هذا الكتاب ينطبق عليه حرفيًا القول الشائع: كلما قرأت أكثر شعرتُ بجهلى أكثر، فعندما أهدانى مدير دار العربى للنشر الابن/الصديق شريف بكر كتاب "فلسفة الجوارب.. أفكار تافهة، نتائج عظيمة"، تصورتُ أن الكتاب يحكى عن المشكلة الأزلية المتعلقة بعدم التطابق بين أزواج الجوارب. لكن ما أن بدأت فى القراءة ثم توغّلت فى الكتاب حتى اكتشفت أن هناك عالمًا واسعًا جدًا لا أكاد أعرف عنه شيئًا هو عالم الجوارب. الكتاب الذى نشَرَته دار العربى فى عام 2025 من تأليف چون كلود هوفمان وترجمة أمانى مصطفى- يأخذنا حرفيًا إلى التفكير فى ما لا يمكن التفكير فيه، حتى أن القارئ بعد أن يفرغ من القراءة يفاجأ بأن الجوارب لها علاقة بكل شئ تقريبًا- من أول الرياضيات والفيزياء، وحتى السياسة والعلاقات الدولية، وفى المنتصف توجد ثمة علاقة قوية بالغناء والفلسفة وعلم النفس. وإذا كان هناك من شئ غفل عن ذكره الكتاب، فهو استخدام الجوارب فى صنع الكرة الشراب التى احتلَت شوارعنا زمن الستينيات والسبعينيات، وما غفل چون كلود هوفمان عن الدور العظيم الذى أسدته الكرة الشراب لعشَاق كرة القدم إلا بسبب الاختلاف بين الثقافتين الفرنسية والمصرية. • • • دخل هوفمان إلى موضوع الجوارب من باب اقتناعه بأن الأشياء كالشراشف (المفارش) والأوانى ومحتويات حقائب النساء- من حقها أن تحكى حكاياتها وتتكلم عن نفسها، وهذه فكرة لطيفة تبدد الملل وتبث الروح فى الجماد. وعلى المستوى الشخصى أنا من المؤمنين بأن العلاقة الحميمة بيننا وبين أشيائنا ترتبط بإحساسنا بها ولا تنبع من فراغ، ومن هنا أتقاطع مع تفكير هوفمان لكن ليس إلى المدى الذى ذهب إليه. فالجوارب عند هوفمان تفرض نفسها على الرياضيات،لأنك كى تضمن تكوين زوج متناسق من الجوارب لا يمكن أن تكتفى باستخراج فردتين اثنتين من الدرج الممتلئ بعشرات الجوارب من كل الألوان والأحجام، وهذا يعنى أنه يلزمك فى الحد الأدنى استخراج 3 فرد من الدرج لتكوين زوج واحد. كذلك ترتبط الجوارب عند هوفمان بالفيزياء، وقد قال فى ذلك كلامًا كثيرًا عن البروتونات والنيوترونات لم أفهمه بسبب ضعفى فى الفيزياء وكذلك لأن لغة الترجمة لا تتمتع بالسلاسة المطلوبة. لكنى فهمتُ مثلًا علاقة الجوارب بالفلسفة، وكيف أن هيجل اعتبر الجوارب المثقوبة دليلًا على وجودها مثلما اعتبر ديكارت التفكير دليلًا على وجود الإنسان. ومسألة الجوارب المثقوبة هذه كان الكاتب يتركها ويعود إليها فى سياقات مختلفة داخل الكتاب، ومن ذلك مثلاً ذلك الموقف المحرج الذى وجد فيه بول ولفوفيتز مستشار بوش الابن الأسبق عندما اضطرّ لخلع حذائه عند دخوله مسجدًا فى تركيا فإذا بثقب واسع فى جوربه تخرج منه أصابعه!. • • • والعلاقة مع الجوارب تكشف أيضًا عن نوع المرض النفسى الذى يعانى منه بعض الأشخاص، فالمصاب بالوسواس القهرى يكرر خلع الجورب وارتدائه دون توقّف، والمصاب بالفوبيا من الأماكن المغلقة وخشية الاختناق يوسّع ثقوب الحياكة حتى يضمن دخول الهواء لقدميه، والمنحرف جنسيًا قد يذهب إلى حد القتل حتى يظفر بجورب عليه رسم لهارى بوتر كما يقول الكتاب. أفتح قوسين لأقول إننى كنت أعرف من خلال فيلم "مطاردة غرامية" أن منير أو فؤاد المهندس كان مهووسًا بالأحذية النسائية "بوز جزمتك يا مدام بيدّل على أنوثة طاغية"، وها هو هوفمان يضيف إلى معلوماتى وجو نوع من الهوس بالجوارب. كما أن الجوارب تُستخدم فى تمرير الرسائل