إنّ أطهر النفوس، هي النفس التي خبرت الألم فرغبت في أن تجنّب الآخرين مرارته "، هكذا نطق بها صاحب القلم الرحيم "الراحل والمبدع عبدالوهاب مطاوع" في إحدى إصداراته الممتعة، ليأتي يوم ويلجأ فيه شاب صعيدي طارقًا بابه في بريد الأهرام ويكتب قصته بنوع من الأمل المفقود لعلها تجد أذنًا صاغية، وقلب رءوم يجنبه عذابات الشقاء، ف "الملاك الحارس" كما عنونها صاحبها قرأتها منذ سنوات، وانطويت أبكي بصدق على كلمات صاحبها التي سجنتني وسحبتني وسجّلتني في عداد الشاكرين على ما أنا فيه من نعمة، والتي قال صاحبها الصعيدي لخيري رمضان في بريد الجمعة. " لم يكن يخامرني شك أنه سيأتي اليوم الذي سأكتب فيه حكايتي لأكون أحد أبطال بريدك الأسبوعي وأعتقد أن الوقت قد حان لذلك فأرجو أن يتسع صدرك لقصتي، لقد ولدت لأسرة بسيطة ورقيقة الحال في أقاصي صعيد مصر لأب تقي ورع لايترك صلاة إلا في المسجد وأم رءوم تقطر حنانا وعطاء وكنت أكبر الأبناء. ونظرا لرقة حال أسرتي وضيق ذات اليد، بدأت العمل مبكرا منذ كنت في الصف الخامس الابتدائي أسافر إلي القاهرة تسبقني دموع أمي ودعوات أبي بأن أعود إليهما سالما فكنت أستقل قطار الفجر قطار الصعيد المتجه صوب العاصمة لكي أعمل طوال شهور الصيف. كان كل صيف له رزقه كما يقولون، فكنت أتقلب بين شتي أنواع المهن، بين صبي في مقهي إلي بائع للجرائد إلي عامل في مطعم إلي بائع جائل في حواري القاهرة وأزقتها.. إلخ، في مهن بسيطة، وكنت أعمل باجتهاد طوال شهور الصيف ويكون شاغلي الأوحد هو أن أجمع مايكفي من المال لأسدد مصاريف دراستي من الكتب وغيرها وأشتري لنفسي قميصين وبنطلونين وشنطة للعام الدراسي. نزلت قاهرة المعز هذه المرة بجسد يابس عضّه الجوع ويدين معروقتين وعيون حبلي بالآمال والأحلام.. أحلام بسيطة هي أن أحمل الدفء والشبع إلي أبي وأمي، ورغم اني كنت صبيا فقيرا إلا اني كنت علي قدر وافر من الثقافة وقارئ بامتياز، وكنت أقرأ للقدامي والمعاصرين علي السواء، وحدثتني نفسي أن أطرق باب الكتاب والصحفيين "أصدقائي" الذين أقرأ لهم، فلقد كنت أستشعر تلك الصلة النبيلة بين الكاتب والقارئ ومن طول ما قرأت لكثيرين كنت أعدهم "أصدقاء" لي، فهم ممن يحملون مشاعل العلم والحق والفضيلة وأكيد هم أول من يهب لنجدتي في هذه المحنة القاسية, فمنهم من نجحت في لقائهم، ومنهم من صرفني بأدب ومنهم من لم يهتم ومنهم من طردني وكان الحزن يتراكم شيئا فشيئا بداخل قلبي الغض ووجدت البون شاسعا بين الكاتب وأخلاقه الشخصية وصدمت صدمة عمري في هذه السن ولم أكن أعلم أن الدنيا أكثر تعقيدا وأن أصحاب القلوب المعتمة في كل مهنة وفي كل حرفة، وتعلمت أن بين الأبيض والأسود درجات من الألوان. وسعيت نحو لقاء كاتب كبير واستمع لي علي عجل، وكنت ألحظ عدم اهتمامه أثناء حديثي وعندما قلت له اني موهوب وأرغب في العمل لديكم في الجريدة وأريد تزكية منك لذلك ضحك مني ضحكة ساخرة لن أنساها كانت غاية في الاستهزاء والازدراء، وقام من خلف مكتبه واضعا يده في يدي بمبلغ من المال قائلا: "خد دول وامشي متعطلنيش" فنظرت إليه في ذهول وشعرت بغصة في حلقي وشعرت باهانة بالغة، ورغما عني وجدت كرامة الصعيدي بداخلي تثور