هيئة الدفاع عن الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ونجليه علاء وجمال، ووزير داخليته اللواء حبيب العادلى، فجرت عددا من المفاجآت فى مذكرتها التى تقدمت بها أمام دائرة الخميس «ب» بمحكمة النقض برئاسة المستشار أنور محمد جابرى عمار، نائب رئيس محكمة النقض، لرفض الطعن المقدم من النيابة العامة على حكم محكمة جنايات القاهرة ببراءة مبارك ونجليه، ورجل الأعمال (الهارب) حسين سالم، ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلى، و6 من كبار مساعديه فى القضية المعروفة ب«محاكمة القرن»، والمتهمين فيها بقتل المتظاهرين إبان أحداث ثورة 25 يناير2011، والفساد المالى فى صفقة تصدير الغاز لإسرائيل. المحامى فريد الديب، طالب فى المذكرة، التى حصلت «التحرير» على نسخة منها، بعدم قبول الطعن شكلاً لأربعة أسباب: أولها أن التقرير بالطعن (المؤرخ 8/1/2015)، وكذا إيداع تقرير أسباب الطعن المؤرخ (8/1/2015) لم يتم فى قلم كتاب المحكمة، التى أصدرت الحكم المطعون فيه طبقا لما توجبه الفقرة الأولى من المادة 34 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959، حيث تم إيداع التقرير بالطعن قلم كتاب محكمة جنوبالقاهرة الابتدائية، حالة كون الحكم المطعون فيه صادرا من محكمة جنايات شمال القاهرة، فإذا ما صدر الحكم المطعون فيه بطريق النقض من محكمة جنايات شمال القاهرة، كما هو الحال فى قضيتنا، وجب أن يتم التقرير بالطعن فى قلم كتاب محكمة شمال القاهرة الابتدائية، وليس فى قلم كتاب محكمة جنوبالقاهرة الابتدائية، وذلك عملا بصريح نص المادة (34/1) من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض. السبب الثانى، خلو تقرير الطعن من اسم المطعون ضده أو أسماء المطعون ضدهم، خصوصا مع تعدد المحكوم لصالحهم بالحكم المطعون فيه، وتعدد واختلاف التهم الموجهة إليهم، أما السبب الثالث فهو بطلان تقرير أسباب الطعن الموقع من المستشار محمد إبراهيم محمد محمد عوض، المحامى العام بالمكتب الفنى للنائب العام، لأنه لم يندب للتوقيع، ذلك أن نص الفقرة الرابعة من المادة 34 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، المستبدل بالقانون رقم 74 لسنة 2007، يجرى بأنه إذا كان الطعن مرفوعا من النيابة العامة فيجب أن يكون التقرير وأسباب الطعن موقعين من محام عام على الأقل، فقد أصدر النائب العام، المستشار هشام بركات، قرار الندب المؤرخ (2/12/2014) -المرفق بإيصال إيداع مذكرة أسباب الطعن الماثل- والذى بموجبه ندب السيد المستشار محمد إبراهيم محمد محمد عوض، المحامى العام بالمكتب الفنى للنائب العام، لإعداد وإيداع مذكرة أسباب الطعن بالنقض لكن قرار الندب خلا من ندب المندوب لتوقيع مذكرة أسباب الطعن، وقصر الندب على مجرد إعداد تلك المذكرة وتقديمها لقلم الكتاب المختص، مما يبطل توقيع المحامى العام المندوب على مذكرة أسباب الطعن. بينما كان السبب الرابع هو خلو تقرير الطعن من اسم المحكمة التى أصدرت الحكم المطعون فيه، مما يبطل التقرير للتجهيل، وكل ذلك يفضى إلى بطلان تقرير الطعن، وهو ما يتأدى منه عدم قبول الطعن شكلا. هيئة الدفاع تقدمت بعدد من الأسباب لرفض موضوع الطعن من باب الاحتياط، منها الرد على السبب الأول من أسباب الطعن، ويتلخص هذا السبب، الذى بسطته النيابة العامة فى الصفحات من 41 حتى 49 من مذكرة أسباب الطعن، فى أن رئيس المحكمة التى أصدرت الحكم المطعون فيه قد فقد صلاحيته لإصدار هذا