فى سنوات الثورة الثلاث، سقط نظامان وحل ثالث، صعد أشخاص إلى سدة الحكم وعاد آخرون إلى السراديب، وبقى باعة الأعلام ومستلزمات التظاهرات من الصور والأقنعة وغيرها، هم العامل المشترك بين السنوات الثلاث.. السياسة التى كانت سببا فى خسارة البعض.. حققت لبعض آخر أرباحا، وصارت موردا دائما لرزقهم، ليتحولوا إلى «نجوم شباك» مألوفى الوجوه فى الفعاليات الاحتفالية، والاحتجاجية المتكررة منذ اندلاع الثورة. إغلاق ميدان التحرير منذ فض اعتصام رابعة فى منتصف أغسطس الماضى، أجبر عددا كبيرا من باعة الميدان على الهروب إلى مداخل الميدان.. الركود الاقتصادى، الذى لم يعتادوا عليه طويلا منذ الثورة،، دفعهم إلى التزحزح قليلا من سوقهم الرائجة. على مقربة من الميدان، وتحديدا على مدخل ميدان عبدالمنعم رياض، يستقبلك السوهاجى رومانى نعيم أقدم بائعى الاعلام واكسسوارات الثورة والذى لم يغادر الميدان منذ نقل (فرشته) من ميدان رمسيس، حيث كان يبيع لعب الأطفال، ليتخصص فى بيع الاعلام ولافتات «ارحل مبارك» منذ موقعة الجمل مباشرة. «ميدان التحرير هو السوق الحقيقية».. بهذه العبارة بدأ نعيم، 28 عاما، حديثه عن مكتسبات الثورة بالنسبة له: «خرجت للبيع فى ميادين عدة منذ ثورة يناير، ولا يزال الميدان مصدر الرزق الأول، ونستبشر خيرا ان تعود المظاهرات ثانية إلى التحرير فى الذكرى الثالثة للثورة». يصيح نعيم بصوت عالٍ وسط اصدقائه، بأنه البائع الأقدم للأعلام ومستلزمات التظاهرات فى السنوات الثلاث الماضية: «البياع الكبير هو اللى يقرأ السوق كويس.. وأنا أول واحد بعت دبوس علم مصر فى التحرير». وعلى الرغم من ضخ المطابع أموالًا كثيرة فى الفترة الاخيرة بعد زيادة الاقبال الجماهيرى على صور السيسى فى المليونيات والمناسبات المختلفة، قدرها رومانى بتخطى حاجز ال15 ألف بوستر منذ 30 يوينو (بالنسبة له)، فإنه مازال يرى ان ال18 يوما الأولى فى الثورة، هى فترة الرواج الحقيقى للسوق: «شريطة مصر وكارت (ارحل مبارك) كانا عليهما اقبال شديد قبل اسقاط النظام، وسعرهما لم يتجاوز الجنيهين». 30 يوينو.. «وقت الليزر» لكل موجة ثورية فى الشارع، كان يقابلها رصيف الباعة بالأدوات المناسبة للحدث نفسه، إذ اختلفت الوسيلة المستخدمة من يناير إلى يوينو، فالشارة التى حققت مكسبا فى 25 يناير، حل محلها شعاع الليزر سلاح متظاهرى 30 يونيو الذى عبّر عن الشارع آنذاك. يقول رومانى: «سوق الليزر انتشرت بكثافة مع الأشعة المنبعثة من مروحيات الجيش التى حلقت فى القاهرة يوم 30 يوينو، والمتظاهرون ارادوا توصيل رسائل الوحدة للجيش من خلال شعاع الليزر، وهو ما لم يكن مألوفا بالنسبة للباعة فى 3 سنوات من الثورة، ولكننا نعمل فى جميع الأحوال مع المكسب». ويضيف متمنيًا عودة تلك الأيام: «الاقبال على الليزر اجبرنا على شراء كميات ضخمة بأسعار فلكية، إذ اشترينا عبوة المائة شعاع ب10 آلاف جنيه، ونبيعها للجمهور ب 180 للشعاع الواحد، لندرك حينها انه وقت الليزر»، ويلفت إلى انه سيُعيد ضخه للسوق ثانية فى احتفالات الذكرى الثالثة للثورة بميدان التحرير. من الفرعونى إلى الثورى واقفا خلف السياج الحديدى الفاصل بين ميدان التحرير ورصيف «كنتاكي»، يلتفت إلى القادمين يمينا ويسارا، آملا فى وقوف أحدهم