علي الرجل الأشيب صائحا في وجهه أنا لست شحاذا وإنما أنا اليوم نادم علي الوقت الذي ضاع من عمري أقرأ لك والقيت بالنقود علي مكتبه ووقف الرجل مبهوتا كأنه ما توقع هذا الفعل مني وانصرفت. وكان قلبي المكلوم قد فاض من سوء استقبال الناس لي وعدم اكتراثهم لأمري، واسودت الدنيا في وجهي، لا أدري لي قبلة ولا أعرف لي وجهة كأني في بحر لجي لا يبين له علي البعد شاطئ وخرجت من مكتب هذا الرجل في تلك الليلة كافرا بكل من كنت أعتبرهم قدوة ومثلا، وقادتني قدماي إلي كوبري قصر النيل وشعرت بأن القاهرة علي اتساعها قد ضاقت بي، فلقد لفظني الناس جميعا وأوصدت الأبواب في وجهي واستبد بي اليأس والقنوت وشعرت بالغضب ولا أحيد عن الصدق إن قلت لك ياسيدي لقد شعرت بالكراهية الشديدة للناس، ولهذا المجتمع القاسي الذي لايرحم عذاباتي، ولا يشعر بي، كرهت كل السيارات الفارهة التي تمرق أمامي وكرهت الناس وفي تلك الليلة وفوق كوبري قصر النيل عرف الكره والسخط والقنوط طريقه إلي قلبي، وتساءلت أين جوائز السماء التي تهبط علي الصابرين المحتسبين التي يبشر بها بريد الجمعة الذي تربيت عليه؟؟ وعلمني الفضيلة وكأن المدينة كلها قد أصابها الخرس. تملكتني رغبة يأس لم أعرف لها مثيلا في حياتي وكدت أشرع في القفز إلي مياه النهر الدافق عندما شعرت بمدي عجزي أن أرفع عن أبواي ما يمران به من قحط وجدب وجوع، لولا أن تذكرت مدي الحزن الذي قد يعصف بقلب أبي وأمي لموتي، تذكرت وجه أبي الحبيب، عيناه الطيبتين المتعبتين وإرخاء الهدب المثقل شاربه المهمل, تذكرت دموع أمي وعينيها التي هي كقنديلي وفي أحد أرقي أحياء العاصمة في مكتب فخيم وجدتني أجلس أمام سيدة من سيدات المجتمع المخملي لمجتمع القاهرة، وهي واحدة من دعاة التنوير وهي أحد الرموز الوطنية التي يشهد لها بالنزاهة وتدافع عن الضعفاء والمعوذين, ولقد كان هذا اللقاء منذ اثنتي عشرة سنة قلت لها رأيتك تتحدثين عبر شاشات التلفزة عن العدل والفضيلة أين العدل ياسيدتي، أين العدل وأبي وأمي لايجدان الخبز الجاف في صعيد مصر، أين حرّاس الفضيلة بين أمواج الكذابين والمنافقين، هل العيب في الكتب البلهاء التي أفسدت عقلي علي مر السنين التي تتحدث عن الصدق والرحمة والخير بداخل كل انسان، إن العدل يتهاوي في العالم وقد كفرت بالفضيلة التي لم يعد لها عنوان، كنت أتحدث بحمية أهل الجنوب بغضب تارة وتجول قبضتي في أرجاء المكان تارة أخري، كنت غاضبا وساخطا، وكانت في المقابل تستمع لي بقلب خاشع واهتمام صادق وتوميء برأسها بين الحين والآخر تفهما وإيمانا بصدق كلماتي، وشجعتني أن أحكي لها عما مررت به، فحكيت لها واستمعت لي بقلب قديسة من القديسين. وعندما جاء الحديث عن أبي وأمي واخوتي فاضت عيوني وبكيت بالدمع السخين متألما وبكت السيدة الفاضلة لبكائي، فكفكفت بيديها الطاهرتين دموعي وربتت علي كتفي بحنو بالغ وشعرت بارتياح يغمر المكان وبسكينة تعبر من طرف الغرفة إلي الطرف الآخر، قلت لها أنا لست شحاذًا ولا أريد منك سوي أن تساعديني فقط في أن أخرج من مصر مهاجرًا وساكتفي بالثانوية، فقط ساعديني أن أذهب بعيدا وأعمل كثيرا فلم يعد في هذه الأرض مكان، كل الذي أرجوه مكان تحت الشمس