كيف بدأت الفنون.. أولا الإنصات لإيقاعات الطبيعة، ثم الرقص للتعبير عن الانفعالات، وهو ما أطلق عليه عن طريق الخطأ الرقص البدائى، ومسماه الحقيقى الرقص العاطفى على دقات القلب، خصوصا عندما أداه الإنسان الأول كطقس دينى للحديث إلى الآلهة، كان الفن الأول صلاة، ومع تطور اللغات وظهور الشعر كان طبيعيا أن يلتقى الفنان ليكون التمثيل والمسرح. لا يعرف التاريخ فعليا متى كتبت أول مسرحية، لكنه يحتفظ بأولى علامات مسرحية فى القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، فى بلاد اليونان عندما فاز «تيسبس» فى أول مسابقة للتمثيل التراجيدى فى أثينا عام 535 ق.م، تلك المدينة صاحبة الحضارة التى قدمت آباء المسرح الإغريقى وكتابه الأوائل فى نفس هذا القرن، وهم «أريستوفنس»، و«أسخيلوس»، و«يوربيدس»، و«سوفوكليس». وكانت مسرحياتهم عبارة عن رقصات تعبر عن الشعر الذى يردده الممثلون فى رواية حادثة قصصية أو قصة تاريخية، ومن خلال أعياد الإله «ديونيسوس» إله الخمر أقيم أول مسرح، وأصبح من يؤدون تلك الشعائر المسرحية احتفاء بغله البهجة كهنة، ومع الزمن تحول الكهنة إلى ممثلين، يشاركهم الشعراء الذين يكتبون النصوص، الذين تحولوا بعد ذلك إلى كتاب مسرحيين. ولد التمثيل والمسرح من رحم الدين قديما، وصار الدين محاربا لأبنائه حديثا. ومع الوقت والحاجة لم يعد الممثلون قادرين على التعبير عن الأحداث برقصات الحب والحرب والعبادة وإلقاء الشعر، فكان طبيعيا أن يتحول الأمر رويدا رويدا إلى ممارسة التمثيل لرواية واقعة ما بطريقة أكثر بساطة للجمهور. وتبقى مسرحية «أوديب ملكا» التى كتبها «سوفوكليس» الذى عاش ما بين 496 - 406 ق م، أهم مسرحية تعبر عن هذا العصر التراجيدى اليونانى، وهى التى وصفها أرسطو بالأكمل فى كتابه «فن الشعر»، التى كانت سمات مسرحياته الجدية، ولأن لا يزيد وقت عرضها على ساعة واحدة. كذلك كانت الكوميديا الإغريقية، التى تطورت من الضحك فقط إلى انتقاد الأحداث الاجتماعية والسلبية على يد «أريستوفنس» الذى عاش ما بين 450 - 388 ق م، والذى قدم عديدا من المسرحيات سخر فيها من كل فرد ومن كل شىء. كانت الفنون منذ البدء احتياجا بشريا، لم يرسم الفنان الأول على جدران الكهوف، لأنه كان يريد أن يتعلم شيئا، فقط أراد لروحه أن تشعر بالسعادة، أراد أن يقلد الخالق فى إبداعه، فكان خالقا أصغر، بلا رسالة، لم يكن الفن أبدا معلما، وإذا كان فلا بد أن تغلقوا مدارسكم وبيوتكم ولا تربوا أطفالكم، فقط أرسلوهم إلى السينمات والمسارح والمراسم من أجل التعلم والتربية. ولنا فى هذا المقال بقية الأسبوع المقبل عن تطور الفن بعيدا عن المباشرة والسذاجة والتعليم والرسالة التى يدعى البعض حملها.