للشراء من معروضاته التيشيرتات التى تعبر عن جميع محطات الثورة فى سنواتها الثلاث وهو يردد» نعرض للجميع.. لا يهمنا سوى لقمة العيش». اعتاد رمضان منصور الذى شارف على الأربعين من عمره على عرض تيشيرتات الثورة منذ تنحى مبارك امام محل كنتاكى المقر الرئيسى لرابطة فنانى الثورة حتى تغيير الأجندة السياسية فى الشارع، وبيعه تيشيرتات حركة تمرد وصور الفريق السيسى: استبدلت نشاطى من بائع تيشيرتات فرعونى للسياح بحى الحسين وخان الخليلى إلى تيشيرتات الثورة والموضة الحديثة من الزعماء والشخصيات العامة ونجوم الشباك فى جميع الأوساط، بعد ضيق الحال وتعطل السياحة فى مصر بعد ثورة 25 يناير». يضيف رمضان انه دخل ميدان التحرير ثائرا فى يناير، وأعجبته فكرة توثيق الأحداث السياسية من خلال تيشيرتات تحمل صورا للشهداء وشعارات الثورة؛ بعد ان وجدها مُجدية اثناء ارتباط الشعب بالميدان، وتفتح له بابا جديدا للرزق يعوله على تعليم أودلاه الجامعيين، بعد «العطلة السياحية» التى ضربت ذلك المجال: لم أجد بديلا سوى ذلك، ونعى جيدا مطلب الشارع، لذا تغير المنتج من عهد المجلس العسكرى الفترة الانتقالية من تيشيرتات «يسقط حكم العكسر»، إلى حكم الإخوان المسلمين، وكانت بالنسبة له فترة الذروة فى الشارع مع حركة تمرد وطبع تيشيرتات حملة اسقاط مرسى قبل 30 يونيو، وقوبلت حينها بالإقبال الشديد». يستعد رمضان للذكرى الثالثة بمجموعة جديدة من تيشيرتات الفريق السيسى وأخرى تحمل علم الدولة: نأمل ألا تغلق قوات الأمن مداخل التحرير فى ذكرى الثورة، فالباعة ينتظرون حشدا كبيرا بعد التصويت ب«نعم» على الدستور، لذا طبعنا كميات جديدة من صور الفريق السيسى، كما كان الحال فى الذكرى الأربعين لنصر أكتوبر». مهندس على الرصيف «ناس كتيرة استفادت من الثورة.. بياعين ومتظاهرين» العبارة هنا لمحمد يسرى، 25 عاما، الذى جلس بفرشته امام محطة مترو السادات بالميدان، منتظرا فرمان الحكومة بفتح المحطة، التى طالما جلبت له رزقا واسعا منذ دخوله التحرير بعد الثورة: هُنا الكل يغنى على ليلاه.. فنعيش فى عالم ضيق ولا أحد يشعر بنا! تأثر حال يسرى بحالة ثورة يناير، فالشاب الثلاثينى لا يختلف حاله كثيرا عن شباب تأزمت ظروف حياتهم بالعمل بعد الثورة، فمنهم من فُصل من وظفيته وآخرون وجدوا غايتهم فى أعمال أخرى، يتحدث بنبرة بها مزيج من الأسى والحسرة: فقدت وظيفتى كمهندس برمجيات فى احدى الشركات لتصفيتها بعد الثورة مباشرة، ولم اجد مهنة تصحح مسارى، حتى لجأت إلى الشارع لبيع الشارات والأعلام ودبابيس المظاهرات. يشير يسرى، الذى لايزال محتفظًا بميداليات وصور ل 25 يناير ومنها «كن مع الثورة» على فرشة عرضه بالميدان، إلى انه عرض خلال السنوات الثلاث جميع المنتجات المعبّرة عن نبض الشارع وصوت المرحلة، مستشهدا بعرضه أقنعة «فانديتا» المشهورة عن مجموعة «البلاك بلوك» اثناء الفترة الانتقالية وحكم الرئيس السابق محمد مرسى، وعروض أخرى لشباب الأولتراس اثناء الاحتجاجات التى صاحبت أحداث مجزرة بورسعيد، وتراوحت اسعارها حينها بين 20 و25 جنيها». استغلال خاص لأرصفة الميدان تصوير-جيهان نصر تجارة رائعة لكمامات الغاز وقت الاضطرابات تصوير-إيمان هلال ميدان التحرير تحول إلى سوق تصوير-إيمان هلال