وسط الطيبين، أو أتركيني أقفز في النهر منتحرا أو أطلق الرصاص علي رأسي المتعب وأرتاح! فطلبت مني أن أتمُّ تعليمي وأقنعتني أن أعود إلي الصعيد لأعمل بجانب أهلي وكما وعدتها عدت إلي الصعيد وانتظمت بالدراسة في الجامعة وعملت في فرن للخبز(الفينو) بمبلغ خمسة جنيهات عن كل ليلة، بالإضافة إلي خبز بقيمة جنيه واحد أحمله في نهاية ورديتي إلي أبي وأمي كل صباح؛ لأني كنت أذهب للجامعة في الصباح وأعمل في المساء. أما السيدة الفاضلة فقد أرسلت لي من حر مالها راتبا شهريًا محترمًا جدًا يضمن لي ولأسرتي معيشة كريمة يصلنا حتي باب البيت كل شهر وما تخلفت عن ارساله أبدا حتي أتم اخوتي كلهم دراساتهم الجامعية، وكان الذي يأسر قلوبنا ليس المال الوفير الذي ترسله ولكن من عجيب أمر هذه السيدة الفاضلة ذلك الاهتمام الصادق بكل أحوالنا فكانت أسلاك الهاتف تحمل لنا صوتها المُشْبع بكل حنان الدنيا، تسأل عن كل فرد من أفراد الأسرة علي حدة تناقشني في كل شئوني تغرق في تفاصيل حياتنا البسيطة، فتسألني عن سير العمل في الفرن ومستواي الدراسي وتطمئن علي صحة اخوتي الصغار، عن أخي الذي أصابه مغص الأسبوع الفائت. فكم من ليال كان يأتينا صوتها العذب من آخر بلاد الدنيا تسأل عنا وهي في أسفارها حول العالم، فقد يزداد عجبك ياسيدي إذا علمت أن هذه السيدة الفاضلة ليست ربة منزل لديها من الوقت الكثير، فهذه السيدة الكريمة التي تهتم لأمر صبي فقير وهي ترأس وتدير أكبر المؤسسات المالية في الوطن العربي، كما أنها مشغولة حتي أذنيها بالعمل العام في جميع دول العالم ومع الأممالمتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية، فقد كان يكفي منها أن تلقي لنا بالمال كل شهر ولا يلومها أحد، وكانت ومازالت منذ لقائنا الأول درعًا وحماية وسندًا وملجأ تقينا غوائل الأيام وعاتيات الليالي، فعندما احتاجت أمي الغالية الي جراحة مكلفة جدا بدون أن أسألها وجدتها ترسل لي شيكا بآلاف الجنيهات لتضعه بين يدي وقبل ارسال الشيك وبعده سيل من الاتصالات تسأل وتهتم وتشاركنا الاطمئنان علي صحة أمي الحبيبة ولم تسألني أبدا عن فاتورة أو مستند. كنت كلما زرتها في بيتها العامر وتصادف وجود زائرين وضيوف لديها تقدمني إلي ضيوفها قائلة( فلان ابني)، وهل تصدق ياسيدي أن هذا الصنف من الملائكة مازال يعيش بيننا؟؟ وأنهيت دراستي الجامعية وكنت مثل كثيرين أريد أن أسافر علي غير هدي إلي الخارج فقالت لي أنا أقترح عليك أن تكمل دراستك العليا، وسأتكفل بكامل نفقاتها وأن تطور مهاراتك وتنمي نفسك في بلدك، وهنا أخذني حماس الشباب فدافعت عن رأيي بعنف وقلت لها إنها" ظالمة"؛ لأنها تمنعني من حريتي في الاختيار وأرغيت وعلا صوتي فوق صوتها. تخيل ياسيدي أنا شاب من الشارع يعلو صوتي فوق صوتها ويخونني التعبير وتصبر علي ولا تغضب لنفسها، أي نُبْل إنساني قد خطه الله في قلب هذه السيدة، فقالت لي بهدوئها المعهود لو هتسافر هتسافر تحت رعايتي وقالتها بحزن، فقلت لها اعتذر لو كنت قد أغضبتك فقالت لي "أنا أمك مستحيل أزعل منك، أنا أزعل عليك"، وطلبت منها أن تقطع الراتب الذي ترسله لنا فرفضت رفضا قاطعا وأخبرتني أنه عندما تستقيم أموري في الخارج وأقف