"اسأل طبيب ولا تسأل مجرب" الفهم الواعي لطبيعة الأدوية التي تتناولها، سواء لعلاج مرض أو لتلافي أعراض، يسهم بصورة فعالة في الحصول على النتيجة المرجوة. كانت الأدوية دائمًا سلاحًا ذا حدين؛ فكما أن لها أثرًا فعالًا في العلاج، فإن هناك أيضًا أثرًا جانبيًا غير مرحب به، وإن كان تلافيه ممكنًا إذا ما تفهم الإنسان طبيعة الدواء وكيف يعمل. بعض الأدوية التي يتناولها الإنسان ربما بطريقة تلقائية، كتلك التي يُطلق عليها "أدوية الرف"، لوجودها على الأرفف في الصيدليات بصورة تتيح الحصول عليها دون وصفة طبية، قد ينتج عن تناولها آثار تطال ذاكرة الإنسان وقدراته المعرفية. من تلك المجموعة من الأدوية ما يصفه الأطباء أو ما اعتاد الكثيرون اللجوء إليه استنادًا إلى الخبرة الشخصية: الأدوية التي تعتمد في مفعولها على اعتراض عمل الأسيتيل كولين الموصل الكيميائي للنبضات العصبية في المخ، والتي تستخدم على نطاق واسع، ولا يخلو منها منزل تحسبًا للحاجة، لها أثر سلبي على ذاكرة الإنسان وقدراته الذهنية، مثل مضادات الهستامين (Banadryl) وتايلنول (Taylenolpei). معظم الأدوية التي تستخدم لعلاج أنواع الحساسية، أعراض القلق والاكتئاب، الأزمات الصدرية والمثانة والمضطربة، أنواع الالتهاب ومختلف ألوان الألم، أدوية تحث على النوم، وأدوية مرض باركنسون، كلها لها أعراض جانبية تطال وظائف المخ والذاكرة. خطورة تلك الأعراض الجانبية… إلى أي مدى؟ عام 2006 نشرت الدورية العلمية المعروفة BMJ نتائج دراسة مهمة أجريت لتفقد أحوال 372 رجلًا وامرأة ممن تجاوزوا الستين من أعمارهم، والذين لا يعانون من أي مشكلات تتعلق بالذاكرة. كان من بينهم نسبة 14% من معتادي تناول دواء واحد من تلك المجموعة من الأدوية التي تعتمد في عملها على مقاومة عمل الأسيتيل كولين في المخ (anticholinergic). تمت متابعة الجميع على مر ثمانية أعوام متصلة، خاصة الحالة الذهنية ومتاعب الذاكرة، فجاءت النتيجة لتؤكد أن 80% من أولئك الذين اعتادوا تناول أدوية من تلك المجموعة يعانون من متاعب تتعلق بالذاكرة والإدراك. وكان من الملاحظ أيضًا أن أعراض انسحاب الذاكرة توقفت نسبيًا حينما توقفوا عن تناول تلك الأدوية. هل تتناول أدوية النوم بانتظام؟ كل الأدوية التي تستخدم لعلاج الأرق، باستثناء استثناءات قليلة، تطال قدرات الذاكرة ووظائف المخ بدرجات مختلفة وفي صور متعددة. الأدوية المعروفة مثل فاليوم، ريستوريل، أتيفان، الزانكس لها أثر على ذاكرة الإنسان الحديثة (الأحداث القريبة زمنياً)، وقد تؤثر أيضًا على قدرة الإنسان على تعلم خبرات أو معلومات جديدة. تشمل آثارها صعوبة الاحتفاظ بالمعلومات مثل أرقام التليفونات والشوارع، إلى جانب أثر على التركيز وحسن الإنصات والتفهم. في النهاية، يخضع الأمر للقرار الذي يجب اتخاذه بعد مناقشة الطبيب، لكن على الإنسان بالشك واجب يجب القيام به إذا ما قرر الاستمرار في تناول دواء يهدد ذاكرته: دراسة كل ما يتعلق بهذا الدواء، مدى الاستفادة منه، كيفية تفادي مخاطره، لتحديد ما إذا كان مستعدًا لتقبل المخاطر مقابل أن يخلد للنوم تحت تأثير هذا الدواء. تناول أدوية النوم لفترات قصيرة وتحت إشراف الطبيب قد يبدو علاجًا مقبولًا ناجحًا لحالات الأرق المتكرر أو الضغوط العصبية الكثيفة أو مواجهة ظروف نفسية صعبة، مثل فقدان الأحبة أو التعرض لحوادث. لكن اعتياد تناول حبوب النوم بصورة دائمة ومستمرة من أسوأ العادات، إذ إنها وإن جلبت النوم إلا أنها تجلبه قسراً، وأثرها يطال وظائف المخ خاصة الذاكرة. الوجه الآخر للعملة العلم يتابع باستمرار أثر الأدوية على الإنسان حتى بعد إنتاجها وطرحها، وتتيح هذه المتابعة البحثية تقييمًا فعّالًا قد يؤدي إلى التوقف عن إنتاج الدواء إذا أسفر عن مضاعفات خطيرة، أو يؤكد فائدته. وقد تسفر المتابعة أحيانًا عن مفاجآت سارة، مثل ما يحدث حاليًا مع الأدوية المعالجة للألم أو الالتهاب من مجموعة NSAID غير المحتوية على الكورتيزون، مثل إيبوبروفين، أريفيل، إيفيل، والتي لها أثر إيجابي في علاجات الألزهايمر، ولا تؤثر على وظائف المخ أو القدرات الذهنية، حتى لدى كبار السن. الدرس المستفاد يجب الحرص في تناول الأدوية بصفة عامة، وعدم استخدام أي دواء بناء على مشورة صديق أو نصيحة مجرب. الأدوية يجب أن تُستخدم بناء على وصفة طبية من طبيب متخصص. يجب فهم أي دواء يتم تناوله، معرفة المادة الفعالة فيه، كل الأعراض الجانبية الممكنة، وكيف يمكن تفاديها أو علاجها عند ظهورها. الأدوية التي تُستخدم دون وصفة طبية، بما فيها الفيتامينات والمكملات الغذائية، يجب ذكرها عند زيارة الطبيب لأي سبب آخر. الاحتفاظ دائمًا بقائمة بها جميع الأدوية، وتسجيل أي ملاحظات عند تناول أي دواء جديد، خاصة لعلاج مرض مزمن مثل ارتفاع ضغط الدم أو مرض السكر، للتحكم فيه وتفادي مضاعفاته. ملاحظتك لأثر الأدوية هو أهم ما يجب متابعته ورصده لتحديد مستقبل استخدامها: هل ستستمر عليها أم يجب تغييرها؟ وإذا كان يجب تغييرها، فما هو الدواء البديل الأنسب؟ حتى بالنسبة لأدوية بسيطة مثل الإسبرين، من المهم بذل الجهد للتعرف على كل دواء تتناوله. هذه نصيحة طبيب قد تفيد أكثر من تجربة مجربة. دمتم جميعًا سالمين.