسوريا على سبيل المثال، لن تجد قلبًا واحدًا يرى أن أمريكا صديقة للشعب المصرى أو السورى سوى قلوب الفئة الباغية من جماعة الإخوان الإرهابيين فى مصر ومثلهم فى سوريا ممن تدرّبهم المخابرات الأمريكية الذين باعوا وطنهم لمن يريد التهامه وتفتيته ثم تركه للخراب والدمار كما حدث فى العراق، هؤلاء الذين أمدّوا أمريكا بخريطة المواقع التى يجب ضربها فى بلدهم، تذكّرت ابن العلقمى وزير المستعصم الخليفة العباسى ببغداد، ذلك الخائن الذى كتب وصية لهولاكو قائد التتار يحثّهم على المسير إلى بغداد، وأنه سيسهّل أمرها عليهم. كم فيك أيها التاريخ من قبس يهدى، ولكن أنّى لمن جرفه سيل الخيانة الطاغى لوطنه وأمته العربية إلى بحر من الغى لا يحدّه ساحل، ولا تحدق به آفاق أن يتّعظ؟ نحن الآن فى انتظار تكشُّف الأحداث أكثر وأكثر وسوف تظل التحالفات تتقلب والولاءات تتدهور بشكل دراماتيكى كلما تدهورت الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وستتطور المصالح الاستراتيجية المستقبلية بشكل مغاير للواقع الحالى، كما ستنشأ علاقات تجمع بين دول ربما لم تتعاون من قبل استجابة إلى التهديدات أو المصالح المشتركة، وعندنا مثال واضح لذلك من تعاون روسيا والصين واتخاذهما موقفًا مشتركًا يعزّز شراكة استراتيجية قوية عندما أدانتا بقوة خطط الدفاع الصاروخى الأمريكية، متخذتين موقفًا أكثر صرامة، فماذا عنا فى مصر؟ ألم يأن لنا أن نغيّر القبلة تجاه مصالحنا الاستراتيجية والاقتصادية دونما انتهازية انطلاقًا من قاعدة نسالم مَن يسالمنا ونعادى مَن يعادينا؟