علي قدمي ستفعل. وسافرت علي أمل تحقيق الثراء السريع، وهناك علي البعد رأيت الدنيا علي حقيقتها، وعرفت معني النصيحة التي لم أستمع إليها وقررت أن أكمل دراستي في الخارج رغم حجم التكاليف الباهظة للدراسة في الخارج فأرسلت لي آلاف الدولارات، فكنت أعمل وأدرس بجانب عملي، وعدت من الخارج عودة الابن الضال وارتميت في حضنها وظللت أقُبّل رأسها ويديها وأقول لها لقد كنت مخطئا يا أمي، وكنت علي صواب فقالت لي بحنانها المعهود "المهم انك عدت بخير" وبدأت رحلة البحث عن عمل بعد أن عدت بالشهادات التي حصلت عليها من الخارج. وبعد فترة وفقني الله للعمل في مكان مرموق ماديا واجتماعيا وبدأت من النقطة التي كانت قد نصحتني بها قبل السفر، فقد سجلت للدراسات العليا في إحدي الكليات وبدأت أنمي مهاراتي المختلفة وتعلمت قبل كل شيء أن استمع إلي حكمة الكبار، وتقدمت في دراستي وسأناقش الماجستير خلال أيام كما أتمتع في عملي بفضل الله بحب الزملاء واحترام الرؤساء، وبعد العمل أقضي المساء متنقلا بين الجمعيات الخيرية كعضو متطوع أدرس وأعلم وأنقل ما تعلمت للشباب والشابات في دورات متخصصة بالمجان، وأحاول أن أضئ الدرب لشباب في ذات الموقف الذي كنت فيه منذ اثنتي عشرة سنة فآخذ بيد أرملة أو مريض، محاولا أن أرد الجميل لبلدنا العظيم مصر في تعليم أولادها وأجتهد أن أقلد هذه السيدة الفاضلة في أفعالها معي، ولكن هيهات هيهات. تلك السيدة العظيمة التي لولاها لما كنت اليوم ولا كانت هذه السطور، لقد مر اثنا عشر عاما وحتي اللحظة مازالت هذه السيدة العظيمة ترسم معي بأفعالها وأقوالها لوحة فريدة من التواصل الانساني النبيل بين سيدة كريمة وصبي بائس حائر أولته برعايتها وصدق اهتمامها وصبرها حتي صنعت منه شابا ناجحا قويا نافعا لنفسه وأهله ووطنه، فقد كنت صبيا موتورا ساخطا فصاغت مني بالايمان شابا محبا، بل عاشقا لبلده معطاء لوطنه يقضي كل مساء يعلم الأولاد والبنات ويكفل الأيتام ويسعي علي الأرامل والمساكين. سيدي ان كانت صفحات الجرائد تغص بقصص الفساد وقوائم أسماء الفاسدين والمفسدين وأصحاب القلوب المعتمة ورائحة اللصوص التي تزكم الأنوف صبح مساء وتسرق من نفوس شبابنا الأمل في أهل الخير وتزرع اليأس، ألا يستحق الطيبون المخلصون الذين يعملون في الخفاء أن نفسح لهم المجال وأن نذكر أسماءهم وأن نشير إليهم ليكونوا مثلا وقدوة ونموذجا يحتذي، ألا تستحق هذه السيدة العظيمة أن نكرمها ونحتفي بها وندعو الله مخلصين أن يكثر من أمثالها. إنها الأستاذة مني صلاح ذو الفقار المحامية الدولية المرموقة ابنة الفنان الراحل صلاح ذو الفقار هي لا يعنيها ولا تنتظر ولا تعلم اني أخط رسالتي هذه اليك، فمن يفعل فعلها طوال السنوات الطويلة الماضية لا ينتظر من مخلوق جزاء ولا شكورا، ولكن حسبي أن نقدمها مثالا يحتذي لكل الشرفاء في ربوع مصر وأن نقدم إليها أكاليل الغار تصارع أمواج الحياة وتستمهل الغرق. نعم ياسيدي لن أكفر بالطيبين، فأود أن أتوجه برسالة مفتوحة إلي ذلك الملاك الحارس التي رعتني سنوات طوال ومازالت لأقو لها بذراعين عاريتين أرفعهما ضارعا إلي الله أن يرحمك كما رحمتني وأن يدخلك الجنة بدون عقاب ولا سابق عذاب!