الحكم، مما يبطل الحكم، لأنه -فى ما تدعى النيابة- أفشى سر المداولة، وذلك فى جلسة النطق بالحكم، وقبل النطق به، فضلا عن أن التبيان الذى تضمنته تلك الأقراص المدمجة قد تضمن أشكالا توضيحية وهندسية يتعذر على غير المتخصصين فى مجال الحاسب الآلى تخصصا دقيقا أن يجيدوها بالصورة الواردة فى هذا التبيان، مما ينبئ عن أن المحكمة استعانت بأحد هؤلاء المتخصصين من غير أعضائها، إضافة إلى حديث رئيس المحكمة عن المادة 14 بشأن وفاة أحد المتهمين. وقد كان الرجاء أن تترفع النيابة العامة عن محاولة تجريح الحكم المطعون فيه بمثل هذا الكلام القادح غير اللائق، والذى يقوم إما على أمور غير صحيحة، وإما على فروض واحتمالات مجردة لا وجود لها على الإطلاق، ذلك أنه ليس صحيحا بالمرة أن أمينى سر المحكمة وممثل النيابة العامة (الذى هو نفسه من أعد مذكرة أسباب الطعن ووقعها بالمخالفة للقانون) كانوا بعيدين عن رقابة المحكمة عندما تلقوا من رئيس المحكمة الأسطوانات المدمجة التى تحوى التبيان، بل كانوا جميعا تحت الرقابة المباشرة اللصيقة لهيئة المحكمة. كما أن النيابة لم تبين المصدر الذى استقت منه قولها بأن هناك متخصصين غرباء عن السادة أعضاء المحكمة قد استعانت بهم المحكمة فى وضع الأشكال التوضيحية التى تضمنها التبيان، وما هذا القول منها إلا رجما بالغيب، وافتراء يعتمد على الظن والتخمين، ومن المدهش أن نيابة النقض سايرت الطاعنة فى هذا التخمين، ونحن لا نعتقد أن نيابة النقض شاهدت فعلا تلك الأسطوانات، وفات الاثنان -النيابة العامة ونيابة النقض- أن معهد تدريب القضاة يعطى للقضاة دورات تدريبية على أعمال الكمبيوتر، فليس غريبا على أى قاض حصل على مثل هذه الدورات فى معهد تدريب القضاة أو فى غيره أن يحسن التعامل مع الكمبيوتر مثل السادة أعضاء نيابة النقض، الذين كتبوا مذكرتهم على الكمبيوتر. ونخلص من كل ما سبق أن السبب الأول من أسباب طعن النيابة العامة على الحكم المطعون فيه هو فى حقيقته ضرب من ضروب المماحكة، يباعد بينه وبين محجة الصواب، جدير بالالتفات عنه، كما أنه فى خصوص النعى على ما قضى به الحكم المطعون فيه بشأن تهمة الاشتراك فى القتل العمد المقترن، فإن المبادئ القانونية، المستقرة، الراسخة، التى استنتها محكمة النقض منذ إنشائها، فى شأن ضوابط تسبيب أحكام البراءة، قاطعة، حاسمة، فى أن يكون الرفض موضوعا هو مصير الطعن الماثل، لأنه لا يقدح فى سلامة الحكم أن تكون إحدى دعاماته معيبة، ما دام قد أقيم على دعامات أخرى تكفى لحمله. كانت محكمة الموضوع لا تلتزم فى حال قضائها بالبراءة بالرد على كل دليل من أدلة الاتهام، ولا يعيب الحكم -وهو يقضى بالبراءة- عدم تصديه لما ساقته النيابة العامة من قرائن تشير إلى ثبوت الاتهام، ما دامت قد قطعت فى أصل الواقعة، وتشككت فى صحة إسناد التهمة إلى المتهم، لأن فى إغفالها التحدث عنها ما يفيد ضمنا أنها لم تر فيها ما تطمئن معه إلى إدانته، فأطرحتها، ولأن النعى على الحكم فى هذا الصدد يعد نعيا على تقدير الدليل، وعلى سلطة المحكمة فى استنباط معتقدها، وهو ما لا تجوز المجادلة فيه أمام محكمة النقض. أما تفنيد النعى على ما قضى به الحكم من عدم جواز نظر الدعوى بالنسبة لمحمد حسنى مبارك، فى خصوص تهمة الاشتراك فى القتل العمد، ففيه تنعى النيابة العامة على الحكم المطعون فيه بأنه أخطأ حين قضى بعدم جواز نظر الدعوى الجنائية فى القضية رقم 3642 لسنة 2011 جنايات قصر النيل، قبل الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، عن تهمة الاشتراك بطريق الاتفاق مع وزير الداخلية الأسبق اللواء حبيب العادلى، فى جرائم القتل العمد مع سبق الإصرار المقترن بالقتل العمد والشروع فيه. وما تتذرع به النيابة من أن الاعتبارات الأمنية حالت دون طلب الرئيس الأسبق مبارك لسؤاله أو استجوابه، أو مواجهته بتهمة الاشتراك فى القتل العمد خلال تحقيقاتها الابتدائية التى تمت قبل 23/3/2011، ليس سوى ذريعة باطلة، لأنها أصلا ذريعة غير مقبولة، فضلا عن أنها غير صحيحة، فلقد تم استجواب الرئيس الأسبق مبارك فى شأن تهمة الاشتراك فى القتل العمد بعد أيام معدودات من يوم 23/3/2011، حيث تم استجوابه فى شأن تلك التهمة بتاريخ 12/4/2011 دون أى عائق أمنى أو غير أمنى، كما أن الاعتبارات الأمنية المقول بها لم تحل دون استجواب اللواء حبيب العادلى وزير الداخلية الأسبق، فى شأن ذات التهمة مع أن الاعتبارات الأمنية بالنسبة إليه كانت أشد وطأة. وأوضح، أن الحكم المطعون فيه أورد -فى الصفحات من 1253 إلى 1263 من مدوناته- مؤدى شهادة 47 شاهدا ممن شهدوا فى القضية رقم 1227 لسنة 2011 جنايات قصر النيل على وقائع القتل والإصابة التى حدثت فى محافظاتالقاهرةوالجيزةوالسويس والإسكندرية والبحيرة والغربية والقليوبية والدقهلية والشرقية ودمياط وبنى خلال المدة من (25/1/2011) إلى (31/1/2011)، ودارت شهاداتهم -حسبما أوردها الحكم وحسبما هى مفصلة أيضا بالبلاغات والتحقيقات- حول أن المشاركين فى تلك الوقائع هم اللواء حبيب العادلى، وزير الداخلية وقائد قوات الأمن المركزى، اللواء أحمد رمزى، ومدير الأمن العام، اللواء عدلى فايد، ومدير مباحث أمن الدولة، اللواء حسن عبد الرحمن، ومدير أمن القاهرة، اللواء إسماعيل الشاعر، وحسنى مبارك، ونجله جمال، ورئيس مجلس الوزراء، الدكتور أحمد نظيف، ووزير الصحة، الدكتور حاتم الجبلى، ومحافظ القاهرة، الدكتور عبد العظيم وزير، ومدير أمن الجيزة، اللواء أسامة المراسى، ومحافظ السويس، ومدير أمن السويس، ورئيس مباحث المطرية، وأحمد عز، وزكريا عزمى، وصفوت الشريف، وأنس الفقى. وبعد أن أجرت النيابة العامة التحقيقات التى ارتأتها، وسألت واستجوبت من رأت سؤاله واستجوابه من المذكورين، أصدرت فى (23/3/2011) أمرا بإحالة الخمسة الأول فقط إلى المحاكمة الجنائية عن جرائم القتل والشروع فيه، وصرفت النظر عن توجيه تلك التهمة إلى الآخرين (وعددهم ثلاثة عشر متهما) منهم رئيس الجمهورية محمد حسنى مبارك، فهل يمكن -بحكم اللزوم العقلى- أن يحمل هذا التصرف من جانب النيابة العامة إلا على أنها أصدرت أمرا ضمنيا بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبل الثلاثة عشر متهما الذين لم يشملهم أمر الإحالة المذكور، ومنهم محمد حسنى مبارك، ولا ينال من حقيقة وجود هذا الأمر الضمنى بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية أن تعود النيابة العامة -تحت ضغط الدعايات السوداء التى مارسها المتآمرون ضد الدولة المصرية ضمن مخطط المؤامرة التى افتضح أمرها وصار هذا الافتضاح من العلم العام- إلى انتقاء محمد حسنى مبارك، دون غيره من باقى الثلاثة عشر متهما الذين لم يشملهم أمر الإحالة الصادر فى (23/3/2011)، ودون إلغاء الأمر الضمنى بأن لا وجه الذى صدر لصالحهم، وتوجه إليه ذات الاتهام، عن ذات الوقائع، وعن ذات النطاق الزمنى والمكانى لأمر الإحالة المذكور، وبذات قائمة أدلة الثبوت، فهذا من النيابة العامة خرق للقانون.