السياسية، وهذه أيضًا معلومة جديدة تمامًا بالنسبة لى. وحسب هوفمان فإن جاستن ترودو رئيس وزراء كندا السابق كان بارعًا فى التوظيف السياسى لجواربه حتى أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كانت تنحنى لتتأملها! وهكذا فإن أراد ترودو التأكيد على أهمية تقوية حلف شمال الأطلنطى كان يرتدى جوارب مرسومًا عليها سفن بحرية، وإن أراد الدفاع عن المثلية كان يرتدى جوارب عليها ألوان قوس قزح. لكن على أى حال فإن مجال التوظيف السياسى للجوارب لم يقتصر على ترودو، فلقد أقدمَت كاميلا هاريس نائبة الرئيس الأسبق چو بايدن على استخدام جوارب مكتوب عليها "المستقبل نسوى The future is female ". • • • وفى ما يخصّ مكانة الجوارب، يستطرد الكتاب فى توضيح كيف تراجعَت هذه المكانة بعد المجد الذى عاشته الجوارب فى زمن العصور الوسطى وعصر النهضة عندما كانت تغطى الساق بأكملها. فمع انقضاء هذه الحقبة التاريخية أصبحَت الجوارب قصيرة مخفية تحت السروال، مكانها قريب من الأرض ومحكوم عليها بالإهمال. لكن هذه ليست نهاية القصة، فلقد رفضَت الجوارب الاستسلام وتمردَت على محاولات تحقيرها وإخفائها وتصغير شأنها، هل يمكن للجوارب أن تتمرد؟ يبدو هذا. عندما حرص مايكل چاكسون على ارتداء الجوارب البيضاء مع الحذاء الموكاسان الأسود، ابتسم الحظ للجوارب، وصارت الجوارب البيضاء ملء السمع والبصر، وصارت جوارب مايكل چاكسون بالذات تباع بآلاف الدولارات. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل انتشرَت موضة ارتداء الجوارب البيضاء مع الشباشب وتغنّى مطرب الروك الفرنسى Alrima بأغنية عجيبة غريبة "أرتدى الشباشب والجوارب" وطبّقت شهرتها الآفاق. ومضت الجوارب خطوة أبعد بتمردها على محاولة السخرية منها، فعادةً ما كانت الجوارب المدلاّة مدعاة للتهكم والتندّر، وهذا صحيح وكلنا نذكر أغنية سعاد أو شادية فى فيلم "أضواء المدينة" وهى تتغنّى بكلمات مرسى جميل عزيز "قال إيه شَرَابى مدلدل وكاوية شعرى بمكوة رِجل"، وهى كلمات غير تقليدية من الشاعر الذى ألّف قصيدة "سوف أحيا" لفيروز وأغنية "من غير ليه" لمحمد عبد الوهاب. لكن على أى حال تمردَت الجوارب الصوفية على هذا الوضع وصار ظهورها وهى مدلاة نوعًا من الأناقة. بل إن الجوارب المستعملة وذات الرائحة الكريهة أصبح لها سوق تباع فيه وتُشترى، ويحكى الكتاب عن قصة امرأة فرنسية تجنى سنويًا قرابة 115 ألف يورو بالتمام والكمال من وراء الإتجار فى الجوارب البالية. وفى هذا السياق، ربما احتجنا لإعادة الاعتبار لجوارب عمر أو جمال إسماعيل القذرة فى مسرحية "مطرب العواطف"، وجوارب نادر أو أسامة أبو العطا المتسخة فى فيلم "السفارة فى العمارة". وفى كل الأحوال، فإن تفاهة الجوارب ليست مطلقة، فهى مقدّرة عند الأطفال وعندما تمتلئ بهدايا الكريسماس يكون لها وقع السحر فى نفوسهم، كما أنه من المستحيل تهميش الجوارب فى اسكتلندا لأنها جزء أصيل من الزى الوطنى، وأحيانًا تُستخدم فى ملئها بالنقود على سبيل الادخار، كما يستخدمها البعض فى تصفية السوائل مثلها مثل الشاش. • • • انتهيت من قراءة الكتاب لكنى لم أخرج بعد من عالم الجوارب، والأرجح أننى سوف أحتاج لإعادة تقييم موقفى من كل الجوارب، سواء بالتعامل معها بحساسية أكبر كى تتجاوز قلق التفاهة، أو بعدم المبالغة فى الإلحاح على أولادى لارتدائها فآينشتاين بجلالة قدره كان يكره ارتداء الجوارب.